المستعصم بالله، وحلقة الخيانة، والحظ العاثر.
المستعصم بالله، وحلقة الخيانة، والحظ العاثر.
المستعصم بالله، وحلقة الخيانة، والحظ العاثر.
ج1: تمهيد في بحث المرحلة:
في كتب التاريخ، وعلى مدى الزمان، يكاد لا يَسلَم خليفة من خلفاء المسلمين الذين حكموا دولة الإسلام، من الذم والتجريح سواء بحقٍ أوبباطل. ويحظى بنصيب وافر من التجريح أولئك الخلفاء سيّئوا الحظ، الذين حكموا في حُقَب تاريخية حدثت فيها منعطفات تاريخية حادة، وقطعًا تلك المراحل يفترض أن تُحدث هزة في الواقع الاجتماعي، وفي النهج السياسي للأمة. وبعض هذا حصل، فعلى سبيل المثال، ما حدث نهاية ما إصطُلح عليه الخلافة الراشدة زمن علي بن أبي طالب وإبنه الحسن بن علي (رضي الله عنهما) والتشتت الذي أصاب الأُمة وصاحب هذه المرحلة. وكذا نهاية الدولة الأموية زمن مروان بن محمد. ومِثلَه نهاية دولة الأندلس زمن ابو عبد الله الصغير. ونهاية الدولة العباسية زمن المستعصم بالله. ونهاية الدولة العثمانية زمن السلطان عبد الحميد الثاني تقريبًا. فنهايته كانت السقوط الحقيقي للدولة العثمانية. وأن جاء بعده سلاطين، ولكن كانت لهم سلطة شكلية. فالنهايات تتشارك وتتشابه في كثير من التفاصيل.
غالبًا ماتكون سهام الطعن موجهة لشخص الخليفة او الحاكم الذي عايش المرحلة ألأخيرة للسقوط، أكثر من غيره، وتحميله وزر ماحدث. مع ان حيثيات مرحلة الإنحدار والسقوط، قد تكون مجموعة تراكمات، في منحنى نهج سياسي وتاريخي غير سليم للحركة التفاعلية في ألمجتمع. أو ربما لمتغيرات حركة التاريخ وحتمية صعود الدول التدريجي ثم ما يعقب ذلك من الضَعف والمرور بمرحلة الإنحلال والإنهيار. وقد يكون السقوط بناءً على ظروف طارئة ثورية، وفوق العادة. وليس من المستطاع دفعها وتجاوزها، كظهور قوة عسكرية مناهضة، أو معادية تهيمن على مقاليد السلطة والمشهد السياسي، ويستحيل أو يصعب مواجهتها وصدها. وكل هذه الأمور ترفع بعض الشيء عن كاهل الحاكم الأخير بعض عبء المسؤولية وحده.
الخليفة المستعصم بالله آخر الخلفاء العباسيين في بغداد. وعلى زمنه سقطت بغداد بإحتلال المغول لها سنة (656هـ- 1258م) وانتهت الخلافة العباسية الفعلية في العراق، بعد ان دامت خمسة قرون ونصف تقريبًا. وقد عَمَدَ عدد من المؤرخين الى النَيل منه، فصوبوا سهام التقريع واللوم إليه، وشوهوا صورته وسيرته. وحمّلوه وزر ما جرى. ونحن هنا في هذا لبحث سنقلّب أوراق التاريخ وسنستعرض القادحين والمادحين ونناقش أقوالهم. وننظر أن كان المستعصم بالله مُتّصِفًا بكل السوء الذي وُصفوه به؟. وهل بحقه كل المثالب المخزية التي قالوها عنه؟، وهل كان هو السبب في نهاية الدولة العباسية؟. أم انها مجرد أقاويل وطعون لتشويه سيرته لأغراض ومصالح ذاتية، وربما لدوافع مذهبية وحزبية؟.
لكي لا نتشعّب في التفاصيل، دعونا نحدد مسار بحثنا ونقتصر في بحثنا بالإستشهاد بنماذج من أقوال المؤرخين الفضلاء مُبتَدئين بذكر ثلاثة من المؤرخين، من مشارب مختلفة: احدهم إسقف سرياني/ والتاني فارسي من أصل يهودي إعتنق ألإسلام/ والثالث عربي شيعي) وقد عاصروا الخليفة المستعصم بالله، وقدحوا فيه وذموه ورموه بكل نقيصة، وهم: (إبن العبري)، (ورشيد الدين الهمذاني)، (وإبن الطقطقي). وسنناقش عباراتهم في مؤلفاتهم، كلٌ على حِدَةٍ، ونُعَلِّم على مواقفهم. على أن نورد فيما بعد ذلك علماء ومؤرخين معاصرين للخليفة المستعصم، لهم شهادات وإفادات مُغايرة، ورأي آخر يتقاطع مع رأي هؤلاء. وسنقارن وننظر ماذا يقول التاريخ. وسنراعي -كما في بحوثنا السابقة - في تسلسل كل من نَذكُر بالأقدم ميلادًا ثُمّ الذي يليه. ولذا سنبدأ حديثنا عن (إبن العبري) في الجزء التالي.