إغراق الكتب في دجلة، بين الحقيقة والإسطورة.
الفصل الثالث: ج2: تعضيد نظرية نهب الكتب
نواصل ما بدأناه في الجزء السابق والذي إستعرضنا فيه إفادات علماء ومؤرخو القرن السابع، وقد تواطئت أقوالهم بأن الكتب سُرقت ونُهبت وأنها بحدود أربعمائة الف مُجَلّد. وآن لنا أن نُعضّد ونعزز إفاداتهم بإفادات العلماء والمؤرخين في القرون التالية لهم، ولنبدأ بذكر ما دوّنه ألإمام الحافظ، المفسر، المؤرخ، إبن كثير، الذي وُلِدَ مع مطلع القرن الثامن. وكانت هيمنة المغول في زمنه ما زالت قائمة في التحكم بمصير البلاد والعباد:
1- ابن كثير (701-774هـ) قال رحمه الله: (ثم دخلت سنة سبع وخمسين وستمائة: وفيها عمل الخواجا نصير الدين الطوسي الرصد بمدينة مراغة ونقل إليه شيئا كثيرا من كتب الأوقاف التي كانت ببغداد) (1). وفي عبارته اشارة واضحة إلى انّ كمّا كبيرًا من الكتب يستحق التسجيل – في نظره- قد تم الإستيلاء عليها ونقلها الى مراغة. وانها كتب وقف، بمعنى موقوفة للعامّة، وليس من حقه الإستيلاء عليها.
وفي موضع آخر قال: (وَفِيهَا -أي في تلك السَنة- قَدِمَ نَصِيرُ الدِّينِ الطُّوسِيُّ إِلَى بَغْدَادَ من جهة هولاكو، فَنَظَرَ فِي الْأَوْقَافِ وَأَحْوَالِ الْبَلَدِ، وَأَخَذَ كُتُبًا كثيرةً من سائر المدارس وحوّلها إلى رصده الَّذِي بَنَاهُ بِمَرَاغَةَ، ثُمَّ انْحَدَرَ إِلَى وَاسِطٍ والبصرة) (2). فهو لم يكتفِ بالإستيلاء على كتب بغداد فقط، وانما سلك الشيء نفسه في المناطق الأخرى خارج العاصمة. فهو ينتقي من الكتب ما يتوافق مع مقصده، من الكتب النادرة، وترك مالا قيمة له منها (في نظره) ليتلفه أو يحرقه عن آخره، وكأنها دوح مُباح، أو مُلكٌ خاص له حرية التصرف فيه.
2- تقي الدين المقريزي (764- 845هـ) المؤرخ الفقيه المصري البعلبكي المولد: قال: (وفيها "اي سنة سبع وخمسين وستمائة" بنى هولاكو الرصد بمدينة مَرَاغة بإشارة الخواجا "يعني المعلم" نصير الدين محمدالطوسي، وهو دار للفقهاء والفلاسفة والأطباء، بها من كتب بغداد شيء كثير وعليها أوقاف لخدامها.)(3). لاحظ هنا أنه يفيد أن مكتبة الرصد في مَراغة احتوت على كتب بغداد. ومع أنها عبارة مقتضبة، إلا أنها إشارة بالغة ألأهمية في تأكيد مصير الكتب. وهو بذلك يخالف ما ذهب اليه استاذه إبن خلدون الذي قال أنّ جميع الكتب اُغرقت.
علماء ومفكرون من العصر الحديث:
يمكننا ذكر المزيد من العلماء والمؤرخين الذين لهم هذه الرؤية. ولكن خشية ألإطالة والمَلل، دعونا نتقدم قليلاً مُتجاوزين القرون الماضية، لننتقل في إستقصائنا الى العصر الحديث، ونتابع مع من هذه رؤياه لحقيقة مصير الكتب، من أعلام وعلماء ومفكري العصر الحديث، من القرنين العشرين والحادي والعشرين:
3- يوسف بن إليان سركيس (1856- 1932م): أديب وكاتب سوري إهتم بـ (ببليوغرافيا المطبوعات) (4) قال: (وقد عمل الرصد العظيم بمدينة مراغه واتخذ في ذلك قبة وخزانة عظيمة وملاها من الكتب التي نهبت من بغداد والشام والجزيرة حتى تجمع فيها زيادة على اربعمائة ألف مجلد) (5).
4- محمد كرد علي (1876-1953م) مفكر كردي سوري حاز ثقافة موسوعية ، رئيس مجمع اللغة العربية بدمشق: ذكر الإتجاهين معًا: (الإغراق) و(النهب). في اكثر من موضع في كتاباته، وقد حاول الموائمة والتماهي مع أقول الإغراق وبناء الجسور، غير انه يقر بأنّ المؤرخين بالغوا في إقوالهم، ولذا إنعطف الى القول بالنهب والسطو. فقال: (وبالغ المؤرخون فيما ذهب في تلك النكبة ويكفي بأن بعض تلك الكتب التي نهبت من بغداد والشام والجزيرة على زمن هؤلاء التتر قد أنشأ بها نصير الدين الطوسي أحد فلاسفة الإسلام خزانة عظيمة اتخذها بمراغة في القبة والرصد الذي أنشأه هناك فيجتمع فيها زيادة على أربعمائة ألف مجلد) (6).
وفي موضع آخر، قال: (فألقيت الكتب في دجلة حتى قيل أن لونه مائه على غزارته بقي أياماً أسوداً مكمداً بما تحلل فيه من مداد الأسفار التي ابتلعها وبالغ المؤرخون فيما ذهب في تلك النكبة)
وفي موضع آخر يقول: (وبنى بكتب العلماء إسطبلات الخيول وطوالات المعالف عوضا عن اللبن. وقيل إن ماء دجلة تغير لونه لكثرة ما ألقى فيه التتر من الكتب والأوراق، وقيل إنه أقام بكتب العلم ثلاثة جسور على دجلة هذا عدا ما نهب من البلاد التي احتلها فملا في (مراغة) خزانة عظيمة من الأسفار نهبها من بغداد والشام والجزيرة حتى تجمع فيها زيادة على أربعمائة ألف مجلد.)(7). وواضح ان الأستاذ محمد كرد على لم يحسم أمره، فهو وإن أكد ان الكتب نهبت، إلا انه يعود ويذكر مبالغات مبدوءةً بـ (قيل، ويقال).
5- الدكتور مصطفى جواد (1904هـ 1969م) عالِم موسوعي فَذّ، قَلَّ نظيره، أحد أبرز علماء اللغة العربية في العراق: في مقدمة تحقيقه لكتاب ابن الفُوَطي قال: (وقد كان النصير الطوسي جمع فيها اربعمائة الف مجلّد، حملها اليها من مختلف الأصقاع.) (8). ولم يشأ ان يقول من العراق، ربما لأن هنالك عدد قليل من كتب طائفة الحشاشين، استولى عليها الطوسي عندما أسقط المغول قلعتهم (قلعة الموت) قبل إحتلال بغداد. أو ربما تحاشيًا لحساسية الموضوع عند طائفة معينة.
6- الدكتور أسعد صوما أسعد: باحث ومؤرخ مهتم بالتاريخ السرياني، وله شهادة خطيرة يتحدث فيها عن ابعاد تاريخية متعددة، لا يحابي فيها أحد. وأَجد من المناسب إيرادها هنا، حيث يقول: (وكان اغنياء بغداد من المسلمين يدركون المكانة التي يحتلها السريان لدى هولاكو لذا سارعوا الى وضع اموالهم أمانه لدى بطريرك السريان النساطرة لكي لا ينهبها جنود هولاكو، بينما كانت زوجة هولاكو المسيحية دوقوزخاتون تقوم برعاية المسيحيين في بغداد... ولما كان المسلمون من السنّة والشيعة في العراق على خلاف، فقد شارك الشيعة في نهب بغداد واستفادوا من المناسبات الاخرى لتصفية حساباتهم القديمة مع أهل السنة المسلمين) (9). وهذا يعطيك صورة عن إنّ همجية المغول لم تكن شاملة للجميع، وانما موجهة وممنهجة نحو أهل السنة فقط لاغير.
7- محمد صالح محي الدين: بروفيسور سوداني له نشاط علمي ودعوي داخل السودان وخارجه، وله دراسات في التاريخ والفقه والسيرة والحضارة الإسلامية وتاريخ الشعوب. فيقول: (اما مكتبة المستنصرية فالأدلة على بقائها خلال العهد المغولي، وسلامتها من تدميرهم اقوى من الادلة على هذا التدمير، ولكننا لا نشك في انها اصيبت ببعض التلف من حرق وغرق، كما نُقِل بعضها الى مَراغة) (10).
لعل فيما قدمنا يُظهِر بما فيه الكفاية، تهافت القصة الإسطورية عن القاء الكتب في نهر دجلة، بعد إنكشاف الحقيقة التي يراد لها أن تغيب، ويراد من وراءغيابها طمس معالم جريمة خَطف ونَقل تراث الأمّة العلمي بعيدًا الى المشرق. وسنُجمل خلاصة لهذا البحث في الجزء التالي بإذن الله، وهو سبحانه وليّ التوفيق.
المصادر والمراجع:
(1) البداية والنهاية لإبن كثير ج17 ص: 386 دار عالم الكتب، سنة النشر 1424هـ / 2003م.
(2) كتاب البداية والنهاية ط إحياء التراث العربي ابو الفداء اسماعيل بن كثير تحقيق علي شيري ج13 ص 281 الطبعة الاولى 1408هـ.
(3) السلوك لمعرفة دول الملوك للمقريزي، ج1 ص 510 المحقق: محمد عبد القادر عطا، منشورات محمد علي بيضون، الطبعة الاولى 1418ه- 1997م. دار الكتب العلمية. بيروت/ لبنان.
(4) الببليوغرافيا: عِلم تُجمع فيه اسرار الكتب أو العلوم أو المؤلفين، إذ يقوم بحصر المعلومات والمواضيع والمسائل وترتيبها والتثبت فيها، وإعدادها في سجل علمي مستوعبًا الهدف في ألإنتاج الفكري المكتوب، سواء كان مخطوطًا أو مطبوعًا، وقد عرفه علماء الإسلام قديمًا تحت اسم (الفهرست).
(5) معجم المطبوعات العربية والمعربة اليان سركيس ج2 ص250 مطبعة سركيس بمصر ١٣٤٦هـ - ١٩٢٨م.
(6) مجلة المقتبس محمد كرد علي ج24 ص 9.
(7) مرصد مراغة ومكتبتها، نقلا عن العدد 799 ص17 - مجلة الرسالة لأحمد حسن الزيات, وانظر كذلك: الإسلام والحضارة العربية لمحمد كرد علي ج١ص٣٠٢.
(8) الدكتور مصطفى جواد في مقدمة تحقيقه على كتاب تلخيص مجمع الآداب في معجم الألقاب لإبن الفُوَطيّ القسم الأول ص17، وزارة الثقافة والإرشاد القومي/ مطبوعات مديرية إحياء التراث القديم.
(9) لمحات من تاريخ الكنيسة السريانية الشرقية (الجزء التاسع) للدكتور أسعد صوما أسعد باحث متخصص في تاريخ السريان ولغتهم وحضارتهم/ ستوكهولم / السويد.
(10) مكتبات بغداد وموقف المغول منها: الدكتور محمد صالح محي الدين استاذ التاريخ الاسلامي المساعد بكلية العلوم الاجتماعية ص 110.