ج10- تَصَدّر الوزير في بلاط الخليفة:
في الحقيقة، من أكثر ما يلفت الباحث في دراسة تاريخ سقوط بغداد، أن الروايات اللاحقة كثيرًا ما سعت إلى إيجاد سبب واحد، أو شخص واحد، يفسر الكارثة، بينما تُظهر قراءة التاريخ والمصادر التأريخية بتأنٍ، أنّ المَشهَد أعقد من ذلك بكثير. فالدولة التي أسسها العباسيون منذ خمسة قرون، لم تسقط بسبب عامل منفرد، بل كان ذلك حصيلة تداخل عوامل وأخطاء بنيوية سياسية، عسكرية، دولية، بالإضافة لصراعات محلية، ومطامح شخصية. وعلى مدى سنوات طويلة تراكمت وتظافرت كل هذه الأحوال لتشكل النهاية البائسة لحُقبة ألخلافة العباسية، التي إمتدت طويلاً في التاريخ.
بين البراءة والإتّهام:
لسنا بصدد بحث كل تلك ألأخطاء والعوامل والظروف. كما أنه ليس من الإنصاف أن نلقي بمسؤلية ما حدث على شخص الخليفة، أو على شخص بعينة. دون شواهد وأدِلّة. ومع ذلك فقد إختلف المؤرخون وأصحاب الفكر في شخصية الوزير مؤيد الدين بن العلقمي، الذي يُعتَبَر أقرب المُقَربين سياسيًا وإداريًا من الخليفة العبّاسي. وكثُر الجدال عن هذه الشخصية، بين مادح وقادح، بناءًا على قراءة ما صدر عنه من توجهات فكرية وعقائدية وإدارية، وبحكم إتصالاته وتحركاته السياسية الضبابية أو الخفية غير المُعلنة والتي تعني أنه كان يتحرك في مساحة رمادية أثناء أداء وظيفته، وأثناء إدارته للصراع الوجودي مع المغول الغُزاة. فبينما يراه خصومه متواطئاً سَهّلَ مهمّة المُحتل لإحتلال بغداد، يراه المدافعون عنه رجلاً سياسياً مُحنّكًا، حاول تجنيب مدينته كارثة حتميّة عبر حلول استسلامية، دبلوماسية، فشلت في النهاية.
موضوعيًا، وقبل البحث والتحليل في إتهامه، أو في الدفاع عنة، ينبغي القاء بعض الضوء على كيفية وصوله الى منصب وزير الدولة وهو المنصب الرسمي ألأعلى بعد منصب الخليفة، وذو الصلاحيات المُعتبَرة، والدور العظيم، في توجيه دفّة السياسة الخليفية بشكل عام.
علاقة إبن العلقمي ببلاط الخلافة:
لعلّنا نرجع في الزمن قليلاً الى الوراء، إلى زمن الخليفة العباسي المستنصر بالله (والد المستعصم)، حيث تدرّج إبن العلقمي في سنة (629هـ) بعد أن كان يشغل وظيفة كاتب في جهاز الدولة، ليَشغَل منصب أستاذ الدار للخليفة المستنصر بالله. والمنصب الجديد طبعًا يتيح للقائم به أن يكون على إتصال يومي بالخليفة، وبدوائر الحكم، وألإطّلاع على مفردات شؤون البلاط. وهذا ألإتصال والتواصل يُمَكّنه وبشكل واسع، من تكوين شبكة من العلاقات والنفوذ ألإداري والسياسي داخل القصر، ومن هنا فليس من المُستغرب أن يكون المنصب بوّابة طبيعية للوزارة، حتى ولو لم ينتقل اليها كثيرون فعليًا. ولكنة قد تحقق واقعًا مع إبن العلقمي، حيث جرى إختياره لاحقًا في سنة (642هـ) لتولي منصب الوزارة بعد أن بُويع ألمستعصم بالخلافة. (الوزارة بمثابة منصب رئيس الوزراء في الزمن الحاضر).
إبن العلقمي والوزارة:
هل كان أنتقال أستاذ الدار الى منصب ألوزارة بِدعًا، أو حَصرًا بإبن العلقمي؟. الجواب: كلا. فهذه ليست حالة فريدة في بلاط الخلفاء العباسيين، فقد نال هذه المنزلة عدد من أصحاب منصب أستاذ الدار، خاصّة في أواخر العصر العباسي، وانتقلوا لاحقًا إلى تولي الوزارة. لأن المنصبين كانا متجاورين في أعلى سُلّم السُلطة داخل القصر العباسي.
ما وظيفة أستاذ الدار:
أستاذ الدار مسؤول عن دار الخلافة نفسها. أي القصر الخليفي وما يتبعه من شؤون الأسرة الحاكمة والخدم والنفقات والاستقبالات الرسمية. فواجباته على سبيل المثال:
1- الإشراف على دار الخلافة وصيانتها.
2- تدبير احتياجات الخليفة وأسرته.
3- استقبال الوفود والرسل الوافدين إلى القصر.
4- الإشراف على عدد من موظفي القصر والخدم.
5- قد يشارك أحيانًا في التأثير على التعيينات الكبرى داخل الدولة، بل ربما كان له نفوذ في شؤون ولاية العهد، واختيار كبار المسؤولين.
ولعل هذا المنصب أشبه مايكون برئيس الديوان الملكي، أو ديوان الرئاسة ذو التأثير السياسي، أو مدير مكتب رئيس الدولة.
المستعصم في الكفاءة كأبيه:
وهنا إلتفاتة، فيها ردٌّ على مقولات اولئك الذين عابوا على الخليفة، أنه لم يكن في الكفاءة كأبيه (انظر ج6 شهادة ابن كثير). – عِلمًا أنّ الإنتقاص من المستعصم إنّما كُتِبَ بعد موته رحمه الله - فإن كان المستعصم هو من رقّى وإختار ابن العلقمي للمنصب، فإن الخليفة الوالد هو من وَثِق به قبل ذلك، ومهّد له بتلك الثقة للتسلل الى دهاليز البلاط حين أوكل اليه وظيفة أستاذية الدار الوظيفة ألأعلى، الكفيلة بالهيمنة على كل أركان القصر، وتسيير العديد من أمور الدولة.
ضرورة توافر الثقة في الوزير:
من الطبيعي أن لا يصل الى منصب (أستاذ الدار) إلّا من كان على درجة عالية من الثقة والإخلاص والكفاءة. ولكن ليس بمُستغرب في طبائع البشر: أن يكون الإنسان في الظاهر كفوء موضع ثقة، بيد أنه لا يستقيم عليها طوال حياته، وينهار فتهون عليه الخيانة لاحقًا، لسبب أو آخر. وقد يتلبّس ألإنسان بالثقة تَقيّة يومًا، ويتحين الفرص في ذات الوقت، فإن واتته مصلحة شخصية أو حزبية أو مذهبية واعِدة، إنقلب على مبدأ الثقة. وقد يكون مخلصًا جديرًا بالثقة. فيثبت على صِفته وسلوكه طول الخط، لا يغيّر ولا يبدّل مهما عصفت به الظروف والأحوال.
الحاجة الى كشف المستور:
هل كان مؤيد الدين إبن العلقمي أحد هذه ألأنوع المُتَقدّمة؟. هل كان موضع ثقة في نفسه وعمله؟، أم كان ممن تحوم حوله الشكوك والشبهات؟. وهل هذه الشبهات حقيقية أم مُتَوَهَّمة؟. وماهي الطعون الموجهة اليه؟. وبالمُقابل، الدفاعات التي تَذبّ عنه؟. وهل من أدلة إثبات أو نفي؟. سنحاول إلقاء شيء من الضوء على كل ذلك فيما سيأتي.