إحاطة وتلخيص لمصير كتب مكتبات بغداد.
1- لنفترض جَدَلاً أنّ غرق الكتب قد حدث. ولكن من حقّنا أن نتسائل: كيف يسع كل المؤرخين المتقدم ذكرهم في الفصل الثالث، وخاصة المعاصرين للغزو، كيف يسعهم أن يتغاضوا عن ذكرهذا الحدث الإسطوري الذي يفجع القلب في رؤية نتاج القرون وهو يطفو على سطح الماء، وقد يكونوا هم من شاركوا في كتابة هذا النتاج أو ربما آباءهم، فلا يحرك فيهم العاطفة، ليُسطّروا بضع كلمات عن هول المشهد الصادم!. اليس هذا بالأمر الغريب الذي يصعب تفسيرة!.
2- دعونا مرّة اُخرى نتسائل: ايهما اكثر اثارة في النفس وتحريك المشاعر، عملية السطو ونقل نتاج القرون الى مراغة، ام رؤية نتاج القرون وهي تغرق ؟ قطعًا المنظر الذي يُفجع القلب، هو رؤية عملية الاغراق بذلك الحجم الذي صوروه لنا من بناء الجسور وتغير لون الماء، ونسداد مجرى النهر، فسيكون اكثر ايلاما وتأثيرا في النفس والشعور. فكيف يُعرِض أصحاب التآليف في القرن السابع عن ذكر هذه الفاجعة التي تشكل صدمة علمية ونفسية ، ونجدهم يخطّوا ببضع كلمات الاقل أثرًا؟. فما نُقل الى مراغة يعني أنه سَلِم من التلف، فلماذا يذكرون هذا، ولا يذكرون الذي اُهدر واُتلف إن كان هو الاكبر في الحجم والتأثير النفسي؟.
3- كوكبة العلماء والمؤرخين الذين أوردنا ذكرهم في الفصل الثاني، وخاصة الذين عاشوا في القرن السابع المعاصرين وأولئك الأقرب زمنيًا للحدث، لم يذكروا ان هنالك كمّية هائلة من الكتب، جرى إتلافها في النهر. وقد عبَّرنا عنهم بأنهم صمتوا، لأنهم لم يقولوا بالغرق، ووضحنا سبب الصمت. فإذا أضفنا وعززنا هؤلاء الى أولئك الذين قالو بالنهب، سيتبين لنا من مجموع مواقفهم، تلك الرؤية البانوراميا، المُعَبّرة عن مدى خَطَل دعوى الغرق تمامًا.
4- حسنًا لنمضي قليلاً مع تسلسل ألأحداث. فقد أسس الخواجة نصير الدين الطوسي سنة (657ه)، مكتبة المرصد في مراغة بعد غزو المغول لبغداد، أي بعد سنة واحدة من ألإحتلال المغولي، وبضوء أخضر من هولاكو. بما يعني أن مكتبة المرصد بدأت من الصفر.
5- العلماء لهم شغف بالعلم وإعتزاز بالكتب، ولا يمكنهم التفريط فيها. والطوسي ليس ممن يغفل أهمية الكتب، فلا يُتَوَقّع تَخَلّيه عنها. وقد آلت مكتبات بغداد الى عهدته، بعد أن إستأذن هولاكو بالتصرف في شؤون الكتب والمكتبات في العراق. فكان له ما أراد.
6- التوثيق الصريح من إبن الفُوَطي خازن مكتبة مرصد مراغة ايام ألغزو المغولي عن رفد الطوسي مكتبة المرصد بكتب جُمِعَت من العراق.
7- توافر العديد من العلماء والمؤرخين في القرن السابع الهجري (المعاصرين لسيطرة المغول على مقاليد السلطة في العراق)، وقد أوردنا ذكر كوكبة منهم في الفصل الثالث بجزئيه الأول والثاني، قد اكّدوا نقل اربعمائة الف كتاب الى مكتبة المرصد.
8- شهادات عدد من علماء ومؤرخين أطلعوا على مكتبة المرصد بما فيهم خازنها وتحدثوا عن إتساع مبناها وامتلائها بما يقارب 400 الف كتاب!؟، من كتب العلم. فمن أين حُشِد لها كل هذه الكمية، إن لم يكن مِن مدارس ومكتبات عاصمة العلم والثقافة بغداد.
9- ناهيك عن شهادات مؤرخين - كالسيوطي مثلاً - أفادوا بإشتراك (آخرين غير المغول) في إتلاف الكتب (وقد يكونوا كرج أو شيعة مِمَن إلتحقوا بجيش هولاكو). وهذا التوثيق من السهل علينا فهم إشكاليته في زماننا الحالي، حين إشترك آخرين غير ألأمريكان في سرقة وتدمير المتاحف والمكتبات والأرشيف الرسمي والفني والأمني والمدني. وللأسف بعض من شارك كانوا من الداخل، والبعض من الجوار..
10- في زمن الفوضى والهرج والمرج، ولعدم وجود حراسة تحول دون المساس بالكتب، ولنقص المواد الغذائية، وتفشي الجوع في بغداد، أثناء حصار المغول قُبَيل الإجتياح، اضطر الناس لبيع كتبهم وممتلكاتهم الشخصية مقابل ألحصول على الطعام. ولخطورة الوضع كان بعض السُّنَة يغلقون أبواب دورهم ويهيمون في العراء بحثًا عن ملجأ، او يودعون واموالهم عند النصارى، لأنهم يوقنون ان النصارى غير مشمولين بالإنتقام المغولي الشيعي - ذكر ذلك المؤرخ (رشيد الدين الهمداني) والمؤرخ (إبن تغري بردى) وغيرهما - أن الشيعة في: الكرخ، والحلة، وبغداد، خرجوا في استقبال هولاكو استقبال الفاتحين الأبطال، والتحق كثير من الشيعة بجيش المغول، وأقاموا الأفراح ابتهاجاً بهم (1).
11- على أي حال، نحن هنا نتحدث عن كَمٍّ هائل من الكتب قد نجت من الغرق المزعوم. وتم شحنها الى الخارج. فهل هنالك من يظن أنَّ هذا العدد قليل حينما يعادل أربعمائة الف كتاب؟. انَّ هذا العدد في الواقع قد يغطي جُلّ كمّية الكتب التي يجري الحديث عن ضياعها في النهر.
12- أليس من العزاء الذي يُطَمئِن القلوب أن نجد أنّ هنالك خبر عن أنَّ نسبة عظيمة لا يستهان بها مقَدَّرة بأربعمائة الف كتاب، قد تم انقاذها من التعرض للتلف ونقلها الى مراغة. الا يستحق هذا الرقم ان يذكر بجانب حديثنا عن كتب أغرقت؟.
13- لماذا تطمس هذه المعلومة المهمة، ويتم التداول بدلًا منها الأوهام والمبالغات ألأدبية الشعبية، التي لا يعرف لها قائل، وكأننا بهذه القناعة نرهن عقولنا وتحليلاتنا بوسم غياب الوعي التاريخي؟. ان التجاهل والإغفال المتعمد أحيانًا لأقوال العلماء الأعلام الذين أفادوا ان الكتب خطفت، لَيَشي بمدى، الإغفال والتحامل على الحقيقة. وقد يُعزى هذا التحامل عند البعض الى أحكامهم المسبقة على المخالفين لهم. الذين يخالفونهم في التوجه والرأي، والمنهج، والإعتقاد. أو ربما مداراةً لمصالح ومواقف مذهبية، في التستر على جهة فاعلة يراد إبعاد الشبهة عنها، جهة تلبست بفضيحة أخلاقية، وخيانة فكرية، وتراثية.
14- قد يتباكى البعض في زمننا الحاضرعلى مافُقد يومها من الكتب، ويندبون الحظ العاثر، بل وقد يَعزون تأخر الأمة العلمي والريادي الى نكبة فقدان الكتب وغرقها يومذاك. ولكن لنتمهل قليلاً، ولا ننسى أن ما يخفف وطأة فقدان محتويات بعض مكتبات بغداد سواء التي نقلت الى مراغة أو اُحرقت أو اُتلفت أو رميت في النهر، ألإحتمالية الكبيرة في وجود نسخ أخرى من الكتب المفقودة، مبثوثة في المدارس والرُبَط والمكتبات الشخصية والعامّة، التي لم تطالها أيدي وعيون الطوسي والمغول، وهي مبثوثة ليس في بغداد فحسب ، وإنما في ألأمصار كذلك. فقد كانت سوق نُسّاخ الكتب رائجة في تلك الأزمان. وهذا يقلل في رأينا من أهمية تركيز بعض المؤرخين الذين صمتوا على إدانة عملية السطو، وإيثارهم إغفال الأمر.
15- كل التوثيقات الدامغة ألتي أوردناها، يقابلها الزعم بان الكتب القيت (جميعأ) في نهر دجلة، والمعتمد في هذه السردية الإسطورية، على رواية غير منضبطة تطورت عبر الزمن، لا أصل لها، مَبدوءة بلفظ: (قيل... ويقال). والواقع يقول إنَّ هذا أمر مجانب للمنطق.
16- نعود الى كيفية رفد مكتبة مراغة بكتب العراق: فالذي حصل أن إستغل أهل الحلة والكوفة والمُسَيَّب حاجة الناس الى الطعام، عندما حلّت بأهل بغداد المجاعة بسبب الحصار ، فكانوا يجلبون الطعام ويبيعونه لأهل العاصمة. وذلك شيْ عظيم، وهو فِعل يستحق الشكر والتقدير والعرفان. رغم أنهم كسبوا أموالًا كثيرة، والعهدة على الراوي، ولا غبار على ذلك. ولكن البحث العلمي التأريخي يلزمنا بالذهاب خطوة أبعد من ذلك، في إمعان النظر الى المخفي من ألأهداف والنوايا. من خلال ربط بعض الأحداث المتعاقبة.
17- حين كان أهالي هذه المناطق يجلبون الطعام الى أهل بغداد (كانوا يبتاعون بأثمانها الكتب النفيسة وصفر المطعم) على حد قول إبن الفُوَطي الشيباني البغدادي، وهو شاهد عيان على حدث ألإحتلال، وهو كذلك تلميذ النصير الطوسي والعامل لديه في رئاسة مكتبة المستنصرية. – وصفر المطعم أي أواني الطعام النحاسية - وهذا الفعل (أعني شراء الكتب) ربما يستدعي وقفة، ووضع أكثر من علامة إستفهام!. إذ ما هي أهمية شراء الكتب عند أهل الحلة والكوفة إن كان أصحابها في بغداد قد زهدوا فيها، وقد إستشعروا الخطر الماحق، في ظل غياب الأمن والنظام والعدالة، في أوضاع شديدة الخطورة، تُنذر أهل العراق وممتلكاتهم بالمحق المؤكد، وحرق الأخضر واليابس، والويل والثبور وبالإبادة الكاملة؟. فهل كان إقتناء الكتب يومذاك شغف بالعلم مجرد!، أم أن وراءه ماوراءه؟. ونحن هنا لا نتهم ولا نُخَوّن، ولكن نُحَلل ونسترشد بوقائع التاريخ.
18- لعل حال أهل بغداد يومذاك في بيع مكتباتهم النفيسة، شَبيه أو ربما كان أسوء مما شهدناه من مناظر مؤلمة ايام الحصار في التسعينات حين عرض الناس مكتباتهم الشخصية العزيزة، وكتبهم النادرة والثمينة، للبيع على الأرصفة بأبخس ألأثمان وبأسعار رمزية زهيدة.
19- كان الخواجا الطوسي (الخواجا تعني المعلم) يطمح من خدمة هولاكو أن يؤول أمر الخلافة اليه والى شيعته بعد قتل الخليفة المستعصم بالله، فخاب في مقصده، ولكن لا أقَلّ له، من أن يسعى لسلامة أبناء الطائفة من أهل الحلة والكوفة من طغيان المغول. (وإقتصرنا بذكر هذه المدن لأنها كانت تبادل الطعام بالكتب).
20- وهنا يتبادر الى الذهن تَساؤل تأريخي: هل كانت هذه المدن مَثَلاً قد وصلها عهد الأمان من هولاكو، فضَمنت أن لا تطالها أعمال التخريب والقتل والنهب المغولي المعتاد؟. ومن ثُمَّ عمدت الى شراء الكتب النفيسة؟!. هذا التساؤل العلمي على درجة عالية من الأهمية . فقد نقلت بعض المصادر عن وجود اتصالات لوجهاء وعلماء الشيعة في هذه المناطق مثل إبن طاووس، وإبن المطهر الحلّي، مع النصير الطوسي المستشار المُقَرَّب من هولاكو، بالإضافة الى بعثهم برسالة الى هولاكو، للتعبير عن ترحيبهم وولائهم له!. كما ذكر النهروالي وغيرة.(2).
21- ويتشعب السؤال المطروح: هل كان هنالك إتفاق، أو ربما تكليف مُسبق للموالين للطوسي في هذه المدن، وفق خطة ممنهجة، لإستغلال فرصة حاجة الناس الى الطعام، ليقوموا بإفراغ بغداد من تراثها العلمي، وتكديسه في تلك المناطق، لنقله لاحقًا الى مراغة مثلاً؟. وهو مجرد تساؤل، وهو مما لا يمكننا الجزم بجواب عنه. ولكن أوردت المصادر أن الطوسي بعد أن استولى على ما إستولى عليه من مكتبات بغداد نزل الى مدن الجنوب لذات الأمر. وهنا التفاتة عابرة على التساؤلات: هل يمكن ان يكون أحد أعوان الطوسي ومُحبية، مَن سَرَّب القول بغرق الكتب في دجلة؟. مجرد تساؤل في التاريخ، وليس إتهام.
22- يبدو وفق المصادر أن الكتب التي تسرّبت من بغداد كانت على ضربين إثنين. منها ماهو مُشترى، ومنها ماهو منهوب من الخزائن!. بقرينة ما وَجَّه به الطوسي، لإبن أبي الحديد (شارح نهج البلاغة) وآخرين بإعادة الكتب المنهوبة والمشتراة من أهل الكوفة والحلة والمسيّب، كما يقول إبن الفُوَطي في معجمه «تلخيص مجمع الآداب في معجم الألقاب».
23- المعطيات التاريخية تشير إلى أنّ سردية الغرق مشكوك في صحتها لأنها تفتقر الى المصادر التوثيقية، لأنها ظهرت متأخرة. وتبلورت مع الزمن حيث أضاف لها كل ناقل مبالغة إضافية من لديه عليها، كما هو شأن القصص الأدبية العاطفية التي تتناقل بين الناس، بحيث تتاح لكل كاتب ومؤرخ وأديب وواعظ أن يضيف من الرتوش مايحلو له، ليجعلها تبدو اكثر إبهارا، أو أكثر تراجيديا وأسى. في حين أنّ رواية خطف الكتب ونقلها، بقيت كصياغة واحدة متماسكة عبر الزمن.
24- لم نقرأ في التاريخ أن أحدًا من الناس، شهد إلقاء الكتب في النهر أو رأى أنها سَدّت مجراه أو أنه جَرّبَ العبور على جسر الكتب، أو حتى رؤية إسوداد الماء. ويبدو لي أنَّ تهمة فقدان الكتب اُلصِقت بنهر دجلة، لأنه لا أحد يستطيع أن يثبت خطل هذا الزعم، أو صدقية هذا ألإدعاء. إذ سيقال ان تيار الماء جرفها، ومحى أثرها، فلا يعود هنالك حاجة لدليل. ويتلاشى البحث عن قضية إسمها إختفاء كتب مكتبات بغداد.
في الختام: أرجو أن أكون قد قدمت في هذا البحث، متابعات تاريخية واسعة، وإستوفيت الكتابات المتنوعة، لعلماء ومؤرخين ومفكرين، من السَلَف والخَلف، حول موضوع فقدان وغرق الكتب،
وقدمت رؤيتي في هذا الشأن، وأترك الحكم للقارئ، ليتأمل ويقارن وينظر: أي مَسرَب آلت اليه معظم خزائن كتب بغداد؟
ألمصادر والمراجع:
(1) جامع التواريخ (1/259). النجوم الزاهرة (7/49) وذكر مثل ذلك ابن تيمية في الفتاوى (ص529).
(2) كتاب الاعلام بأعلام النهروالي لقطب الدين النهروالي ص (207).