المستعصم بالله، وحلقة الخيانة، والحظ العاثر.
الجزء الثامن: سر بغض العلويين له!.
مر معنا جانب من سيرته، ونضيف هنا فضائل اُخرى مغمورة من سيرته فيها الدلالة الكافية على عفته ونزاهته، وحنوّه على أهل بيته، وعلى ألأسرة العباسية الكبيرة، ورعايته لبني عمومته العلويين، الذين هم في الواقع خصوم له. ثم نُلقي بعض الضوء على حرصه الدؤوب لتسيير حملة الحج العراقية التي كانت متوقفة لسنوات، من قَبلِ توليه الحكم، ونَعرِض لأسباب التوقف.
ليس بالخليفة اللّاهي:
عن جانب من حياته الذاتية قال ابن كثير: (بويع بالخلافة ولُقّب بالمستعصم، وله من العمر يومئذِ ثلاثونَ سنةً وشهورٌ وقد اتقن في شبيبته تلاوة القرآن حفظاً وتجويداً، واتقن العربية والخط الحَسَنَ وغير ذلك من الفضائل على الشيخ شمس الدين أبي المظفر علي بن محمد بن النيار احد ائمة الشافعية في زمانه، وقد اكرمه واحسن اليه في خلافته، وكان المستعصم على ماذُكِرَ كثير التلاوة حسن الأداء طيب الصوت، يظهر عليه خشوعٌ وإنابة، وقد نظر في شيء من التفسير وحل المشكلات، وكان مشهورًا بالخير مشكورًا مقتديًا بأبيه المستنصر جهده وطاقته، وقد مشت الأمور في أيامه على السداد والإستقامة بحمد لله) (فَكَانَ آخَرَ الْخُلَفَاءِ مِنْ بَنِي الْعَبَّاسِ الْحَاكِمِينَ بِالْعَدْلِ بَيْنَ النَّاسِ، وَمَنْ يُرتجى منهم النوال ويُخشى البأس) (1). أي انه كان رحيماً ولكن حازمًا وليس قاسيًا في ألامور التي تحتاج الى الحزم والشدّة. على عكس ما زعم إبن العبري وإبن الطقطقي.
عفّته وصلاحه:
وأما عفّته فلا يرقى اليها الشك، فهو لم يعرف المسكر والمخدر، وليس كما هو حال الكثير من قادة اليوم، ولم يَلهُ مع الجواري والقيان لهوًا فاحشًا كما يُتَبادر الى بعض الأذهان، وإنما يستمع الى الغناء. ولا أدل على عِفّته من حادثة المغنية البغدادية المشهورة "لحاظ"، التي ذكر قصتها مغَنّي الخليفة صفي الدين الأُرمَوي (2)، قال: (حدثتني لحاظ قالت: داعبني الخليفة يوماً ونحن في خلوة مداعبة، وظننت انه يريد مني بعض الأمر، فظهر له مني ما يدل على الإجابة فتوَقَّر وغضب وقال: ويلك أظننتِ أني جادّ. وهل ترين الا المزاح، نعوذ بالله من المعصية) فهو يترفع بإباء عن الخنا والفجور والحرام.
مُحاربته للفساد المالي:
ليس عفيفًا فحسب، بل هو لا يتهاون مع مَن يَستغلّ المنصب الرسمي، وهو بالمرصاد لمن يريد العبث بأموال الدولة. وسرقة أقوات الناس. فهذا الخليفة المؤمن الصالح حين تناهى الى مسامعه ان هنالك تصرفات مالية وسلوكية مريبة لأحد موظفي الدولة، تدخل فورًا وحسم ألأمر بالزجر والعقوبة. لقد كان الخليفة المستعصم يحب الاستماع الى المُغنية لحاظ، الا انه سمع ذات يوم انها كانت تتصل بناظر ديوان المكوس (الضرائب) ابن معمر، الذي كان يتعهدها بمبالغ كبيرة شهريًا، فأمر الخليفة بنفيها وعزل ابن معمر عن وظيفته، ومصادرة امواله المشبوهة. روى ذلك إبن فضل الله العمري (3):
(قال عبد المؤمن: كان ببغداد رجل يقال له ابن معمر، وكان ناظر ديوان المكوس، وكان يسكن الكرخ، وكان يحمل إليها في كل شهر خمس مئة دينار، وانطوى ذلك عن الخليفة "أي أُخفي ذلك عن الخليفة"، ففي بعض الأيام حضرت لحاظ على عادتها بين يدي الخليفة مع جماعة من المغنين فغنت:
"ذَكَرَ الكرخ نازح الأوطان ... فاستهلّت مدامع الأجفان"
فقال بعض الحاضرين من المغنّين: كيف لا يذكر الكرخ من يصل إليه في كل شهر خمس مئة دينار، فسأل الخليفة عن القصة، فأخبروه بالحال، فأمر بنفي المغنية، وعزل ابن معمر عن ولايته، وما زالت تستصفى امواله) (4). ولك ان تقارن هذه المواقف المسؤولة والنزيهة مع ممارسات مسؤولي العصر الراهن.
إصلاح طريق الحج، وتسيير المحمل العراقي:
والمحمل أي القافلة الرسمية للحج. وهذا عمل جليل له شأن ورمزية أستثنائية. يحتفي الناس وينشغلون بِأخباره طوال العام، ويأملون المشاركة فيه، حيث يتطلع الى إنفاذ المحمل كل راغب في الذهاب الى ألأرض المقدسة. ثُمّ عودة المحمل من الحج حدث عظيم. فَشَرَع المستعصم في (الاهتمام بامور الحج واعادته على اجمل قواعده، وتعيين من يتولى الإهتمام بالآبار التي في طريق مكة، وتنقيتها واصلاحها).(5).
سبب إنقطاع رحلة الحج العراقية الرسمية:
أما سبب إنقطاع رحلة الحج من قبل أن يتولي المستعصم للخلافة، فمردّ ذلك الى الأوضاع ألأمنية المضطربة التي كانت عليها الدولة، فقد كانت تمر بظروف قاهرة، في ظل أجواء خطر المغول الغُزاة القادمون من الشرق، يقضمون أطراف العالم ألإسلامي ألشرقية. والتهديدات الصليبية المتواصلة من الغرب، بالإضافة الى إستفحال الخطر الداخلي المُتمَثل في تزايد عمليات السطو في مناطق العراق الجنوبية وفي البادية، مما جعل طرق الحج غير آمنة، ومليئة باللصوص وقُطّاع الطرق، وبالصراعات القبلية التي تمنع مرور القوافل عبر أراضيها. وحيث أنّ الدولة العباسية تعاني من تضائل كيانها الجغرافي وقوتها ألضاربة، ومنشغلة بمواجهة أكثر من تحدي وجودي. سواء من الشرق أوالغرب، والمال في ذات الوقت شحيح لديها. لذا ضاقت أيديها عن القدرة على حماية قوافل الحجيج. بما فيها حملة المحمل العراقي / قافلة الحج الخليفية الرسمية.
ومن المعلوم أنّ الحج في تلك القرون لم يكن رحلة فردية فقط، بل إعتاد الناس الرحلة مع القوافل، وخاصة مع المحمل الرسمي، والمحمل له رسوم وتقاليد في موسم الحج في الذهاب وفي ألإياب. وكانت الإستعدادات للمحمل عديدة. فقافلة المحمل قطعًا تحتاج الى أمير للحج يُنَصّب من قبل الخليفة، وجنود لحماية القافلة، وتجهيز كسوة الكعبة وكسوة الحجرة الشريفة، ووسائط نقل للأمتعة، وعلف الدواب، وتأمين الطرق، وتموين كاف طوال أيام الطريق ذهابًا وعودة. وصيانة وتأمين أبار المياه، ثُمَّ توزيع الُخُلع والكساوي، وصدقة فقراء الحرمين وعرب البادية، وغير ذلك من المستلزمات والتجهيزات التي لم تكن متاحة، ولوجود موانع ومعوقات، فأدت مجتمعة الى توقف رحلة الحج رسميًا لبضع سنوات قبل أن يتولى المستعصم الحكم.
ولكن فعليًا ربما حج أفراد قليلون جدّاً سرًا، أو ضمن قوافل ثانوية كقوافل شامية أو من غيرها من البلدان، ولكن وبشكل عام، فالحج الرسمي المستقل بالطريق العراقي من بغداد الى مكة، لم يكن متاحًا يومذاك. وإنفاذ المحمل العراقي مُجَدَدًا كان حدثًا له شأنه، ويُبرز جانب من طبيعة ألإهتمامات التي شغلت بال المستعصم، وحرصه على إقامة ركن أساسي من أركان الإسلام، وتسهيل أداء شعيرة الحج على المواطنين.
تواضعه وحبه لأبناء عمومته العلويين:
عبّر المستعصم عن تعظيمه وتكريمه لأبناء عمومته العلويين بأكثر من طريقة وأكثر من موقف. فقد أورد إبن الفُوَطي شيئاً من ذلك فقال: (وفي سابع عشر رجب المبارك، قصد الخليفة زيارة مشهد موسى ابن جعفر عليه السلام، وكان يومُا مطيرًا، ونزل عن مركوبه من باب سور الشهيد، وانحدر في رابع عشر شعبان الى زيارة سلمان الفارسي رحمه الله.)(6). لاحظ احترام الخليفة العباسي لإبن عمه العلوي، حيث ترجل عن فرسه من مكان بعيد عن المشهد، ولم يمنعه المطر من إتمام الزيارة.
و (أمر الخليفة بعمارة سور مشهد موسى ين جعفر عليه السلام، فلما شرعوا في ذلك وجدوا برنية "إناءٌ واسعُ الفَمِ من خَزَف أو زُجاج ثخين" فيها الفا درهم قديمة منها يونانية عليها صور، ومنها ضرب بغداد. سنة نيف وثلاثين ومائة، ومنها ماهو ضرب واسط. يقارب هذا التاريخ، فعرضت على الخليفة، فأمر ان تصرف في عمارة المشهد، فإشتراها الناس بأوفر الاثمان) (7)، وهنا يرد السؤال: هل هذا فعل من إتهموه في أنّ هَمّه جمع المال؟.
سر كراهية العلويين للخليفة:
هنالك خصومة أبدية من العلويين (الشيعة) للعباسيين بدأت منذ سقوط دولة ألأمويين وإستلام العباسيين للحكم. ومن يومها بدأ النزاع والصراع على السلطة على أشُدّه، لأن العلويين يعتقدون أن العباسيين إستأثروا بالسلطة، وأن العلويين هم ألأحق بها. وهذا سبب مهم يفسر الخصومة والصراع الدائمين. ولكن وبالإضافة الى هذا السبب التاريخي الدائم، والمثير لكراهية الشيعة للعباسيين. نضيف هنا سببًا آخر يخص كراهيتهم للخليفة المستعصم بالله بالذات.
لقد وضع يدنا ابن الفُوَطي على جانب من سر تلك الكراهية للخليفة بالذات وتآمرهم علية حين قال: (وفيها "سنة احدى واربعين وستمائة" تقدم الخليفة الى جمال الدين بن الجوزي المحتسب "صاحب الحسبة اي الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بين الناس" بمنع الناس من قراءة المقتل في يوم عاشوراء والإنشاد في سائر المحال بجانبي بغداد سوى مشهد موسى بن جعفر عليهما السلام) (8)، فالخليفة قد منع ممارسات البدع والخرافات وألأقوال التي تثير الفرقة والفتنة في المجتمع البغدادي. وفي واقع الحال فإن هذه الممارسات قد تَشَرّب بها الفكر والعقل الشيعي حدّ الإعتقاد.
في الجزء التالي سنذهب الى مواقفه العسكرية في مواجهة المغول، وتفنيد اقوال القائل: بأنه كان لاهيًا خائنًا ضعيف الرأي، قليل الخبرة، كثير الغفلة، قليل العزم. على حد وصف إبن العبري، والهمذاني، وإبن الطقطقي.
تعقيب: ابن الفُوَطيّ حنبلي المذهب سلفي المشرب في دينه رقة خالط الشيعة وتتلمذ على الطوسي والتجأ اليه وحماه من المغول / يبالغ في تقريظ المغول مع ان فيهم المسلم وغير المسلم، والتقريظ لهم بشكل عام مجافٍ للإنصاف.
المصادر والمراجع:
1- البداية والنهاية لإبن كثير ج13 ص233238- الطبعة الاولى مكتبة التراث العربي تحقيق علي شيري.
2- صفي الدين عبد المؤمن بن فاخر الارموي شيخ شيوخ فقهاء المستنصرية، وبعهدته مكتبة المستنصرية. وإنتهت حياته على يد المغول، وذبح بدار الخلافة، كما قتل معه ابن أخيه شرف الدين عبد الله وآخرين من اعيان بغداد ووجهائها، امر المغول بقتلهم. انظر: تاريخ علماء المستنصرية ناجي معروف ص 18 و37 الطبعة الأولى 1379هـ - 1959م مطبعة العاني/ بغداد.
3- هو أبو العباس شهاب الدين إحمد بن فضل الله بن يحيى بن أحمد العمري، من نسل عمر بن الخطاب (700 - 749هـ = 1301- 1349م)، عالم، جغرافي، مؤرخ، وأديب دمشقي، صاحب كتاب مسالك ألأبصار في ممالك ألأمصار.
4- مسالك الأبصار في ممالك الأمصار ج10 ص316، أحمد بن يحيى بن فضل الله القرشي العدوي العمري، الناشر: المجمع الثقافي، أبو ظبي، الطبعة: الأولى، ١٤٢٣ هـ
وانظر كذلك حياة اقبال الشرابي لناجي معروف، ص 29، مطبعة الارشاد/ بغداد، الطبعة الأولى 1385هـ - 1966م.
5- الحوادث الجامعة والتجارب النافعة في المائة السابعة، لأبي الفضل عبد الرزاق بن الفوطي/ ص 173، تقديم العلامة محمد رضا الشبيبي والاستاذ مصطفى جواد/المكتبة العربية / ومطبعة الفرات 1351هـ / بغداد.
6- المصدر السابق ص 185.
7- المصدر السابق ص 244.
8- المصدر السابق ص 184.