مؤامرة تسريح الجيش وتقليص أعداده.
ملاحظة: (إستعملنا لفظ تتار ومغول لمُسمّى واحد)
جيش الدولة هو الحصن الحصين لحماية الحدود من أي إعتداء خارجي، وهو وسيلة ألردع الأولى والأساسية لأي عدوان، أو إحتلال خارجي. فإذا ما تم حل الجيش، أو إضعاف قوته وتجهيزاته، والإستهانة بقدراته وبدوره، كان ذلك مدعاة لطمع ألطامعين في البلاد. فالعمل على إضعاف الجيش ليست فكرة سليمة، فإن حصل، فإن ذلك لا يتأتي عن عبث أو حسن نيّة. ، فإنما يُراد منه ما يراد. وقضية (إضعاف الجيش) في زمن المستعصم من المسائل التي أكّد عليها المؤرخون. وسنحاول أن نقتنص نماذج من كتاباتهم، وذلك لتوافق جمهرة من المؤرخين على توثيق هذا الأمر"صرف الجيش"، وخاصة أولئك المؤرخون الذين عايشوا المأساة. وعليه، لا يسعنا إلا أن نفرد لها الحديث هنا، لنرى ما إذا كانت فكرة صرف وتسريح جيش الخلافة في سنواته الأخيرة، كان الغرض منها حقن دماء الناس من سطوة هولاكو المُحتملة!. أم إنّها خطة ممنهجة لتسهيل عملية الاحتلال؟.
دعوة الوزير للتحالف مع المغول:
كان التتار قد هُزموا في عهد المستنصر بالله وقُتل منهم خلق كثير. وللسمعة والهيبة التي كانت تتمتع بها الخلافة في أنها منصورة ومؤيّدة من الرب، وتدين لها العديد من الممالك. لذا كانت مسألة رغبة هولاكو ملك التتار أنقاص جند الخليفة أمرًا ضروريًا، فيما لو أراد التوجه الى العراق. ويبدو أن الذي حَفّزه على التحرّك، وصول. كتاب العلقمي الذي يدعوه فيه ويُبدي أستعداده لتسليمه بغداد. (وذكرنا موضوع الرسائل في الجزء السابق)، فكان رد هولاكو إن كنتَ صادقاً فيما قلت لنا، وداخلاً تحت طاعتنا، ففرِّق العسكر، فإذا عملت ذلك حضرنا.
مصانعة الخلفاء السابقين للتتار:
أرّخ اليونيني (640 – 726هـ): المعاصر للغزو المغولي، حدوث عملية تحمل في طيّاتها مُخطط لصرف قطعات من الجيش عن وظائفهم، وتقليص أعدادهم تدريجيًا بقصد ألإضعاف، وإنهاء أي محاولة جادّة من الجيش لمقاومة ألعدو أو للدفاع عن البلاد. قال اليونيني: (وكان المستنصر بالله رحمه الله "والد المستعصم بالله" قد استكثر من الجند حتى قيل أنه بلغ عدّة عسكره نحو مائة ألف، وكان منهم أمراء أكابر، "أي قادة عسكريين" يطلق على كل منهم لفظ الملك، وكان مع ذلك يصانع التتار ويهاديهم، فلما وُلِّيَ المستعصم أُشير عليه بقطع أكثر الجند، وإنّ مصانعة التتر وحمل المال إليهم يحصل به المقصود. ففعل ذلك وقلل من الجند وكاتب الوزير ابن العلقم التتر وأطمعهم في البلاد) (1). فبحسب اليونيني فإن هنالك من أشار على الخليفة بتسريح الجيش، والتعويض عنهم بدفع الأموال والهدايا للعدو بذريعة إبعاد شرهم!. وطبعًا، لَكَ أن تستنتج أنّ مطلبًا كهذا لحل وتسريح الجيش، أو تقليل أعداده، لا يمكن أن يكون مطلبًا للقادة العسكريين، المنشغلين في مواجهة حربية مع المغول المتقدمين من شرق العالم الإسلامي. كما لم يُعرف عن القيادة العسكرية التقاعس عن أداء واجباتهم القتالية والدفاع المستميت عن البلاد ضمن حدود امكانياتهم وما يتاح لهم. وكانت لهم انتصارات مشهودة على التتار. ومع ذلك واجهوا كذلك إنكسارات وهزائم، وهكذا هي الحرب كرّ وفرّ أحيانًا. ولكنهم بالنهاية صمدوا حتى النهاية.
السعي الحثيث لقطع أرزاق الجُند:
وتأمّل عبارة شيخ الإسلام ابن تيمية وهو الذي عايش فترة الاحتلال المغولي لبغداد والشام، حيث يوجه سهام ألإتهام في كتابه "منهاج السنة النبوية" الى الوزير ابن العلقمي فيقول: (وكان وزير الخليفة ببغداد الذي يقال له ابن العلقمي منهم ، فلم يزل يمكر بالخليفة والمسلمين، ويسعى في قطع أرزاق عسكر المسلمين وضعفهم، وينهى العامة عن قتالهم - يعني التتار- ويكيد أنواعًا من الكيد، حتى دخلوا فقتلوا من المسلمين ما يُقال: إنه بضعة عشر الف الف إنسان أو أكثر أو أقل) (2).
التسريح التدريجي المُمنهج للجيش:
دخل الوزير ابن العلقمي على المستعصم وزيّن له تسريح خمسة عشر ألف فارس من عسكره، لتوفير المصروفات االرسمية، أو لدفعها لهولاكو إتقاءًا لشرّه. وأنه لا حاجة لهذا العدد الضخم من الجند الآن، ولا ضرورة لتحميل الدولة نفقات ورواتب هؤلاء العساكر. وأن التتار بعيدين عن دار الخلافة بغداد، أو أنهم قد رجعوا إلى بلادهم.... إلخ. وهكذا كانت المحاولات تجري. ومن المؤسف أن الخليفة كان يستجيب لرأي وزيره، بناءً على ثقته به. فيُصدر الخليفة قراره بتسريح خمسة عشر ألف عسكري. فيخرج ابن العلقمي ومعه الأمر، ليستعرض العسكر وليختار تسريح أفضل الفرسان والمقاتلين، ويأمرهم بمغادرة بغداد والتفرق في البلاد. وهكذا مع الوقت كان هذا فعله في كل فترة. يعرض فيها على الخليفة، تسريح عدد أكبر أو أقل من العساكر، بحجج مختلفة. حتى لم يتبق منهم في الخدمة وقت حصار بغداد سوى عشرة آلآف عسكري. وعندها كتب الى هولاكو بأن الأمور مُهيّأة.
رواتب الجيش الى هولاكو:
الى نفس النتيجة التي إنتهى اليها إبن تيمية، ذهب السيوطي بقوله: (وكان أبوه المستنصر قد استكثر من الجند جدا، وكان مع ذلك يصانع التتار ويهاديهم ويرضيهم فلما استخلف المستعصم... كان خليا من الرأي والتدبير، فأشار عليه الوزير بقطع أكثر الجند، وأن مصانعة التتار وإكرامهم يحصل بها المقصود، ففعل ذلك) (3). وعلى الهامش نقول: لقد استولى التتار من قبل على كل بلاد المشرق في زمن المستنصر وما قبل المستنصر، وكان أباه يصانعهم ويهاديهم إتقاء شرهم. والسؤال: هل كان الخليفة المستعصم بالله سيفلح ان إنتهج نفس نهج أبيه مع التتار، بوجود النماذج السياسية وأعمدة الخيانة الداخلية المحيطة به يومذاك، والتي كانت تدبرُ أمرًا آخر لمصير الخلافة!؟.
هبوط مُريع في أعداد الجُند:
ابن كثير (701- 774هـ): يقول: (وكان الوزير ابن العلقمي قبل هذه الحادثة يجتهد في صرف الجيوش وإسقاط اسمهم من الديوان، فكانت العساكر في آخر أيام المستنصر قريبًا من مئة ألف مقاتل، منهم من الأمراء مَنْ هو كالملوك الأكابر، فلم يزل يجتهد في تقليلهم إلى أن لم يبق سوى، عشرة آلاف، ثم كاتب التتارَ وأطمعهم في أخذ البلاد، وسهل عليهم ذلك، وحكى لهم حقيقة الحالِ وكشف لهم ضعف الرجال) (4)،
الحال قبل الاحتلال:
ويصف ما آل اليه حال العساكر، فيقول: (بغداد في غاية القلة ونهاية الذلة، لا يبلغون عشرة آلاف فارس، وهم [في غاية الضعف] وبقية الجيش كلّهم قد صُرفوا عن إقطاعاتهم حتى استَعْطَى كثيرٌ منهم في الأسواق وأبواب المساجد، وأنشد فيهم الشعراءُ قصائد يرثون لهم ويحزنون على الإسلام وأهله)(5). وذلك كله عن آراء الوزير ابن العلقمي الرافضي.
ليس وحده المسؤول:
نحن لا نجزم بتحميل مؤيد الدين ابن العلقمي وحده مسؤولية السقوط، فالكوارث التاريخية الكبرى نادرًا ما تنشأ من قرار شخص واحد. ولكن غالبًا ما تكون نتيجة تراكم أخطاء بنيوية وسياسية وعسكرية على مدى سنوات طويلة. ولكن قيام مؤيد الدين بن العلقمي بمساعدة المغول في خطتهم، وإطلاعهم على الثغرات الهشّة، ونُقاط الضعف في البلد، كان قد أحدث فرقًا، وأحدث شرخًا كبيرًا في مقومات قوة الدولة، التي سعى الوزير العلقمي على هدّها على فترات من الزمن، حيث استطاع فيما سبق، بحكم منصبه كوزير دولة أن يحثّ الخليفة على صرف قطعات من الجيش بذريعة أمن البلاد والعباد والمؤسف أن الخليفة يستجيب كل مرّة لمقترحاته، إعتمادًا على ثقته به.
ما أشبه اليوم بالبارحة:
من العجيب وأنت تقرأ تاريخ الغزو المغولي لبغداد "بغَضّ النظر عن الشخوص والزمان" تجد أنه بالإمكان اسقاط أحداثه بكل تفاصيلها ومفرداتها على واقع الحال وأحداثه المعاصرة إبّان عام 2003م، وكأن التاريخ أعاد نفسه. ولن اجري أي مقارنات أو تفصيلات، لأن ذلك من شأن من يخوض في السياسة، وأنا هنا في بحثٍ موضوعي تاريخي بحت.
ركوب موجة الشائعات:
يتحدث لنا إبن الفُوَطي (642 - 723هـ): ويعتبر كتابه من اهم المصادر التوثيقية لحقبة الغزو المغولي لقربه من الأحداث كونه بغداديًا ووقع أسيرًا لدى المغول، ولكنه إستطاع الفرار، ودخل في حماية مستشار هولاكو نصير الدين الطوسي. يتحدث إبن الفُوَطي عن فريق العلقمي المفاوض أنه كان يطلب من المقاومة الرسمية والشعبية عدم التصدي للقوات الغازية، في وقت كانت المعركة مُحتدمة، والعدو في أوج هجمته الشرسة على أسوار بغداد! ... قال: (وخرج الوزير ابن العلقمي من بغداد للقاء هولاكو في جماعة من مماليكه وأتباعه، وكان أتباعه ينهون الناس عن الرمي بالنشّاب، ويقولون سوف يقع الصلح إن شاء الله، فلا تحاربوا. أما عسكر التتار فكانوا يبالغون في الرمي، ويمطرون برج العجمي الذي عن يمين باب سورة الحلبة، ونصبوا عليه المناجيق، وواصلوا الرمي بالحجارة, فهدموا وصعدوا على السور) (6).
المفاوض المُنحاز للعدو:
ابوشامة: (599 – 665هـ): المؤرخ الشامي الذي عايش كارثة الغزو.
أشار أبو شامة الى العلاقات التي توطدت بين هولاكو والوزير العلقمي، حيث غدا مُقربًا منه وإستطاع ان يتوثق لنفسه، ويتحالف معه. وبناءً عليه، وطبقًا للثقة التي حظي بها عند هولاكو، تم العَهد اليه أن يكون المفاوض أو ناقل الرسائل بين هولاكو والخليفة. ومن الواضح أن الوزير في إيصاله للرسائل، كان منحازًا بالكامل الى صف هولاكو، بل أنه لم يترك حيلة، أو خديعة للإيقاع بالخليفة إلّا وفعلها، (وسنأتي الى بيان ذلك في جزء لاحق).
تثبيط وتخذيل العساكر عن المقاومة:
ونلاحظ أنّ أبا شامة ولثقته بقرينه ومعاصره المؤرخ إبن الفوطي فقد نقل عبارة الفوطي بِنَصّها، وضَمّنها في كتابه، والمُتعلقة بتخذيل العلقمي وأتباعه للقوات المدافعة وتثبيطهم من خلال إشاعة القول أن الصلح على الأبواب. فيقول: (وخرج الوزير ابن العلقمي من يوم الاثنين محرم سنة (٦٥٦ هـ/ ١٢٥٨م) في جماعة من مماليكه وأتباعه، ..... ويمطرون برج العجمي بحجارة المجانيق) (7). وعملية التثبيط سواء جرت بحسن نية أو بسوء نية، فإنها على أقل تقدير، قلة تدبير، أو ربما خديعة. إذ كيف يكون الصلح دون أن يكون لدى المفاوض قبل التفاوض ورقة ضغط تستند إلى قوة دفاع رادعة، أو إيهام بها. وبعكس ذلك يكون الخروج خروج أستسلام ليس إلّا.
إن تقليل أعداد الجند، كان من أهم معاول الهدم في جدار دولة الخلافة، قبل الغزو المغولي.
المصادر والمراجع:
1- ذيل مرآة الزمان لقطب الدين أبو الفتح موسى بن محمد اليونيني، 1/87 بعناية: وزارة التحقيقات الحكمية والأمور الثقافية للحكومة الهندية/ نشر: دار الكتاب الإسلامي، القاهرة / الطبعة: الثانية، 1413هـ -1992م.
2- منهاج السنة النبوية في نقض كلام الشيعة القدرية لإبن تيمية أبي العباس تقي الدين احمد بن عبد الحليم / 5/155 تحقيق الدكتور محمد رشاد سالم / الطبعة الاولى/ 1406 – 1986م.
3- تاريخ الخلفاء لجلال الدين عبد الرحمن بن أبي بكر السيوطي، ص711، بعناية: اللجنة العلمية بمركز دار المنهاج/ الناشر: دار المنهاج – جدة/ طبعة خاصة بوزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية – قطر/ الطبعة: الثانية، 1434هـ -2013 م.
4- البداية والنهاية لأبي الفداء إسماعيل بن كثير 15/ 313 حققه وخرج أحاديثه وعلق عليه: د. محيي الدين ديب مستو، وآخرون. راجعه: الشيخ عبد القادر الأرنؤوط – و د. بشار عواد معروف/ نشر دار ابن كثير، دمشق – بيروت، الطبعة: الثالثة، 1434هـ - 2013م.
5- المصدر السابق 15/ 315
6- الحوادث الجامعة في المائة السابعة لكمال الدين أبي الفضل عبد الرزاق بن احمد الشيباني البغدادي المعروف بإبن الفوطي / ص 233 ، تحقيق مهدي النجم/ دار الكتب العلمية/ بيروت – لبنان / الطبعة الأولى 2002م – 1424هـ.
7- أبو شامة مؤرخ دمشق في عصر الأيوبيين، دراسة تحليلية في سيرته وآثاره التاريخية، لإبراهيم الزيبق/ ص 201، نشر (مؤسسة الرسالة، بيروت - لبنان)، (الدار العامرة، دمشق - سوريا) الطبعة: الأولى 1431هـ - 2010م.