الجزء 11 ألفتنة الطائفية وحادثة الكرخ.
نحن تأريخيًا أمام قضية، هي من أكثر القضايا جدلاً وتشعباً بين المؤرخين القدامى والمعاصرين لإختلاف وجهات النظر في مسألة (خيانة أو براءة) الوزير مؤيد الدين إبن العلقمي. فهنالك من يرى أنّ المصادر التاريخية التي وصلتنا تؤكد خيانته، وتورطه في ألتخابر مع المغول، واستعدائهم، وتحريضهم على اسقاط الخلافة العباسية. وبالمقابل هنالك آخرون (بعض مؤرخي الشيعة، وعدد من الباحثين والعلمانيين المعاصرين) لهم قراءآت وتحليلات، ترى ان الروايات وألمصادر التاريخية غير موثوقة ولم تنصف ابن العلقمي وأنّه تعرض لظلم تاريخي كبير حيث رُصد ككبش فداء. للفشل في الدفاع عن بغداد.
ومن الواضح أن قراءآتهم وتحليلاتهم يغلب عليها طابع ألإستنتاجات العقلية لا التوثيق التاريخي. وبما أن المصادر التاريخية وخاصة المعاصرة للهجمة المغولية هي وثائق بالغة الأهمية لأنها تُطلعنا على جانب من مجريات ووقائع الأحداث التاريخية في وقتها، لذا سنحاول الوقوف على الأدلة من مضانّها في المصادر التاريخية، والتعليق عليها.
توزير الوزير:
من ألمآخذ التي شخّصها فريق من المؤرخين المعاصرين للواقع السياسي أيام الخليفة المستعصم. وإعتبروها واحدة من سقطات الخليفة المريرة، أنه رَكَنَ في إدارة الدولة في رأيهم الى من لا ينبغي الركون اليه.
حيث وضع ثقته الكاملة في وزيره إبن العلقمي. مُجانفًا بذلك للحصافة السياسية. ونحن هنا لا نصدر أحكامًا مسبقة. ولكن نرصد وثائق التاريخ وكتابات المؤرخين. الذين قالوا أنه وثق بإبن العلقمي.
نسبة هذا ألأمر الى الخليفة ليس بالمستغرب، فقد وثق بالوزير من قبله، أبوه الخليفة المستنصر بالله، (أنظر البحث السابق) فقد أظهر إبن العلقمي من خلال الفترة الطويلة له في الخدمة، انه ذو خبرة، وكفاءة، في أعمال الديوان، لا شك في ذلك. لذا لا يُلام الخليفة على ترقيته، خاصة وأنّ الخليفة يُحسِن الظن بمن حوله. والواقع السياسي للأسف لا يتعامل مع حُسن الظن المُفرط (انظر فقرة "التسامح وحسن الظن" في ج4). والظاهر من طول خدمة إبن العلقمي في القصر، إنها فترة تشير إلى أنه كان يتحرك في مساحة رمادية. يتجنب فيها التصادم مع أحد من المُتنفّذين في القصر، بالإضافة الى كفاءته الوظيفية.
الخليفة وفض النزاعات:
لا شك، كان هنالك نزاع. ولا يُعفى عاتق الخليفة من مسؤولية حسم أي نزاع يطرأ داخل أروقة القصر. إذ ينبغي أن يضع حدٍّ للخلافات والمشاحنات التي قد تثور أحيانًا بين كبار رجال الدولة، خاصة خلافات قادة المؤسسة العسكرية مُمثّلة في الديدار الصغير (1)، مع المؤسسة السياسية مُمَثلة في الوزير إبن العلقمي. وتشير المصادر الى أنّ المؤسسة العسكرية وبعض رجال الدولة كانوا يشيرون بأصابع الإتهام إلى إبن العلقمي بالخيانة، ويرغبون في إضعاف موقفه عند الخليفة.
هذا النزاع الخطير لم يكن من باب المناكفة السياسية والإدارية، ولم يكن صراع نفوذ داخل الدولة. وإنما أعمق من ذلك بكثير. لأنها أمور تمس الأمن القومي والوطني. ولم نجد في مصادر التاريخ مايشير الى إتخاذ ألخليفة موقفًا حازمًا وحاسمًا في هذا الموضوع.
غير أننا نجد ابن الطقطقي الشيعي يقول انهم نجحوا أخيرا في كفّ يده! (2). وهذه العبارة ربما هي محاولة من ابن الطقطقي ليدفع عن إبن العلقمي مسؤولية الفشل في إدارة وصدّ الكارثة التي أودت ببغداد والخلافة. ولا يوجد مايؤكد كفّ يده. بل أنّ كونه همزة الوصل والإتصال بين الخليفة وهولاكو، في الأيام السابقة للكارثة، وإعتماد الخليفة على مشورته وآراءه حتى الساعات الأخيرة للإحتلال، تؤكد خلاف مايزعم ابن الطقطقي من أنّ الخليفة كفّ يده.
لنفترض جدلاً صحة ما ذهب اليه بعض المؤرخين (من مشارب مختلفة) من أنّ المستعصم: لم يُصوَّر عادة باعتباره خليفة قوي الشخصية مثل الخلفاء السابقين الناصر لدين الله أو المستنصر بالله. بل وتكرر في بعض المصادر وصفه بأنه لا يحسم الخلافات وأنه: متردد، سهل التأثر بمن حوله. ( أنظر ج2 ابن العبري السرياني. / ج4 ابن الطقطقي الشّيعي. / ج5 اليونيني السُنّي). ودعك عن المؤرخين الذين أشادوا بهمّته وشخصيّته وإقتداءه بأبيه وأجداده. فهنالك مصادر وصفته بالتهور والغرور على عكس من أشرنا اليهم.
وبالمقابل، كما ونجد العديد من المصادر المعاصرة للخليفة تُكيل الثناء عليه، وتذكر له من الحسنات والإيجابيات ما يغطي على العديد من جوانب النقص في الشخصية. وهنا يجب التنبه إلى أنّ الصورة السلبية عنه، قد تكون متأثرة بنتيجة الأحداث، لا بِمُقدّماتها. فالمهزوم غالبًا تنهال عليه السهام واللعنات، ويُصوَّر بأقسى مما كان عليه.
هل إنزلق إبن العلقمي الى الخيانة؟:
حاول جمهرة من المؤرخين الذين نصّوا على خيانته، حاولوا إيجاد تبرير لسبب تحول الوزير إبن العلقمي من الإخلاص الى الخيانة وعزوا ذلك إلى (حادثة الكرخ) الطائفية، التي حصلت سنة 654هـ. وبلغت ذروتها سنة 655هـ، وقالوا إنّ هذه الفتنة هي الشرارة التي حفّزت في نفسه الرغبة، والمسارعة، لإنحيازه التام لجانب المغول ضد دولة الإسلام. مُكللًا ذلك بسعيه الدؤوب للانتقام من الخلافة، والتحشيد لإسقاطها.
هل تبريرات الخيانة واقعية؟:
جدير بالتأمل أنها كحادثة محدودة واحدة، لا تصلح أن تكون المحرك الفريد وألأساس للإنحدار نحو الخيانة، لأنه هو الأعلى سلطة بعد الخليفة وربما يَبُزّه قائد الجيش (الدويدار الصغير) قليلًا أو هما سِيّان في المقام. ومسؤوليته معالجة مظاهر الفُرقة والخلل الطارئ في المجتمع، ودعوة المُتورطين لتحكيم القضاء والعدالة والقانون، لا الإنكفاء نحو ألأجنبي الشرقي أو الغربي، وإستعدائهم على البلاد. والأجدر بالوزير ان لم يستطع معالجة الفتنة، الانسحاب والإستقالة كتعبير عن الإحتجاج. وكان ذلك سيُكسِبه تعاطف الكثير.
تساؤلات مشروعة:
الوقائع التاريخية تشهد أن هنالك أشياء وأحداث خطيرة أخرى سابقة في حياة الوزير، جدير بأخذها بنظر الإعتبار. عند تقييم سلوكيات الخيانة من عدمها. وهنا يبرز سؤال: تُرى هل فات المؤرخين ان السياسة التي كان ينتهجها الوزير تعطي الإنطباع ان أمر الخيانة كان مُبيّتًا؟، وأنّه لم يكن إنعطافه وليد حادثة محلية عارضة، حتى وإن كانت آثارها دامية؟. وسيأتي الحديث عن هذه الأمور لاحقًا.
والآن، بما أنّ المؤرخين إعتبروا حادثة الكرخ مفصلية في حياة الوزير ابن العلقمي، وانها كانت نقطة التحول عن الإخلاص الى الإنحدار، لذا سنقف هنا بشيء من ألإختصار على مجريات (حادثة الكرخ). ثُمّ سَنُعَرّج على بيان تحركات وسلوكيات الوزير، التي يرى المؤرخون أنها كانت مثار شبهة.
الخلفية العامة لحادثة الكرخ:
كان جانب من الكرخ في بغداد قد إستوطنه الشيعة وأصبح لهم مركز ثقل فيه. في حين كانت بقيّة أحياء بغداد ألكبرى مثل باب البصرة وباب الكوفة وباب الأزج وغيرها ذات طابع سُنّيّ.
شهدت بغداد خلال القرنين السادس والسابع الهجريين فتنًا مذهبية على فترات، بين السنة والشيعة، ولم تكن حادثة الكرخ الأولى من نوعها، بل جاءت في سياق ربما متكرر من الاحتكاكات الاجتماعية والمذهبية. وكان ضعف السلطة المركزية في أواخر العصر العباسي، وتماهيها بالتسامح مع من يعتبرونهم أبناء عمومتهم الشيعة العلويين المُنافسين لهم على السلطة، يجعل احتواء هذه النزاعات أكثر صعوبة.
العنجهية والبلطجة:
قد يأخذ الزهو طائفة، أو بعضًا من الناس حين يشعرون ان السلطة بأيديهم وأن هنالك في هرم السلطة مِن طائفتهم مَن يناصرهم. فيتعالوا على خلق الله، ويتصوّروا أن بإمكانهم أن تكون لهم اليد الطولى، التي تُمكنهم من إختراق بعض المعايير وقيم التعايش ألإجتماعية المتعارف عليها، دون أن يطالهم القانون، لأنهم فوق القانون، بل هم من يصنعون القانون. بوجود من يسندهم ويحمي ظهرهم. وهذا ألأمر من السهل إسقاطه على الواقع المعاصر.
النار تحت الرماد:
كان التجار والناس من أهل السُنّة حين يدخلون الى بغداد من الباب المؤدي الى الحي الشيعي كان أهل الحي يتعسفون في فرض الأتاوات، أو يعاملون الداخلين بشكل سيء وإستفزازي. وكان هذا النوع من التعامل مدعاة للتوتر ولوقوع مشاجرات واعتداءات متبادلة محدودة بين الحي الشيعي، وحي البصرة السنّي المُجاور. أو الأحياء الأخرى، وقد تتصاعد التوترات وتنفجر يحفزها جذوة التوتر المذهبي.
الشرارة المباشرة التي قصمت ظهر البعير:
حدثت مُشاجرة، تم ألإعتداء فيها على أحد الداخلين من الباب، فقتلوا رجلاً من أهل "قطفتا"، لتثور الثائرة، ويتطور الأمر سريعًا، وبلغت التوترات ذروتها، في صدامات مذهبية واسعة واُزهقت أرواح وسقط قتلى وجرحى من الطرفين، وجَرَت أعمال فوضى وشغب شعبي وأعمال سلب ونهب للدور والمتاجر. ولم يقتصر النهب على المشاركين في الاضطرابات بل شمل مجموعة أوسع من السكان، وهو ما حوّل الحادثة من نزاع محلي إلى كارثة داخلية في بغداد. مما أستدعى تدخل ألأجهزة ألعسكرية لإخماد هذا الشَغَب والصدام المذهبي.
تغاضي القوات العسكرية الرسمية:
طالما اشتكى أهل باب البصرة إلى الدويدار قائد الجيش، وإلى الأمير أبي بكر بن الخليفة المستعصم باللة، في حين كان يلجأ سكان الكرخ إلى الوزير مؤيد الدين ابن العلقمي يشكون ما أصابهم. تم توجيه قوات وجماعات مسلحة إلى الكرخ لفرض الأمن. وذهبت بعض المصادر إلى أن القوات الرسمية تحت إمرة قائد الجيش الدويدار، والأمير وأبو بكر إبن الخليفة المستعصم بالله، تماهت قليلًا مع مايحدث ولم تحسم أعمال الشغب والعنف سريعًا، تأديبًا لأهل الحي. وتشير بعض المصادر الى امتداد النهب إلى بيوت شخصيات مرتبطة بالوزير نفسه. فكان هذا سببًا في غضب الوزير. فكتم الوزير غضبه وأضمر السخط على الخلافة وعلى خصومه السياسيين.
جريمة قتل تؤجج فتنة طائفية:
للوقوف على ما حدث، سأكتفي بذكر نماذج مما دَوّنه المؤرخون.
قال أبن الفُوَطي في حوادث سنة 654هـ: (قَتَل اهل الكرخ رجلاً من أهل "قطفتا"، فحمله اهله الى باب النوبي، فدخل جماعة من الخدم الى الخليفة وعرَّفوه، وعظّموا ذلك، ونسبوا الى أهل الكرخ كل فساد، فأمر بردعهم، فركب الجند اليهم، وتبعهم العوام، ونهبوا محلة الكرخ، وأحرقوا عدّة مواضع.... ثم تقدم الخليفة الى الجند وغيرهم بإحضار ما نهبوه الى باب النوبي، فأحضروا شيئا كثيرًا فرد على كل من عرف ماله ما وجده، وكان شيئا لا يحصى كثرة،.... ثم حصل الذي كانت الفتنة بسببه وقُتل، وصُلب قاتل القطفتي بباب الكرخ.) (3).
يقول ابن كثير: (وفيها: كانت فتنة عظيمة ببغداد بين الرافضة وأهل السنة، فنُهِب الكرخ ودور الرافضة حتى دور قرابات الوزير ابن العلقمي، وكان ذلك من أقوى الأسباب في ممالأته للتتار.)(4).
وقال الذهبي (ت 748) في سير أعلام النبلاء: (وجرت فتنة مهولة ببغداد بين الناس وبين الرافضة، وقتل عدة من الفريقين، وعظم البلاء، ونُهب الكرخ، فحنق ابن العلقمي الوزير الرافضي، وكاتب هولاكو، وطمّعه في العراق، فجاءت رسل هولاكو إلى بغداد، وفي الباطن معهم فرمانات لغير واحد، والخليفة لا يدري ما يتم) (5).
تعليل أسباب الإنحراف:
إذاً يُرجِع المؤرخون دافع الوزير أبن العلقمي في مُمالأة الأعداء، وإنزلاقه نحو الخيانة والتعاون مع العدو. يُرجِعون ذلك إلى الخلاف والصراع المذهبي الداخلي في بغداد، وتحديدًا الأحداث الدامية التي جرت بين فئات شعبية في الكرخ (فإبن العلقمي يرى أن حاشية الخليفة، وخاصة ابنه أبي بكر والدويدار، قد ظلموا طائفته). ولنا أن نتسائل: اليس من الأجدى البحث عن حل للمشكلة من جذورها وإقتلاع مسبباتها بالحكمة والنفس الطويل؟. وهل وجوده في هرم السلطة، يسوغ له إستعداء المغول وتسهيل غزوهم لبلده العزيز عليه؟. وهل كان تراب الوطن رخيصًا في عينه الى هذه الدرجة حتى يُقَدِّمه لِمحتل همجي؟. وهل كل من ضُربَت مصلحته الشخصية، أو نال أتباعه ضررًا في وقت من الأوقات، يبرر له ذلك الحق في بيع ألأوطان؟، وهل من يعجز عن مواجهة خلل إجتماعي شعبي وهو في اعلى هرم السلطة ينتهك سيادة الدولة ويستقوي بالعدو الخارجي؟.
نحن لا نرى أنّ الحادثة (وهي ليست الأولى من نوعها) ليست هي نقطة التحول الوحيدة في موقفه من الدولة، فهذا تسطيح شديد للأحداث... وإنما هنالك الكثير من الأشياء مما هو قبلها، والكثير مما هو بعدها. أمور ومراسلات تكشف دواخل الوزير وتوجهاته.
كما أن استدعاءه للمغول والتخابر معهم، ما كان وليد توتر سياسي وتصادم شخصي آنيّ، بينه وبين الدويدار وإبن الخليفة. وأنّ ما جرى من فتنة في الكرخ ليس أكثر من كونه نزاعًا شعبيًا بحتًا، بعنوان طائفي مبناه على إستفزازات رعناء. تلك الطائفية البغيضة التي ثارت من جديد في عصرنا الراهن، ولمّا تُوأد بالكامل بعد.
في الجزء التالي: لإستطلاع وتقييم تحركات الوزير وسياساته، لا يسعنا إلّا التأشير على أحداث سبقت حادثة الكرخ، وأحداث أخرى تَلَتها.
المصادر والمراجع:
(1) الفخري في الآداب السلطانية والدول الإسلامية، لمحمد بن علي بن طباطبا المعروف بابن الطقطقي (ت ٧٠٩هـ) ص322، تحقيق عبد القادر محمد مايو/ الناشر: دار القلم العربي، بيروت/ الطبعة: الأولى، ١٤١٨هـ - ١٩٩٧م.
(2) الدوادار (الدويدار) هو: أبي الميامن مجاهد الدين أيبك المستنصري المعروف بـ «الدويدار الصغير»، وكان رئيساً لكتلة المماليك الشراكسة والأتراك في الجيش.
(3) الحوادث الجامعة والتجارب النافعة في المائة السابعة ابن الفُوَطي ص 225، دار الكتب العلمية بيروت.
(4) البداية والنهاية، لأبي الفداء إسماعيل بن كثير (٧٠١ - ٧٧٤ هـ)، ج 15 / ص314. الناشر: دار ابن كثير، دمشق – بيروت/ الطبعة: الثالثة، ١٤٣٤هـ - ٢٠١٣م.
(5) سير اعلام النبلاء لشمس الدين، محمد بن أحمد بن عثمان الذهبي (ت ٧٤٨ هـ)، ص 23/ 180. الناشر: مؤسسة الرسالة/ الطبعة: الثالثة، ١٤٠٥هـ - ١٩٨٥م.