المستعصم بالله، وحلقة الخيانة، والحظ العاثر.
الجزء السابع: جوانب مُضيئة من مغمور سيرته:
تم التطرق الى نُتَف من جوانب سيرة المستعصم بالله وحسن خلقه وتعامله، وذلك حين ناقشنا ألاتهامات التي روج لها ابن العبري، والهمذاني، وابن الطقطقي.على الخليفة المستعصم بالله. وهنا نتوسع قليلًا في إلقاء مزيدًا من الضوء على سيرته ومسيرته. التي تَشي وبشكل جليّ الى أنه لم يكن صاحب قصف ولهو، ولا لاهيًا مع الجواري والغِلمان، ولا مغرورًا ضعيفًا كثير الغفلة. كما أرادوا النيل منه.
صلاحه وتقواه:
ارّخ عبد الرحمن سُنُبط قنيتو الأربلي (640- 717هـ) وهو عالم، مؤرخ، من مدينة أربيل، مشهور بالبلاغة وحسن النظم، ومن معاصري المستعصم بالله. أرّخ لجانب من صلاح وتقوى ألمستعصم فقال: (أما سيرته فكان فيه اوصاف لم تجتمع في غيره ممن مضى من آبائه واجداده رحمهم الله، فانه كان حافظًا للقرآن المجيد، عاكفًا على تلاوته، مواظبًا على الصلوات في اوقاتها، وصوم الاثنين والخميس من كل شهر، وصوم شهر رجب دائمًا، لا يخل بذلك مدة خلافته، وقبل خلافته)(1).وهنا التفاتة إستثنائية من المؤرخ في ان المستعصم فاق آباءه وأجداده في صفات الصلاح والتقوى. وربما التقط الخصوم هذا المعنى بِغَيظٍ وعكسوا المراد منه، فأوردوه مبتورًا في مدوناتهم في معرِض ألإنتقاص في أنّه لم يكن كأبيه وجده.
وذكر إبن كثير أن المستعصم أتقن في شبيبته تلاوة القرآن حفظًا وتجويدًا، وأتقن العربية والخط الحسن وغير ذلك من الفضائل، ثم قال:(وكان مشهورًا بالخير مشكورًا مقتديًا بأبيه المستنصر جهده وطاقته، وقد مشت ألأمور في أيامه على السداد والإستقامة بحمد الله)، (فَكَانَ آخَرَ الْخُلَفَاءِ مِنْ بَنِي الْعَبَّاسِ الْحَاكِمِينَ بِالْعَدْلِ بَيْنَ النَّاسِ، وَمَنْ يرتجي منهم النوال ويُخشى البأس) (2).
ا
قاريء ومُحَدِّث:
كان المستعصم بالله يتقن تلاوة القرآن حفظًا وتجويدًا. وروى الحديث الشريف، بإجازة جماعة من كبار علماء عصره. وألإجازة لها مرتبة مُعتبرة في التحديث وعلوم الحديث. وأجاز هو لجماعة بالحديث عنه. وخرّج له الحافظ الدمياطي 40 حديثًا. وشهد له أنه كان كثير القراءة للقرآن الكريم، محبًا للسنّة ولحديث النبي (صلى الله عليه وسلم)، محبًا للعلم والعلماء، شغوفًا بالقراءة، والتردد على خزانة الكتب. وقد كان له اهتمام بالتفسير، ونظر في حل المشاكل الفقهية. (والحافظ الدمياطي الشافعي، كما في طبقات الشافعية، كان الحافظ زمانه، واستاذ الأستاذين في معرفة الأنساب، وامام اهل الحديث، المجمع على جلالته، الجامع بين الدراية والرواية بالسند العالي للقدر الكثير، وله المعرفة بالفقه)(3).
تحريره ألبلاط، وألأسرة العباسية:
كان المستعصم بالله رحيمًا بمن حوله من اسرته المُقربين، وبالأسرة العباسية ألأوسع. ولعل من ابرز سِمات الرحمة والعطف الذي امتاز به تجاه اسرته، والاسرة العباسية، هو تخلّيه عن الطريقة التقليدية التي انتهجها من سبقه من الخلفاء في حبس أولادهم وتهيئة المعلمين والمُربين لهم في عالمهم الخاص داخل القصور. كما لم يقيّد حركة كبار الأسرة العباسية. وإنما أتاح لهم جميعًا التخفف من قيود البروتوكول الخليفي المنظم لحركات وسكنات التابعين والمحسوبين على قصر الحكم. وسمح أن يتنسموا نسيم الحرية في تنقلهم وتفاعلهم مع الحياة والمجتمع. وبتعبيرنا اليوم، يصح أن نقول عن المستعصم بالله أنه شخص مُتنور، وأكثر تقدّمية، بما لايخل بالمطالب العامة وألإلزامات الشرعبة.
فرية زوجاته السبعمائة:
لم يكن له سبعمائة زوجة وسرية كما اتهمه الهمذاني. بل إقتصر في كل حياته على ثلاث، وأحسن العشرة معهن والوفاء لهن. بل ولم يكُن الثلاث على ذمّته في وقت واحد، إذ كان (له جاريتان قبل الخلافة، له من احداهما ثلاث بنين وبنت. ومن الأخرى أربع بنات. فلما افضت الخلافة اليه، لم يتغير عليهما، ولا أغارهما. بل راعاهما، حفظًا لعهدهما. ثم طلبت منه ام البنين ان يعتقها ويتزوجها، ففعل ذلك. فلما ماتت استجد باخرى، وحظيت عنده، فلم يعترض بغيرها، وجاء منها بولد ذكر. وطلبت منه ايضًا ان يعتقها ويتزوجها، ففعل ذلك. هذا فيما يرجع الى حسن العشرة، وحفظ العهد، ومراعاة الصحبة والوفاء) (4). ومن المعلوم أنّ أمّ الولد جرى الشرع والعرف على أنّ لها حق ألعتق إن طلبت ذلك.
إهتمامه بالمدارس والمساجد والرُبَط:
أما على صعيد الإلتزام بالعمل الديني والمدني فـ (انه أثّر آثاراً جميلة، منها عمله الرباط المستجد بباب قطفتا من الجانب الغربي بالرقيقة، وكان يوم فتحه يُشهد، وذلك في الأحد ثامن عشر من المحرم سنة خمسين وستمائة، ومنها المدرسة البشيرية التي استجدها مقابل مشهد الشيخ معروف الكرخي، وجعلها برسم فقهاء الأئمة الأربعة، وفتحها في يوم الخميس ثالث عشر جمادي الآخرة سنة ثلاث وخمسين وستمائة. وكان – قدس الله روحه - كثير الصيام والتنفّل، نقش خاتمه "إعتصمتُ بالله".)(5).
و(الرُبَط) تعني الخلوات والتكايا المجهّزة الموقوفة للفقراء والصوفية، يتفرغ فيها الزهاد للعبادة والتأمل.
كان يطوف في بغداد (فلم يدع صالحًا ولا وليًا إلّا زاره وقصد مشهده، ولا رباطًا منسوبً اليهم ولا مدرسة الا تردد اليه وشاهده. وقصد المدرسة المستنصرية يوم الجمعة سابع شعبان، ومعه الشيخ شمس الدين علي بن النيار وأعتبر خزانة الكتب التي بها، وأنكر عدم ترتيبها، ووكل بالنواب يومين، ثم افرج عنهم )(6). اي عاقب الموظفين الموكلين بعناية الكتب على اهمالهم، وحبسهم يومين. وهذا يَنُمّ على إهتمامه بالمكتبات وتقديره للكتب، لأنه هو شخصيًا له شغف بالقراءة.
تكريم ألعلماء، والإفراج عن السجناء:
في اول تولي المستعصم الخلافة قال ابن الفُوَطي: (تقدم الخليفة بإحضار شيخه العدل شمس الدين علي بن النيار، فحضر عنده، فأكرمه وسلم اليه خزانة الكتب التي لخاصته، وأمره بالترداد والملازمة، ثم أمر بالإهتمام في امور الحج ، وكان منقطعًا منذ سنة اربع وثلاثين، وتقدم بالإفراج عمن كان محبوسًا بحبس الجرائم، وليس قبله حد شرعي.)(7). وأكد هذا ألأمر مرة أخرى في ص 177 فقال: (الافراج عن جميع المسجونين في حبس الشرع، بعد ان يرضى غرماؤهم بالمصالحة على ديونهم) وأشار الى ذلك الامر مرة ثالثة: فقال: (وتقدم الخليفة بمصانعة غرماء المحبوسين في حبس الشرع وأداء ماعليهم والإفراج عنهم، وأبرز برسم الصدقات شيئًا كثيرًا) (8)، أي أنّه أعطى صدقات كثيرة، ودفع دِيّة من عليه الدِيَّة من المحبوسين. وتأكيد فعلِه هذا إنما يأتي لما في ذلك من تطييب للنفوس، ورفع لإحتمالية وجود ألحيف.
في الجزء القادم: سنتابع – إن شاء الله – جانب آخر من سيرة المستعصم بالله وما قام به من إعادة تسيير محمل الحج العراقي الرسمي (المُنقطع) الى البيت الحرام، وأسباب إنقطاعه لعدّة سنوات. وننظر الى علاقته مع أبناء عمومته الذين يُدعون بالعلويين، وسر كراهيتهم له!. وعِفّته وطهارة ثوبه. ومحاربته للفساد المالي. وغير ذلك من أمور سيرته الحَسَنة. وبالله التوفيق.
المصادر والمراجع:
(1) خلاصة الذهب المسبوك مختصر من سير الملوك لعبد الرحمن سُنُبط قنيتو الأربلي ص 289- 291 تصحيح مكي السيد جاسم/ مكتبة المثنى – بغداد.
(2) لبداية والنهاية لإبن كثير ج13 ص233-238- الطبعة الاولى مكتبة التراث العربي تحقيق علي شيري.
(3) الحافظ الدمياطي الشافعي (613 - 705هـ) طبقات الشافعية الكبرى لتاج الدين عبد الوهاب بن تقي الدين السبكي/ المحقق د. محمود محمد الطناجي، و د. عبد الفتاح محمد الحلو/ ج10 ص 103 التسلسل 1380، ط2، الناشر هجر للطباعة والنشر والتوزيع.
(4) خلاصة الذهب المسبوك مختصر من سير الملوك لعبد الرحمن سُنُبط قنيتو الأربلي ص 291.
(5) مختصر التاريخ من اول الزمان الى منتهى دولة بني العباس لظهير الدين علي بن محمد البغدادي المعروف بإبن الكازَروني ص270، تحقيق وتعليق الدكتور مصطفى جواد / المؤسسة العامة للصحافة والطباعة/ مطبعة الحكومة- بغداد/ 1390هـ- 1970م.
(6) الحوادث الجامعة والتجارب النافعة في المائة السابعة لأبي الفضل عبد الرزاق بن الفوطي/ تقديم العلامة محمد رضا الشبيبي، والاستاذ مصطفى جواد ص170/المكتبة العربية / ومطبعة الفرات 1351هـ / بغداد
(7) المصدر السابق ص 163-164.
(8) المصدر السابق ص 194.