المستعصم بالله، وحلقة الخيانة، والحظ العاثر.
الجزء الخامس: هل كان المستعصم بالله لاهيًا مع الجواري والقيان؟.
بعد أن أوردنا في الأجزاء السابقة، آراء ثلاثة مؤرخين من زمن الاحتلال المغولي لبغداد. ووصفهم للخليفة بالسوء واللهو واللعب. وتحميله وزر زوال منظومة الخلافة العباسية. نعود بمقابل ذلك الى إستحضار شهادات بعض المعاصرين للخليفة المستعصم ممن عَرفوه عن قرب، أو على ألأقل كان بعضهم من سكنة بغداد دار الخلافة. أثنوا على شخص المستعصم بالله، ووصفوه بأفضل الصفات، وسجّلوا شهاداتهم عنه في مؤلفاتهم، وترجموا لشخصه. فجاءت شهاداتهم – فيما أرى - أكثر مصداقية لأنها مؤكدة بالرؤية العينية، أو لقرب أصحابها من مركز الخلافة. مما يجعلنا نميل أكثر للتصديق والقبول بما رَوَوا. وبالتالي سنلاحظ أنّ شهادتهم التقييمية تقع على النقيض من شهادة الثلاثة الذين أوردناهم في الأجزاء (1- 4) من هذا البحث. ويمكن للقارئ مقارنة كلا الشهادتين واستنباط ايهما اكثر دقة ومصداقية.
أولاً: أوصافه، وصفاته بشكل عام:
1 - ابن الساعي (593- 674هـ):
وهو مؤرخ بغدادي شهير ، مُحَدّث شافعي في مسجد القمرية ببغداد، من كبار مؤرخي القرن السابع، وهو معاصر للمستعصم. نقل عنه ألأربلي قوله: (قال الشيخ العالم تاج الدين علي بن الحسن المعروف بإبن الساعي شيخنا رحمة الله عليه: شاهدته (يعني الخليفة المستعصم) وهو اسمر اللون، مسترسل اللحية، ربعة، ليس بالطويل، ظاهر الحيا، ليّن الكلام، سهل الاخلاق، سليم الصدر.)(1). فهذه شهادة أصلية يقينية، شهادة عينية، في غاية الأهمية، من مؤرخ هو أحد مواطني دار الخلافة بغداد.
وعبّر ابن الساعي بعبارة تحمل معاني التوقير والتبجيل للمستعصم وللخلافة العباسية حين يقول: بويع: (سيدنا ومولانا الامام المستعصم - امير المؤمنين - ايد الله شريف دولته القاهرة، وبلّغَه آماله في الدنيا والآخرة)(2).
2 - ابن الكازروني (611- 697هـ):
وهو عالم محدِّث، مقرئ، فقيه شافعي، أديب شاعر عراقي من أصل فارسي. وهو من المعاصرين للمستعصم، ومن سكنة بغداد، قال: (كان – قدّس الله روحه - جميل الصورة حسن الوجه، كامل المحاسن، أسمر اللون، حسن العينين، مسترسل شعر الوجه، ظاهر الحياء، كثير التلاوة للقرآن المجيد، صالحًا دينًا، لا يتعرض بشيء من المنكر، ولعله لم ير صورته ولا يعرفه "اي الخمر"، وكان ليّن الأكناف، صالحًا دينًا، شريف النفس كريم الطباع...)(3). وهذا وصف شاهد عيان عن قرب. كما درج عندما يأتي ذِكر الخليفة أن يقول: (قدس الله روحه). وكأني بأهل بغداد لمحبته، كانوا يتغنون به. وما ذلك إلا لما رأوا فيه من اللطف، وكرم النفس، وسهولة الطباع.
3 - اليونيني البعلبكي (621- 701هـ):
وهو زاهد عابد، مؤرخ، محدّث، كثير الغزو. نسبته الى يونين من أعمال بعلبك في لبنان، وهو معاصر للمستعصم. نقلً عنه الذهبي قولة: (كان متدينا متمسكا بالسنة كأبيه وجده، ولكنه لم يكن في حزم أبيه، وتيقّظه، وعُلُو هِمته، وإقدامه ، وإنما قدموه على عمه الخفاجي لما يعلمون من لينهِ وانقياده وضعف رأيه ليستبدوا بالأمر)(4) .واليونيني هنا مدح وقدح. فإن كان قَدحه في محله، فلكل زمان دولة ورجال، وقد لا تكون الظروف التي فرضت عليه مواتية له ليسلك مسلك أبيه في الحزم. وقد تكون هذه المثلبة - إن صَحَّت - هي جزء من سقطته القاتلة التي سنتحدث عنها لاحقًا. على أننا سنجد في همّته وإقدامة - في الجزء التالي - ما يهمِّش مِثلَ هذا الرأي.
4 - عبد الرحمن الأربلي (640- 717هـ ):
وهو عالم، مؤرخ، من مدينة أربيل، مشهور بالبلاغة وحسن النظم، وهو الآخَر من المعاصرين للمستعصم وللغزو المغولي. قال عن المستعصم انه كان فيه اوصاف لم تجتمع في غيره ممن مضى من آبائه واجداده رحمهم الله. وإقتبس الشهادة العينية لإبن الساعي عن الخليفة وأثبتها في كتابه، مما يعني ثقته بقول ابن الساعي وتأييده له. وإضاف أن المستعصم (عُيِّنَ له ولاخيه مؤدب فجمع على عقله وسكونه، وهو ابو المظفر علي بن محمد النيار، فعلمهما الخط، وحفظ القرآن الكريم) وتَعلُم الخط يومذاك ميزة وشرف، لِعلية القوم، ولطالب العلم، وللعالم والمؤلِف. قال: (كان عفيف الفرج لم ينكشف ذيله على حرام قط، ولا شرب مسكراً، ولا وقعت عينه عليه، ولم يُعلم انه عصى الله تعالى بفرجه ولا فمه، غير انه لم ينزه سمعه عن سماع المُحرّم، فانه كان مغرما بسماع الملاهي محبًا للهو واللعب) (5). والسماع العفيف، واللهو البريء لا يكاد يخلوا من الوقوع فيه حاكم أو مسؤول.
5 ـ ابن الفوطي (642-723هـ):
وهو حنبلي سلفي، خالط الشيعة، وتتلمذ على الطوسي الذي حماه من طغيان المغول، وهو من المقيمين في بغداد، ويعتبر كتابه مصدر اصيل في توثيق تلك الحقبة التاريخية، لقربه من الأحداث، ورغم أنه وقع أسيرًا بيد المغول، إلا أنه استطاع الفرار منهم، والإلتحاق بالطوسي في مراغة، وإستفاد من خزانة الكتب هناك. وقد ذكر عن المستعصم: (ان المستعصم بالله كان "ملازما لصوم الاثنين والخميس دائما") وكان إبن الفوطي يُظهِر في حديثه عن المستعصم درجة عالية من التقدير والإحترام، ويُقرِن اسم المستعصم في تآليفه بـ (الامام المستعصم بالله) (المستعصم أمير المؤمنين) والشأن نفسه من ألإحترام عندما ذكر نجل المستعصم الناجي الوحيد من ابناءه الذين سفك هولاكو دمهم. وكان قد إلتقى به في مراغة بعد عشر سنوات من فاجعة سقوط بغداد. وسمع منه مارواه من الحديث النبوي الشريف، قال عنه: (سيدنا ألأمير السعيد ابو المبارك بن ألإمام المستعصم بالله)(6).
ويمكن ملاحظة أن المتقدم ذِكرهم من المؤرخين، كانوا كلهم من المعاصرين للخليفة المستعصم بالله. وبعضهم من المقيمين في بغداد، ولعل منهم من التقى الخليفة ذاته. ومعلوم أنّ المصدر المعاصر المقيم في بغداد، في الحقيقة هو مصدر أصلي، ويكتسب أهمية بالغة، لقربه من الحدث الذي يُدونه، فيكون على إطّلاع على التفاصيل، وتماس مع الحدث ربما أكثر من غيره، ممن هو بعيد عن دار الخلافة.
ما تقدم هي شهادات المعاصرين للخليفة، وسنستعرض في الجزء التالي أقوال علماء ومؤرخون إجلّاء آخرون، لما بعد حقبة المستعصم، توثق وتدعم الصفات الإيجابية التي ذُكرت عنه.
المصادر والمراجع:
(1) خلاصة الذهب المسبوك مختصر من سير الملوك لعبد الرحمن سُنُبط قنيتو الأربلي تصحيح مكي السيد جاسم/ ص 290 مكتبة المثنى – بغداد.
(2) نساء الخلفاء المسمى جهات الائمة الخلفاء من الحرائر والاماء لابن الساعي/ حققه الدكتور مصطفى جواد ص121/ دار المعارف بمصر.
(3) مختصر التاريخ من اول الزمان الى منتهى دولة بني العباس لظهير الدين علي بن محمد البغدادي المعروف بإبن الكازَروني ص 268 و 274 تحقيق وتعليق الدكتور مصطفى جواد / المؤسسة العامة للصحافة والطباعة/ مطبعة الحكومة- بغداد/ 1390هـ- 1970م.
(4) سير اعلام النبلاء للذهبي - شمس الدين محمد بن أحمد بن عثمان الذهبي/ ج1 ص 3955/ رَتّبَه حسّان عبد المنّان / بيت الافكار الدولية.
(5) خلاصة الذهب المسبوك مختصر من سير الملوك لعبد الرحمن سُنُبط قنيتو الأربلي ص 289- 291 تصحيح مكي السيد جاسم/ مكتبة المثنى – بغداد.
(6) حياة اقبال الشرابي لناجي معروف ص48 بغداد مطبعة الارشاد 18/3/1966. وانظر كذلك تلخيص مجمع الآداب في معجم الألقاب لإبن الفُوَطي كمال الدين ابو الفضل عبد الرزاق تاج الدين احمد المعروف بإبن الفوطي الشيباني الحنبلي ص418 و 419 حقق الجزء الاول منه الدكتور مصطفى جواد المطبعة الهاشمية بدمشق 15/6/1962م.