المستعصم بالله، وحلقة الخيانة، والحظ العاثر.
الجزء الثاني: ابن العبري (623- 685هـ):
ابن العبري: وهو أشهر أعلام ألأدب السرياني، مؤرخ مستعرب. كتب كتابه تاريخ الزمان معتمدًا على الكتب والوثائق العربية والفارسية والسريانية التي وقف عليها في مكتبة المرصد في مراغة. قال عن الخليفة المستعصم بالله: (كان صاحب لهو، وقصف، شغف بلعب الطيور، واستولت عليه النساء، وكان ضعيف الرأي، قليل العزم، كثير الغفلة عما يجب لتدبير الدول) (1). "والقصف يعني الجلبة والإعلان باللعب". وتعليقًا على ما ذكره أقول:
1- بالرغم من ان ابن العبري معاصر لتلك المرحلة، إلا ان الصفات التي اطلقها على الخليفة مرسلة في فراغ. فهو في مَراغة بعيد عن مركز الخلافة. ولم يظهر في حديثه عن الخليفة المنهج المتعارف عليه بين المؤرخين. حيث لم يعتمد في وصفه للخليفة، على المشاهدة والرؤية لأحداث ووقائع تخص الخليفة جرت امامه أو قريبًا منه. ولم يعتمد الرواية بالسماع عمّن عايش وشاهد واطلع على احوال قصر الخلافة. كما ولم يعتمد النقل عن متون كتب ومؤلفات أصلية لأقران معاصرين له أوسابقين. كما ولم يأت بشواهد وروايات من أهل بغداد تُدين المستعصم بالله، وتُعزّز ما ذهب اليه من الطعون. ولم يُبيّن، ولم يُسَمِّ لنا إمرأة واحدة من النساء اللّائي استولين عليه وإنشغل بهن. وهنا نتسائل: فياتُرى مَن هُنَّ تلكُم النسوة؟: هل هنَّ أُمّهُ وقريباته مَثَلاً؟، أم أزواجه وسراياه؟، أم جواريه وقَيانه؟، أم مغنياته ومطرباته؟. فعلى ماذا ركن ابن العبري في وصفه للمستعصم بالله بأن النساء إستولت عليه؟!. ولعل أفحم رد على الصفات القبيحة التي وصف بها المستعصم ، هو ما أورده ابن الكازروني (611- 697هـ) أحد سكنة بغداد، وقد عاش تلك الحقبة من الزمن. معاصرًا للمستعصم بالله. فأبناء بغداد هم أعرف الناس بأحوال ملوكها، وبما جري فيها، حيث وصف إبن الكازروني، الخليفة، ظاهرًا وجوهرًا.(2) وسيأتي بيان ذلك لاحقًا.
2- إبن العبري يصف المستعصم (بضعف الرأي وقلة العزم) وأنّى لخليفة ضُعفَ الرأي والعزيمة وهو الذي كان يجابه في وقت واحد تحالف التتار والصليبيين في آن. أحدهم من الشرق والآخر من الغرب، في خلافة نخر فيها الدهر، وتعيش أسوء حالات الضعف. في حين ان الهمذاني وهو من الذين قدحوا في الخليفة (سنأتي الى قوله لاحقًا)، نقل على لسان قائد جند الخلافة سليمان شاه: ان الخليفة كان (مستبداً برأيه، منكود الطالع، فلم يستمع لنصح الناصحين) فهل هو بهذا الوصف ضعيف الرأي!؟. وأما منكود الطالع فتبرير للنكبة التي حلّت به وبالاُمّة.(3). أما ان كان المقصود بضعف الرأى انه ديمقراطي ويستمع كثيرًا لرأي من حوله، وخاصة وزيره الأول فهذا صحيح، وربما هذا هو الذي أورده المهالك!.
3- الأجواء الزمانية التي عاش فيها إبن العبري كانت تشكل عنده نوعًا من محاولة التناغم التكتيكي، والانسجام المرحلي، مع التوجه العدائي المغولي الصليبي المتحالف، ضد الخلافة العباسية. ولهذه المعطيات وكون ابن العبري اسقفًا نصرانيًا يعقوبيًا، فلا يستبعد أن يكون هنالك نوع من التحامل والتعصب، تجاه الخلافة. فهذه الحيثيات الميدانية تتيح لنا امكانية عدم الوثوق بالأوصاف التي اطلقها على الخليفة. بل ربما تضع تَنَقّصه للخليفة في خانة الشك والتحامل، خاصة وانه شخصيًا قد نال حظوة لدى هولاكو نفسه. ربما بسبب إنتماءه العقدي، أو لمهنة الطب التي كان يتقنها، وإحتياج هولاكو لطبيب مثله. حيث كان يُشاهَد في بلاط هولاكو وهو يُقابَل بالاحترام والتقدير في ألأرجاء. كما ان اباه كان طبيبا لأحد قادة المغول.
4- هذه الحظوة التي يجدها إبن العبري عند هولاكو قد تفسر تنقّصه كذلك من السلطان السلجوقي غياث الدين كيخسرو الثاني المعاصر للخليفة المستعصم. والذي كان هو ألآخر في مواجهة مع المغول في خراسان وشرق الأناضول، فنجده يقول عنه: (وكان السلطان غياث الدين مقبلا على المجون وشرب الشراب غير مرضيّ الطريقة منغمسا في الشهوات الموبقة). ولعل هذا التحامل يأتي متساوقًا مع إطار محاولات التوافق التكتيكي المغولي الغربي، كما أشرنا قبل قليل، والذي على ضوءه تم إغداق الحماية والإكرام للنصارى في بعض المناطق، ومنحهم– على وجه خاص- في بغداد سلطات وحريات واسعة. وبالنتيجة يمكننا ان نتفهم وصم إبن العبري لمن واجه المغول من قادة وخلفاء المسلمين بالضعف والمجون والإنغماس في الشهوات!!.
5- ابن العبري نموذج للمؤرخ الذي ذهب بعيدأ في النيل من شخص الخليفة المستعصم بالله العباسي، بعد أن انقضى زمن المستعصم. وأرى أنه لم يكن موفقًا في بيان أوصافه وصفاته وسيرته بشكل حيادي. ولم يُنصِف الخليفة في كتابه. لإفتقاره الى نقول عن مراجع أصلية قريبة من الحدث واقعًا وموقعًا. وإنما إختار وهو بعيد عن مركز الخلافة في مراغة إحدى أهم عواصم المغول، أن يرسم للخليفة صورة شخص لا أُبالي، ساقط، عابث، كرمز للسلطة العباسية. ولعل أفضل رد عليه هو ماذكره إبن الكازروني المعاصر للمستعصم وهو من سكنة بغداد، في وصفه للمستعصم والذي يستشف منه بأنه التقاه وعرفه عن قرب. وسيأتي الحديث عن ذلك لاحقًا.
6- لقد حكمت إبن العبري في ذم المستعصم في تلك الظروف، والخلفية الثقافية التي ينتمي اليها، أو لعلها ألأيديولوجية العقدية والدينية، وطبيعة الأجواء المغولية والحيثيات الزمانية والمكانية التي عاش فيها، وحظوته التي وجدها في بلاط هولاكو. لقد كان يقف في الجانب الخطأ في التاريخ. على أنه من الجدير بالذكر أننا لا نتعرض هنا للديانة المسيحية، وانما نرصد ونحلل أحداث ووقائع تاريخية، ونرصد توجهات، ومغالطات لا منطقية، لبعض ممن قد ينتسبون للأيديولوجيات العقدية والدينية. كما اننا حين نتعرض لأقوال إبن العبري في هذا الموضوع المتعلق بالمستعصم بالله، فإن ذلك لا يعني الإنتقاص من أهمية كتابه التاريخي كمصدر أساسي لتلك الحقبة، وما فيه من الوقائع والسرد المفيد عن تاريخ المغول وقادتهم، وجغرافيا المناطق التي إنتشروا فيها وسيطروا عليها.. والشأن نفسه نُكِنّه في الإحترام والأهمية لكل كتب المؤرخين الآخرين الذين سنعرِض لهم.
سنخضِع بعض مفردات وصف ابن العبري للمناقشه والتعليق بشكل أوسع ضمن الأجزاء القادمة. وهنا نغادر ابن العبري، ونذهب الى الجزء التالي لمناقشة فضل الله رشيد الدين الهمذاني أكبر المؤرخين الفرس، والذي يُعتبَر المؤرخ الرسمي للمغول في كتابه: جامع التواريخ.
المصادر والمراجع:
(1) تاريخ مختصر الدول/ المؤلف: غريغوريوس أبو الفرج (واسمه في الولادة يوحنا) ابن أهرون (أو هارون) بن توما الملطي، أبو الفرج المعروف بابن العبري، تحقيق: أنطون صالحاني اليسوعي ج1 ص254-255 الناشر: دار الشرق، بيروت، الطبعة الثالثة، 1992 م.
(2) مختصر التاريخ من اول الزمان الى منتهى دولة بني العباس، لظهير الدين علي بن محمد البغدادي المعروف بإبن الكازَروني، تحقيق وتعليق: الدكتور مصطفى جواد / ص269 المؤسسة العامة للصحافة والطباعة/ مطبعة الحكومة- بغداد/ 1390هـ- 1970م.
(3) جامع التواريخ/ تاريخ المغول لفضل الله رشيد او رشيد الدين الهمذاني المجلد الثاني الجزء الاول ص290 راجعه وقدم له يحيى الخشاب / وزارة الثقافة والارشاد القومي/ الاقليم الجنوبي/ الادارة العامة للثقافة / مصر.