المستعصم بالله، وحلقة الخيانة، والحظ العاثر.
الجزء السادس: تعزيز شهادات معاصرو الغزو.
قدمنا في الجزء السابق شهادات المعاصرين في الخليفة المستعصم، والحقيقة أنّ شهاداتهم توثيق لا يُعلى عليه، خاصة انها كانت عن قرب، زماني ومكاني، بعيدًا عن التزلف والمجاملة والنفاق. لأنها صدرت بعد موت المستعصم. وبالتالي لا تحتاج مثل هذه الشهادات الى تعزيز. فهي وثائق أصلية.
مر معنا على سبيل المثال تجنيات إبن الطقطقي والتي وصف فيها المستعصم بالله باللهو واللعب وسماع ألأغاني وإتهامه بالبخل والخيانة وأنَّ أصحابه وحاشيته وأعوانه اراذل القوم، وأنه قليل الخبرة بإمور المملكة غير مُهاب، إلى آخر تلك الصفات التي كالها للخليفة لمستعصم بالله. وقد بيّنا زيف أقواله تلك، ورددنا عليها، بما حواه التاريخ من حقائق. ومن خلال شهادات من التقوا الخليفة أو أولئك ألذين عرفوه عن قرب كونهم من سكنة بغداد مركز الخلافة العباسية قلب العالم ألإسلامي النابض. ولأن جُلّ العلماء حتى أولئك الذين جاءوا بعد الغزو، كان رأيهم إيجابيًا عن المستعصم. أجد من الضروري إبراز بعضًا من شهاداتهم. وأعني من عاشوا بعد حادثة ألإجتياح المغولي، ولعل بعضهم كان قد رأى بأم عينه المغول وهم يجوسون في الديار. وسنرى وجهة نظرهم في المستعصم ودرجة تقييمهم له. قبل أن نتحدث عن الوجه الحقيقي للمستعصم في سيرته وسلوكة.
6 – الذهبي (673- 748هـ):
الذهبي: هو إمام محدث حافظ مؤرخ ومحقق دمشقي شافعي. أورد في ترجمته للمستعصم تحت تسلسل 6283 في كتابه سير اعلام النبلاء وصف الخليفة بالشهيد وبعبارة التبجيل فقال: (المستعصم بالله الخليفة الشهيد أبو احمد عبد الله بن المستضيء الهاشمي العباسي البغدادي)... ولِد سنة تسع وست مئة .واستخلف سنة أربعين يوم موت أبيه في عاشر جمادى الآخرة... (وكان فاضلاً، تالياً لكتاب الله، مليح الكتابة. ختم على ابن النيّار، فأكرمه يوم الخَتم ستة آلاف دينار، وبلغت الخِلَعُ يوم بيعته أزيدُ من ثلاثة عشر ألف خِلعةٍ). (وكان كريماً، حليماً، ديّناً، سَليمَ الباطن، حسَنَ الهيئة) (1) .
7– الصفدي (696- 764هـ):
الصفدي: وهو الحافظ المؤرخ الأديب الشاعر الشافعي الدمشقي. عَبّر هو ألآخر عنه بالشهيد، حينما ترجم له في كتابه الوافي تحت رقم 539 فقال: (أمير المؤمنين ... أبو أحمد المستعصم بالله الشهيد ابن المستنصر، آخر خلفاء العباسيين بالعراق).
وقال: (وكان مليح الخط. قرأ القرآن على الشيخ علي بن النيار الشافعي وعُملت دعوةٌ عظيمة وقت ختمه وأعطي الشيخُ من الذهب ستة آلاف دينارٍ، وخِلَع يوم خلافته ثلاثة عشر ألف وسبع مائة وخمسين خلعةً، وروى عنه بالإجازة في خلافته محيي الدين ابن الجوزي ونجم الدين الباذرائي، وكان حليماً، كريماً، سليم الباطن، حسن الديانة، متمسكاً بالسنّة).
مأخذ الصفدي على المستعصم بالله:
من ضمن ماقدمه ألصفدي من صفات للمستعصم بالله قال: (ولكنّه لم يكن كما كان عليه أبوه وجدّه من الحزم والتيقظ، وكان الدوادار والشرابي لهم الأمر) (2). والشرابي هو: شرف الدين إقبال الشرابي قائد الجيش. والدوادار هو: أبي الميامن مجاهد الدين أيبك المستنصري المعروف بـ «الدويدار الصغير»، وكان رئيساً لكتلة المماليك الشراكسة والأتراك في الجيش.
وأعتقد أن تدخل قائد الجيش، وقائد قوات المشاة، ما كان ليكون إلا لصالح الدولة. خاصة عندما يرون أن بعض ألإتجاهات السياسية تذهب بالدولة في الإتجاه الخطأ، لأنهما يدركان أن هنالك من كان يحوك الدسائس من حول الخليفة، ولم يتخذ الإجراء الرادع بحقهم. فالزعم ان الدوادار والشرابي لهما الأمر، فإن كان المقصود أن ذلك كان في الفترة ألاُولى لإستلام الخليفة للحكم فذلك ممكن ومعقول. وإن كان المقصود أنه جرى طوال فترة حكم المستعصم، ففي ذلك نظر. وعلى أي حال فهما في الواقع من أعلى مستشاري الخليفة، ومن حقهما إبداء الرأي، والدفاع عنه أمام الخليفة، وخاصة ما يتعلق بالحرب والجيش والجبهة. وهما في الواقع يؤديان عملهما في خدمة الدولة، والإخلاص لها.
لعل ألإشكالية هنا تكمن فيما يبدو، أنهما لم يكونا يرتاحان لما يشير به الوزير ألأول ابن العلقمي على لخليفة، تلك المشورات السياسية والإدارية التي كانا ينظران اليها بريبة. وفعلاً إنتهت أخيرًا بالمشورة البائسة التي أنهت وجود الخليفة والدولة معًا. تلك المشورة التي ظل يزنّ بها الوزير الأول على الخليفة لتقديم ألتنازل المُذِل والإستسلام لهولاكو، بل وحتى الأستسلام غير المشروط. في حين كان الدوادار ومن قبله الشرابي - على الدوام - يشيران على الخليفة بحتمية الجهاد ومقاومة ألمغول في كل أطراف الدولة وقبل أن يقصد المغول العاصمة. وهذا جوهر إختلافهما في الرؤية مع موقف الخليفة الذي كان ميّالًا في كثير من ألأحيان الى تبني رؤية وزيره ألأول.
وعلى أي حال فالشرابي قد مات قبل ست سنوات من سقوط بغداد فقد توفي سنة 653هـ/ 1255م ، لذا كان من ألإنصاف التاريخي عدم إتكاء ألمؤرخ الصفدي على مقولة ان الامر كان للشرابي. أو أنه كان يتلاعب بالخليفة. فهذا يوحي بتحميله مسؤولية فاجعة الاحتلال. في حين أن الشرابي كان قد غاب عن المشهد السياسي والعسكري منذ سنوات طويلة.
8 - ابن كثير(701- 774هـ):
إبن كثير: وهو محدث مفسر فقيه حافظ محقق مؤرخ. قال: (وممَّن توفِّي فِي هَذِهِ السَّنَةِ مِنَ الْأَعْيَانِ: خَلِيفَةُ الْوَقْتِ الْمُسْتَعْصِمُ بِاللَّهِ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ آخِرُ خلفاء بني العباس بالعراق رحمه الله وَقَدْ كَانَ حسن الصورة جيد السَّرِيرَةِ، صَحِيحَ الْعَقِيدَةِ مُقْتَدِيًا بِأَبِيهِ الْمُسْتَنْصِرِ فِي الْمَعْدَلَةِ وَكَثْرَةِ الصَّدَقَاتِ وَإِكْرَامِ الْعُلَمَاءِ وَالْعِبَادِ.)
(وَقَدْ كَانَ رَحِمَهُ اللَّهُ سُنِّيًّا عَلَى طَرِيقَةِ السَّلَفِ وَاعْتِقَادِ الْجَمَاعَةِ كَمَا كَانَ أَبُوهُ وَجَدُّهُ، وَلَكِنْ كَانَ فِيهِ لِينٌ وَعَدَمُ تَيَقُّظٍ وَمَحَبَّةٌ لِلْمَالِ وَجَمْعِهِ). وكونه سُنّيّا على طريقة السلف، يُفَسّر سبب سخط وكراهية أصحاب المذاهب ألأخرى غير السُنيّة عليه. وأجد ان عبارة جمعه للمال، إنما نقلها إبن كثير دون تحقق تماهياً مع ما تداوله من سبقه من المؤرخين، وهي لا تستقيم على علّاتها. فهي متناقضة مع وصفه المتقدم أنه كان كثير الصدقات، وكذا عباراته التالية التي يؤكد أنه كان "مشهورًا بالخير كأبيه"، "يرتجى عطاءه" وليس بخله وأنه يُخشى بأسه وليس لِينه. قال: (فَكَانَ آخَرَ الْخُلَفَاءِ مِنْ بَنِي الْعَبَّاسِ الْحَاكِمِينَ بِالْعَدْلِ بَيْنَ النَّاسِ، وَمَنْ يرتجي منهم النوال ويُخشى البأس). (فَرَحِمَهُ اللَّهُ وَأَكْرَمَ مثواه، وبلَّ بالرأفة ثَرَاهُ.)(3)
(وكان مشهورًا بالخير مشكورًا مقتديًا بأبيه المستنصر جهده وطاقته، وقد مشت الأمور في أيامه على السداد والإستقامة بحمد لله)(4). فإبن كثير يشهد له أنه لم يكن بخيلاً همه جمع المال كما قال مُبغضوه، وإنما كان مشهورًا بالخير. وأنه كان مقتديًا بأبيه المستنصر جهد طاقته، وفي هذا رد على من قال أنه لم يكن كأبيه وجدّه في الحزم والتيقظ.
9- إبن العماد الحنبلي (1032- 1089هـ):
إبن العماد: وهو مؤرخ فقيه عالم وأديب حنبلي دمشقي. قال: (وكان حليمًا كريمًا، سليم الباطن، قليل الرأي، حسن الديانة، مبغضًا للبدعة في الجملة، خُتِم له بخير) (5). وكونه مبغضًا للبدعة، فهذا ما جعل أصحاب البدع يناصبونه البغض والعداوة. أما عبارة (خُتِم له بخير) أي قتل شهيدًا على ايدي المغول الغزاة.
والواقع يشهد ان صفات المستعصم واخلاقه وسيرته التي جاءت في ترجمات المؤرخين، تُبرز لنا أكثر من صورة لشخصية المستعصم السَويّة. وسنحاول في ألأجزاء التالية إقتناص نُبَذ من سيرته ومسيرته التاريخية ، في سياق دحض المفتريات التي إفتراها عليه المُفترون.
المصادر والمراجع:
(1) سير اعلام النبلاء للذهبي - شمس الدين محمد بن أحمد بن عثمان الذهبي ج1 ص 3954/ رتبه حسان عبد المنان / بيت الافكار الدولية
(2) الوافي بالوفيات لصلاح الدين خليل بن ايبك الصفدي بإعتناء دوروتيا كرافولسكي ج17 ص641 الطبعة الثانية دار النشر فرانزشتايز شتوتغارت 1411هـ- 1991م.
(3) البداية والنهاية لإبن كثير ج13 ص 233 - 238 الطبعة الاولى مكتبة التراث العربي تحقيق علي شيري.
(4) المصدر السابق ج13 ص 188
(5) شذرات الذهب في اخبار من ذهب لإبن العماد الحنبلي ج7 ص 467 تحقيق عبد القادر الارناؤوط ومحمود الأرناؤوط دار ابن كثير/دمشق- بيروت.