المستعصم بالله، وحلقة الخيانة، والحظ العاثر.
الجزء التاسع:
مواقفه العسكرية والدفاع عن بغداد:
وان كانت مواجهاته الحربية ضد المغول من ضمن أعماله الجريئة، الا اننا افردنا لها عنوانًا لأن بعض المؤرخين وصفوه بأنه لم يكن في حزم أبيه، وتيقّظه، وعُلُو هِمته، وإقدامه. وإتهموه بالخور العسكري. فحمّلوه كل تبعات النكبة.
مع ان دولة الخلافة بشكل عام في أواخر عهدها كانت في حالة أُفول، مشتتة ألأوصال، لا سلطة مركزية حقيقية لها على معظم ألأطراف. ومع ذلك نجد المستعصم، وهو في سني حكمه الأولى يشيد به ابن الكازروني فيقول عنه: (وصبر على الشدائد والامور المستعصيات، فإن عساكر المغول دهمته ونزلت بين الكشك العتيق والملكيّة، في سابع عشر ربيع الآخر سنة إثنتين واربعين وستمائة، فتلقاهم بعزم شديد، ورأي سديد، واخرج لهم اقبالاً الشرابي بعسكر الديوان، وثبت لهم الى الليل، ثم لاحت لهم امارات قوة عسكر بغداد فإنهزموا ليلاً ولم يلاقوهم، وعادت عساكر بغداد منصورة محروسة، من العدو، ببركته)(1).
وفي الحوادث الجامعة للفُوَطي: (وفي المحرم، وصل الخبر الى بغداد من اربل ان المغول خرجوا من همذان في ستة عشر الفًا وقصدوا الجبل "جبل حمرين" فأمر الخليفة بالاستعداد للقائهم، وتبريز العسكر الى ظاهر السور، فخرجوا على التؤدة والهوينى، فوصل الخبر ان طائفة منهم قصدوا خانقين.... ونهبوا وقتلوا ... فأمر حينئذ باستنفار الأعراب من البوادي والرجّالة من الاعمال، وتفريق السلاح، ورفع المناجيق على السور. وخرج الشرابي الى مخيمه بظاهر السور، فوصل اليه رسول من الامير فلك الدين محمد بن سنقر الأسن المعروف بوجه السبع وكان بالقليعة، بزك، يخبره بوصول المغول ومحاذاتهم له، فركب في الحال وعين على من يتوجه لمساعدة فلك الدين المذكور، ثم اخذ في تعبئة العساكر وترتيبها ميمنة وميسرة، فوصلت عساكر المغول ونزلوا بازائهم وجرت بين الفريقين حرب ساعة من نهار، ثم باتوا على تعبئتهم، فلما أصبحوا لم يجدوا من عساكر المغول أحدًا، وكفى الله المؤمنين القتال.
ثم ورد الخبر، ان طائفة منهم "المغول" عبرت الى دجيل، فقَتَلوا ونَهبوا، فنَفّذ اليهم جماعة من العسكر والعرب نحو ثلاثة الآف فارس، وقَدّم عليهم الامير قزقر الناصري فلما عرفوا بعبور العسكر اليهم رجعوا.) (2).
وذكر الذهبي: وفي سنة ثلاث واربعين وست مئة: (جاءت فرقة من التتار الى بعقوبا فالتقاهم الدّويدار، "وزير دفاع جيش الخلافة" فكسرهم) (3).
قال الصفدي: (وحدثني شيخنا ابن الدباهي قال: لما بقي بين التتار وبين بغداد يومان أُُعلِم الخليفة حينئذٍ فقال: عَدلَين يروحون يبصرون هذا الخبر إن كان صحيح!.) (4). وهذا يشير الى اهتمامه وتقصّيه. وليس كما قيل انه لا يبالي. كما انه يشير الى ان اخبار التحرك المغولي لا تصله أولاً بأول، ولعل مرَدّ ذلك سياسة التعمية على الأخبار التي كان ينتهجها ابن العلقمي مع الخليفة. كما ان جواسيس الخلافة وأستخباراتها الذين كانوا يتحسسون الأخبار في الخطوط المتقدمة خارج العاصمة، كانوا عرضة للغدر والخيانة من قِبَلِ الموالين للمغول، أو من اولئك الراغبين بالحظوة عندهم، وكذا المعارضين المتربصين بالنظام الرسمي.
وقال اليونيني: (فلما تحقق الخليفة من حركة التتر نحوه، سيّر شرف الدين ابن محي الدين ابن الجوزي رسولا اليهم يعدهم باموال يبذلها لهم، ثم سيّر نحو مائة رجل الى الدربند الذي يسلكه التتر الى العراق ليكونوا فيه ويطالعوه بالاخبار فتوجهوا ولم يأت منهم خبر لأن الاكراد الذين كانوا عند الدربند دَلّوا التتر عليهم على ماقيل فقتلوهم كلهم، وتوجه التتر الى العراق، وجاء بانجونوين في جحفل عظيم وفيه خلق من الكرخ ومن عسكر بركة خان إبن عم هولاكو)(5). لاحظ وللأسف لقد تطوع في جيش هولاكو خلق من شيعة الكرخ ضد بلدهم، والتاريخ أعاد نفسه في العصر الراهن مع المغول الجدد.
لقد واجه الخليفة المغول وردهم عن العراق عدَّة مرات، بدءًا من السنة الثانية لتوليه الحكم حيث تولى الحكم سنة 640هـ، وكان المغول مترددين في غزو بغداد، وما قاموا به من مُصادمات هي محاولات لإنهاك جيش الخلافة، ولكشف نقاط قوتها وضعفها، وردة فعلها. لقد سعى الشرابي الى تعزيز قوة الجيش وتحصين بغداد: (وَقَدْ سُتِرَتْ بَغْدَادُ وَنُصِبَتْ فِيهَا الْمَجَانِيقُ وَالْعَرَّادَاتُ وَغَيْرُهَا مِنْ آلَاتِ الْمُمَانَعَةِ الَّتِي لَا تَرُدُّ مِنْ قَدَرِ اللَّهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى شَيْئًا)(6).
وكان من الواضح أن الإنتكاسة التي حدثت في القطّاع العسكري للخلافة بدأت بعد موت وزير الدفاع الشرابي سنة 653 هـ. حيث كان السند العسكري الموثوق الذي يتكأ عليه الخليفة. ومن يومها طفت مشورة المآرب الخاصة لوزيره ألأول ابن العلقمي لتأخذ مداها في المضي بحياكة المكائد، في ظل غياب المعارضة السياسية، والحسم العسكري الذي كان يمثله وجود الشرابي. الذي كان يضع حدّا لطروحات إبن العلقمي التي يقدمها للخليفة. وبموته بدأ الإنكماش وألإهمال يحتوي امر الجيش.
كانت بعض جوانب مكيدة الوزير ألأول تتمثل في توسيع الفجوة بين قدرات التتار الواسعة، مقابل إمكانيات المسلمين المحدودة، وخلق حالة تتلاشى فيها المقاومة العسكرية الخليفية. ومن هنا لجأ الوزير على مراحل،: لإقناع الخليفة بتسريح قطعات من الجيش!، كرسالة طَمأنة الى هولاكو أن الخلافة لا تريد الدخول في حرب معه أولاً. وثانيًا: الزعم للخليفة بتوفير أموال العساكر المسرّحين ودفعها لهولاكو إرضاءً له، فلا يتوجه صوب بغداد. وليكُفّ شرّه عن بلاد المسلمين!. فكانت نتيجة إمضاء هذا التكتيك السياسي الخاطئ أن تجرّأ المغول على مهاجمة بلد الخلافة بعد ان تبينت لهم حالة الضعف الشديد للقوات العسكرية الخليفية (7).
في سنة 656هـ، حلّت الكارثة: (وامّا هولاكو فقصد بغداد فخرج عسكرها اليه فانكسروا، وكاتب لؤلؤ صاحب الموصل وابن صلابا متولي إربل الخليفة سرًا ينصحانه فما أفاد، وقضي الأمر، واقبل هولاكو في المغول والترك والكرج ومدد من ابن عمه بركة ومدد من عسكر لؤلؤ عليهم ابنه الصالح، فنزلوا بالجانب الغربي).(8) ومشاركة صاحب الموصل في جيش المغول كان هو الخيار الذي لا مفر منه أزاء تهديدات هولاكو بإقتحام الموصل وإستباحتها، كما فعل بمدن سابقة قاومت، ولم تدعم جيشة بالمقاتلين.
في الجزء التالي سنبحث في سقطة المستعصم بالله، تلك السقطة الكبيرة القاتلة، التي عصفت بالدولة وأوردته ودولته المهالك.
المصادر والمراجع:
(1) مختصر التاريخ لإبن الكازَروني ص 268.
(2) الحوادث الجامعة والتجارب النافعة في المائة السابعة، لإبن الفُوَطي، ص 200.
(3) سير اعلام النبلاء للذهبي ص 3955-3956.
(4) الوافي بالوفيات لصلاح الدين خليل بن ايبك الصفدي ج17 ص 643.
(5) ذيل مرآة الزمان في تاريخ الاعيان لقطب الدين موسى بن محمد بن أحمد اليونيني البعلبكي ص87 الطبعة الاولى/ مطبعة دائرة المعارف العثمانية بحيدر آباد الدكن/ الهند 1374هـ- 1954م.
(6) البداية والنهاية أبو الفداء إسماعيل بن عمر بن كثير القرشي البصري ثم الدمشقي ج13 ص 233، المحقق: علي شيري الناشر: دار إحياء التراث العربي، الطبعة: الأولى ١٤٠٨هـ - ١٩٨٨م.
(7) كتاب حياة اقبال الشرابي لناجي معروف ص 84، بغداد، مطبعة الارشاد 18/3/1966.
(8) مختصر التاريخ لإبن الكازَروني، ص 268.