الجزء 12: دعوة هولاكو لإحتلال بغداد.
صحيح أنّ سقوط بغداد لا يمكن تفسيره وتحميله لشخص واحد فقط. لأنه في الواقع نتاج تأثير معاول هدم عديدة. ولا شك أنّ الوزير ابن العلقمي كان جزءًا من نظام يعاني أزمات عميقة. ولكن خصصنا الحديث عنه في بحثنا هذا، لأهمية منصبه ولمسؤوليته الوظيفية، كونه في اعلى هرم المتنفذين في إدارة الدولة بعد الخليفة. ولدوره التاريخي المباشر فيما آلت اليه البلاد. ولتعدد المؤرخين الذين أشاروا بأصابع ألإتهام اليه. في حين لم أجد وثائق تاريخية تُنفي عنه تهمة التخابر، وإنما مصادر تتحدث عن كفاءته الوظيفية ونزاهته المالية وحسن معشره وتعامله. ولكن هذا شيء والتخابر وإيثار المصلحة الشخصية شيء مُختلف.
ألحاقًا بالجزء السابق، أجد إنه من غير المُقنع، ومن الغريب حقًا، أن يتفق المؤرخون على أنّ دوافع الوزير ابن العلقمي للتنكيل بالخلافة، والتآمر على الدولة، كان كمُحَصّلة لتأثير حادثة الشغب الدموية عليه. تلك الحادثة التي حصلت في منطقة الكرخ بين السنّة والشيعة. وأنها أدت الى حدوث إنعطافة حادّة في فكره وسلوكه!. وأرى أن هذا التبرير غير كافٍ، أوغير مُقنِع.
فهل يمكن أن تكون هذه الحادثة فعلاً، نقطة الإنقلاب على الخلافة؟. بمعنى نقطة البداية للإنقلاب على الشرعية؟. أم هي كانت في سياق مرحلة من مراحل تخطيط مُسبق طويل الأمد ضد النظام؟. فجاءت الحادثة لتكون الحجر الذي حرّك الماء الراكد!. وأعتقد أنّ ما يؤكد الفرضية ألأخيرة، وجود سوابق ومُقدمات، مثار الشبهة عُرفت عن سلوكيات وتحركات الوزير إبن العلقمي!.
التخابر والرسائل المبكرة:
سنبدأ بما قبل حادثة الكرخ بـ (عشر سنين)، ونرى ما الذي يُحدثنا التاريخ يومذاك، وما الذي حصل؟. ودعونا نقرأ في مختصر إبن الساعي. (593 – 674هـ) (وإبن الساعي هو من أوثق من أرّخوا لتلك المرحلة، فهو ألأقرب زمنيًا إلى الحدث. وهو بغدادي عاش الكارثة وآثارها). يقول: (كاتب التاتار واطمعهم في البلاد، فيقال ان هولاكو لما وصلت اليه مكاتبة الوزير، تنكر ودخل بغداد في زي تاجر، واجتمع بالوزير وبأكابر الدولة، وقرر القواعد معهم، ورجع الى بلاده، فتجهز وسار الى بغداد) (1).
فتوثيق أبن الساعي لمكاتبات الوزير مع هولاكو، دليل إدانة بالغ الأهمية، لأنها شهادة صادرة من قلب الواقع. حيث توافرت لإبن الساعي ظروف التدوين والتوثيق، مما لم تتوافر لكثيرين غيره، فهو واحد ممن عايش المرحلة، ووثق أحداثها ودونها في وقتها.
لقاءآت الشر الثنائية:
وتفيدنا عبارة إبن الساعي، المعاصر للأحداث معلومة غاية في الأهمية، في ان المراسلة لم تحدث عند حدود بغداد عندما حاصرها هولاكو في الأيام الأخيرة قبل الإجتياح. وإنما حين كان هولاكو بعيدًا في الشرق ربما لم يعقد العزم على التوجه الى بغداد بعد. أما حديثه عن خبر دخول العدو في زي تاجر الى البلاد، فلا يمكن القطع به بيقين. ذلك لأنه إنما جرى سرًا، وهو على أي حال، أمر ممكن وميسور بوجود تسهيلات محلية لحدوثه، وقد بات مثيله اليوم معلومًا اكثر من أن يُعَمّى عليه. إذ نسمع أخبار دخول قيادات عسكرية ومدنية ووزراء رسميين من دول اُخرى سرًا الى البلاد، دون إعلان، ولا صحافة، ولا مراسيم إستقبال، ولا سِمات دخول. ومع ذلك يدخلون. يلتقون وينسّقون مع من يريدون. ويغادروا البلاد بسرية كما دخلوا.
شهادة مؤرخ المغول الرسمي عن الجواسيس:
إبن الفوطي المؤرخ الحنبلي السلفي، والذي عاش في كنفهم، وبحماية نصير الدين الطوسي. يكشف بما لا يدع مجالًا للشك أن الخلايا ذات الميول الفارسية التي عاشت في بغداد وتولت مناصب ومراكز مهمة في المجتمع ودولة الإسلام، كانوا في الواقع موالين لدولة المغول، ويتآمرون معها على دولة الخلافة. وتجد هذا صريحا في ترجمة إبن الفوطي في كتابه مجمع الآداب تحت تسلسل (117): لعزّ الدين أبو الفضائل الحسن بن مؤيد الدين محمد بن أسعد بن علّجة. قال:
(الساميّ الأصبهاني الرئيس المعظم. نزيل بغداد، له نسب في بني سامة بن لؤي بن غالب، وكان أجداده قد انتقلوا من فارس إلى أصبهان ومن هناك انتقلوا إلى بغداد وتنقلوا في المناصب العلية والمراتب، له الفضائل الباهرة، والأخلاق الطاهرة، والمناقب الزاهرة، غذي بلبان الرئاسة والسيادة، وكان جميل الهيئة، ظاهر الهيبة، طيب المفاكهة، حسن [لمحادثة]، لم يزل والده في جدّ صاعد إلى أن انقضت الدولة العباسية، ولما استولى هولاكو على العراق خرج إليه فأعطاه الفرامين، وخلصوا بأهلهم أجمعين).
يقول محقق الكتاب محمد كاظم: (هذا دليل على اتّصالهم بالتتار قبل استيلاء هولاكو على بغداد ولعلهم كانوا يطلعون التتار على أحوال الدولة العباسية، جاء في خبر استيلاء هولاكو على بغداد سنة ٦٥٦ هـ في كتاب الحوادث - ص ٣٢٩ - «وكان ببغداد جماعة من التجار الذين يسافرون إلى خراسان وغيرها قد تعلقوا من قبل على أمراء المغول وكتب لهم فرامين، فلما فتحت بغداد خرجوا إلى الأمراء وعادوا ومعهم من يحرس بيوتهم والتجأ إليهم جماعة من جيرانهم فسلموا». وقد ذكر مؤلف الحوادث منهم بيت مقلد بن أحمد بن الخرداذي التاجر المتوفى سنة ٦٥٢ هـ أي قبل واقعة هولاكو بأربع سنوات. ص ٢٥٩). (2).
تَبييت الخيانة:
يرى الذهبي (673 – 748هـ) أن الخيانة كانت مُبَيّتة، وأنّها بدأت مبكرًا، وتحديدًا بعد سنتين من تولّى الوزير منصب الوزارة. حيث يؤرخ في كتابه سِيَر أعلام النبلاء، عن أحداث سنة (644هـ) فيقول: (قدم رسولان من التتار احدهما من بركة، والآخر من بايجو، فاجتمعوا بابن العلقمي، وتعمّت الأخبار) (3)، أي جرى التعمية أو التغطية على هذا الإجتماع!. حيث يحدد الذهبي الجهتان اللتان قدم منهما الجاسوسان المغوليان. مما يعني أنّ التدبيرات للإحتلال كانت مُبَيّتة، ومبكرة جدّاً.
قال السيوطي (849 – 911هـ) تحت عنوان - فتنة التتار وخيانة العلقمي - قال: (هذا: والتتار جائلون في البلاد، وشرهم متزايد ونارهم تستعر، والخليفة والناس في غفلة عمّا يراد بهم، والوزير العلقمي حريص على إزالة الدولة العباسية، ونقلها الى العلوية، والرسل في السر بينه وبين التتار ، والمستعصم تائه في لذاته لا يطلع على الأمور) (4). وجائلون في البلاد أي الحواضر والولايات الواقعة في الجبهة الشرقية لدولة الخلافة.
وعلى العموم، نحن لا نحاكم الناس على نواياهم. ولكن توافقت رؤى معظم المؤرخين: ان الوزير العلقمي راسل هولاكو سرّاً، ودعاه الى غزو العراق، واطمعه في ذلك. وهذه خيانة عظمى لا شك في ذلك. ويشكل هذا أشهر اتهام تاريخي للوزير العلقمي.
طبيعة التواصل
اما اليونيني (المعاصر لمشهد الإجتياح المغولي) فيحدد طبيعة التواصل، ووسطاء الإتصال والثمن الذي سيُقبض مقابل الخيانة فيقول:
(وكاتب الوزير ابن العلقمي التتر وأطمعهم في البلاد وأرسل اليهم غلامه وأخاه. وسهّل عليهم ملك العراق. وطلب منهم ان يكون نائبهم في البلاد، فوعدوه بذلك. واخذوا في التجهز لقصد العراق) (5).
في السياق نفسه، يتحدث ابن العماد الحنبلي في كتابه "شذرات الذهب في أخبار من ذهب"، عن المؤرخ الشهير كمال الدين ابن الفوطي في أن العلقمي (أرسل أخاه ومملوكه إلى هولاكو، وسهّل عليه أخذ بغداد، وطلب أن يكون نائبا له عليها.) (6).
اما ابن كثير (701هـ - 774هـ) فيذكر في تاريخه ان جيش الخلافة وقد بلغ تعداده المتناقص الى عشرة آلآف، قال: (ثم كاتب التتارَ وأطمعهم في أخذ البلاد، وسهل عليهم ذلك، وحكى لهم حقيقة الحالِ، وكشف لهم ضعف الرجال) (7). إنها عملية تبليغ العدو بنقاط الضعف في جيش الخلافة وتحصينات بغداد.
التخطيط، ومراسيم تعيين ألإنقلابيين:
تخطيطات العدو للإجتياح أخذت منحًا أكثر تفصيلًا، فبالإضافة الى التنسيق في عملية الإجتياح. يبدو أنّ هولاكو قد حدد للوزير بفرمانات (أوامر تعيين) ملامح وأدوار الشخوص في الحكومة المُقبلة، وهذا ما أشار اليه ابن الساعي في لقاء هولاكو بالوزير واكابر الدولة الخونة، الذين هم على شاكلة الوزير. قال: (واجتمع بالوزير وبأكابر الدولة، وقرر القواعد معهم، ورجع الى بلاده، فتجهز وسار الى بغداد) (8)، ويشير الذهبي الى جانب من تلك المرحلة فيقول: (وكاتب هولاكو، واطمعه في العراق، فجاءت رسل هولاكو الى بغداد، وفي الباطن معهم فرمانات لغير واحد، والخليفة لا يدري مايتم، وأيامه قد ولّت) (9). بمعنى ان هولاكو أرسل سرًا الى الوزير أوامر، أو قرارات تعيين لأولئك ألأشخاص ألموالين لدولة المغول، وتعيينهم في ألمناصب الرسمية في العراق، بعد القضاء على نظام الخلافة. وسواء حدث هذا قبل لقاء الصداقة الثنائي (هولاكو/العلقمي) أو بعده، فالواضح أنها كانت رسائل بين الطرفين متبادلة.
صفقات الخيانة وإستدراج الخليفة:
(فتجهز وسار الى بغداد في جموع عظيمة من المغل ونزلوا على الجانب الشرقي في سنة ست وخمسين وستمائة وخرج اليهم الوزير فاستوثقهم على اهله ونفسه، ثم رجع الى الخليفة، وقال ان هذا جاء ليزوج ابنته بابنك ولم يبرح به حتى اخرجه اليه) (10). إستوثق الوزير لنفسه وأهله بصفقة خيانة، ضريبتها خداع الخليفة وإقناعه بوعد زائف كاذب ... وإرتضى القيام بهذا الدور في الإساءة الى دولته، والى من أحسَنَ اليه.
يُخبرنا إبن الطقطقي "الشيعي"، (660 – 709هـ) ان العلقمي كان بحماية أستاذه ومُربيه، مستشار هولاكو نصير الدين الطوسي الذي قدمه الى هولاكو (11)، وكان الطوسي ذاته مُقربًا من هولاكو إلى درجة ان هولاكو لا يبرم أمرًا دون الإستئناس برأيه... وهنا قد يقال إنّ إلتصاق الطوسي بهولاكو إنما كان ذلك عن خوفٍ من بطش هولاكو، وفق ما يراه بعض أصحاب القلم. ولكن، حقائق التاريخ تقول غير هذا الإدّعاء وتَنفيه. ثُمّ أما كان في وسعه لو كان خائفًا، أن يترك هذا الباطش الظالم، ويفر بنفسه عند أول فرصة مواتية له!، بل وعلى العكس تمامًا، فالواقع يشهد أنّ الرجل آثر الاقتراب من هولاكو، وكان رفيقه في حلّه وترحاله، بل وقَبِل تعيينه له نائبا على العراق بعد القضاء على العباسيين، وظلَّ مخلصًا لدولة المغول حتى وفاته عام 672هـ / 1273م.
نواصل في الجزء القادم - إن شاء الله - القاء الضوء على تحركات العلقمي المُريبة، وسعيه لتسريح الجيش وإضعافه، تسهيلاً وخدمة للإحتلال.
المصادر والمراجع:
1- مختصر اخبار الخلفاء للامام الفقيه العلامة علي بن أنجب المعروف بابن الساعي / ص 126 الطبعة الاولى / المطبعة الاميرية ببولاق مصر المحمية سنة 1309هـ.
2- مجمع الآداب في معجم الألقاب، لكمال الدين أبو الفضل عبد الرزاق بن أحمد المعروف بـ «ابن الفوطي الشيباني» (ت 723هـ)، ج1/ ص 144، تحقيق، محمد الكاظم مؤسسة الطباعة والنشر- وزارة الثقافة والإرشاد الإسلامي، إيران، الطبعة: الأولى، 1416هـ.
3- سير اعلام النبلاء للذهبي ص 3955-3956. أو 23/ 180. وفق الطبعة الرقمية أو الورقية.
4- تاريخ الخلفاء للسيوطي، ص 711.
5- ذيل مرآة الزمان في تاريخ الاعيان لقطب الدين أبو الفتح موسى بن محمد اليونيني (ت 726هـ) ج1 ص 85- 87، بعناية: وزارة التحقيقات الحكمية والأمور الثقافية للحكومة الهندية/ نشر دار الكتاب الإسلامي، القاهرة/ الطبعة: الثانية، 1413هـ - 1992م.
6- شذرات الذهب في أخبار من ذهب لعبد الحي بن أحمد بن محمد ابن العماد العَكري الحنبلي، أبو الفلاح، ج7/ ص 468./ تحقيق محمود الأرناؤوط / دار ابن كثير، دمشق - بيروت/ الطبعة: الأولى، 1406هـ - 1986م.
7- البداية والنهاية لأبي الفداء إسماعيل بن كثير (701- 774 هـ)، ص 15/ 315.نشر دار ابن كثير، دمشق – بيروت/ الطبعة: الثالثة، 1434هـ - 2013م.
8- مختصر اخبار الخلفاء لابن الساعي / ص 126
9 سير اعلام النبلاء للذهبي ص 3955-3956. أو 23/ 180
10- مختصر اخبار الخلفاء لإبن الساعي/ ص 126
11– الفخري في ألآداب السلطانية والدول الإسلامية: لإبن الطقطقي ص 338.