المستعصم بالله، وحلقة الخيانة، والحظ العاثر.
الجزء 14: دوافع ألخيانة الشخصية والمذهبية:
بعد أن استوفينا الجزء المتعلق بتقليل عدد المقاتلين المدافعين عن بغداد والذي تم بتحريض ومشورة الوزير مؤيد الدين بن العلقمي، وأوردنا نصوص المؤرخين الذين سَجّلوا هذه الواقعة، نواصل هنا تدوين نماذج ممّا وثّقوه عن سلوكيات، تُدين أو - على ألأقل - تُشَكك في نزاهة وإخلاص الوزير الوظيفي، وفي تحركاته كَوَسيط في ألأيام الأخيرة قبل السقوط.
التعتيم الإعلامي على الخليفة والناس:
يشير إبن كثير الى أنّ الوزير لم يكتفِ بمراسلة المغول وإبلاغهم بأخبار الخليفة، وإنما كان يكتم المعلومات الخارجية القادمة من ولاة ورعايا دولة الخلافة، بشأن تحديد المواقف مع المركز وتنسيق مواجهة المخاطر المُنتظرة، وأخبار الغزاة. كان الوزير يمنع كل ذلك من أن يصل إلى عِلم ألخليفة: (وصار إذا جاءه خبر منهم... كتمه عن الخليفة، ويطالع بأخبار الخليفة، التتار إلى أن حصل ما حصل) (1).
(فكان الوزير لا يوصل رسله "اي رسل صاحب الموصل" الى الخليفة ومن وصل الى الخليفة منهم بغير علم الوزير أطلَع الخليفة وزيره على أمره.) (2) والشأن نفسه يحدث مع رسل الولاة والحكام الأخرين.
ويؤكد ابن العماد في شذرات الذهب هذا المعنى فيقول: (فكان ابن العلقمي- قبحه الله لا يدع تلك المكاتبات تصل الى الخليفة، مع انها لو وصلت ما أجدت، لأن الخليفة كان يرد الأمر اليه) (3). وهنا إلتفاتة تستحق التوقف عندها، وهي أنّ نفوذ وصلاحيات الوزير الوظيفية كانت كما يبدو واسعة، كون الخليفة كان يرد الأمور اليه للتّصرف، أو لبيان الرأي في تلك الأمور.
التجسس لصالح العدو:
يُصَرّح ابن كثير (701- 774هـ) أن الوزير كان قد تورط في التجسس لصالح العدو وأنه تآمر لتقليل عدد العساكر فيقول: (فلم يزل يجتهد في تقليلهم (أي القوات العسكرية الخليفية) إلى أن لم يبق سوى، عشرة آلاف، ثم كاتب التتارَ وأطمعهم في أخذ البلاد، وسهل عليهم ذلك، وحكى لهم حقيقة الحالِ وكشف لهم ضعف الرجال) (4) وموضع الإستدلال هنا هو إطلاع العدو على المُتبقي من قوة المدافعين، وكشف نقاط الضعف في الدفاعات والأسوار.
الطابور الخامس:
مَرّ معنا في الجزء 12 أنّ سقوط بغداد لا يمكن تفسيره وتحميله لشخص واحد فقط. لأنه في الواقع إنّما جاء نتاج تأثير معاول هدم تاريخية عديدة. ولا شك أنّ الوزير ابن العلقمي هو أحد تلك المعاول شديدة التأثير. وقطعًا سيكون ألطابور الخامس معول هدم هو الآخر. وسيكون له نصيب في توهين أساسات دولة الخلافة. لقد كان للطابور الخامس إتصالاتهم المباشرة مع المغول وكسبوا وِدَّهم، وبمقابل موالاتهم، حصلوا منهم على وثائق إثبات للولاء، وجرى هذا الأمر قبل زحف المغول الى بغداد بزمن ليس باليسير. فقد ذكر أبن الفُوَطيّ في ترجمة (عز الدين الحسن بن مؤيد بن علّجة ألأصبهاني) وكانت هذه العائلة من الموالين للدولة الإيلخانية المغولية، وكان أجداده قد انتقلوا من فارس إلى أصبهان ومن هناك انتقلوا إلى بغداد وأصبح من أعيان بغداد وتولى مناصب وترقّى في المراتب العليّة. (فلمّا استولى هولاكو على العراق خرج إليه فأعطاه الفرامين وخلصوا بأهلهم أجمعين) (5) فلم يُقتلوا كحال وجهاء البلد من أمراء وفقهاء وقضاة، وعلماء، ومُعلمين وقادة....
يقول أبن الفُوطيّ في كتاب الحوادث الجامعة: (وكان ببغداد جماعة من التجار الذين يسافرون إلى خراسان وغيرها قد تعلقوا من قبل على أمراء المغول، وكتب لهم فرامين، فلما فتحت بغداد خرجوا إلى الأمراء، وعادوا ومعهم من يحرس بيوتهم، والتجأ إليهم جماعة من جيرانهم، فسلموا.) (6)، وقد ذكر المؤرخ منهم بيت (مقلد بن أحمد بن الخرداذي) التاجر المتوفى سنة (652هـ)، أي قبل واقعة هولاكو بأربع سنوات. ويبدو أنّ هذا الإتصال المبكر لايقتصر على دفع الرسوم وضرائب التجارة وألّا لجرى أستثناء جميع التجار المتاجرين مع خراسان وشرق العالم الإسلامي الخاضع لسيف التتار. ولكن لا بد من وجود دالّة لهم على التتار، تستحق أن يحفظها التتار لهم بالعرفان. الى درجة أن يرسل قادة المغول حَرّسًا مغول يقفون على أبواب منازلهم، خشية أن يصيبهم مكروه. ومن غير المُستبعد أن تكون هذه الدالّة المُعتبرة، من قَبيل كونهم عيون تُطلع المغول أولاً بأول، على أحوال دولة الخلافة العباسية. ومن المعلوم بالضرورة أنّ الدول حين تغزوا خارج حدودها، لا بد لها من تنشيط أجهزة مخابراتها قبل وقت طويل، يسبق إستعدادات ساعة الصفر.
الدوافع الشخصية والمذهبية للخيانة:
كان الوزير العلقمي يطمح الى تمكين المذهب الجعفري على حساب المجتمع البغدادي السُّني، وذكر إبن كثير نبذة عن مساعيه بهذا الصدد بعد أن تعطلت المساجد والجماعات والجمعات مدة شهور ببغداد جرّاء المجازر فقال: ( وَأَرَادَ الْوَزِيرُ ابْنُ الْعَلْقَمِيِّ، قَبَّحَهُ اللَّهُ وَلَعَنَهُ، أَنْ يُعَطِّلَ الْمَسَاجِدَ (بأن تُترك الجمعات) وَالْمَدَارِسَ وَالرُّبَطَ بِبَغْدَادَ، وَيَسْتَمِرَّ بِالْمَشَاهِدِ وَمَحَالِّ الرَّفْضِ، وَأَنْ يَبْنِيَ لِلرَّافِضَةِ مَدْرَسَةً هَائِلَةً يَنْشُرُونَ عِلْمَهُمْ وَعَلَمَهُمْ بِهَا وَعَلَيْهَا، فَلَمْ يُقَدِّرْهُ اللَّهُ تَعَالَى عَلَى ذَلِكَ، بَلْ أَزَالَ نِعْمَتَهُ عَنْهُ، وَقَصَفَ عُمْرَهُ بَعْدَ شُهُورٍ يَسِيرَةٍ مِنْ هَذِهِ الْحَادِثَةِ، وَأَتْبَعَهُ بِوَلَدِهِ فَاجْتَمَعَا - وَاللَّهُ أَعْلَمُ - بِالدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّار).
ويبين ابن كثير دوافعه للخيانة بقوله (طمعًا منه أن يزيل السُّنَّة بالكلية، وان يُظهر البدعة الرافضة، وان يقيم خليفة من الفاطميين، وان يبيد العلماء والمفتين، والله غالب على أمره، وقد رد كيده في نحره وأذلّه بعد العزّة القَعْساء، وجعله حوشكاشا للتتار بعدما كان وزيرًا للخلفاء واكتسب إثم من قتل ببغداد من الرجال والنساء والأطفال ، فالحكم لله العلي الكبير رب الأرض والسماء) (7).
الإسهام المباشرة في سقوط بغداد:
ربما يقول أحدهم ان الوزير لايتحمل وزر الكارثة وسقوط بغداد. فقد يزعم أنّه كان مستضعفًا، مكفوف اليد. ولم يكن له نفوذ أو كلمة مسموعة في قصر الخلافة. ذلك أنّ الدويدار (مدير الديوان)، وقائد الجيش، كانا يكرهانه، ولم يكونا على وفاق معه. وكانا هما من يسيطران على الخليفة!... وقد يَستدل هذا القائل بأن مدير الديوان وقائد الجيش وربما معهما وزير الدفاع، قد إستطاعوا من قبل إبعاد الخفجي أخو الخليفة المستعصم عن تولي الخلافة، بعد وفاة ابيهما المستنصر بالله. فبايعوا ألمستعصم بالله بدل الخفجي.
رد على المزاعم:
قد يكون هذا الإستدلال منطقيًا لوكان الخفجي والمستعصم ولدَي الخليفة المستنصر بالله، حاضرين كلاهما عند وفاة الأب. أما والخفجي بعيد عن الديار في تلك الفترة، فالظرف هنا هو المُتحكم. وواقع الحال يفرض نفسه. ونحن لا نستطيع أن نجزم من منهما ألأصلح للخلافة. وهل ياتُرى لو كان الخفجي هو الخليفة، هل سيكون حال بغداد في مواجهة المغول أفضل؟. هذا ما لا يمكن القطع به بيقين. وحتى لو قلنا جدلاً، إنه كانت لمعارضي الوزير فِعلاً هذه السلطة والنفوذ في تنصيب خليفة وعزل آخر - كما يزعم الزاعم – فعزل وزير وإبعاده عن الوزارة أسهل من ذلك بكثير. ثُمَّ لماذا أتاحوا للخليفة الركون التام الى الوزير طوال أربعة عشر عامًا من الزمان - وهم الذين يكرهونه ولا يريدونه -، وكيف لم يكن بمقدورهم إقناع الخليفة بخلعه كل هذا الوقت؟، إن كانوا هم من يُحرك الخليفة ويتلاعب به؟!.
على أي حال، وخشية الإطالة، سأُرجئ الحديث عن أحداث ألأيام الأخيرة لدولة الخلافة العباسية، وما جرى فيها من وساطة ومفاوضات غير نزيهة ، بين الخليفة وهولاكو، وكشف الدور الخياني الذي قام به ألوزير العلقمي كوسيط بين الطرفين. وذل ك في الجزء التالي إن شاء الله.
المصادر والمراجع:
1 - تاريخ الخلفاء لجلال الدين ألسيوطي، ص 709.
2 - البداية والنهاية لأبي الفداء إسماعيل بن كثير 15/ 313 حققه وخرج أحاديثه وعلق عليه: د. محيي الدين ديب مستو، وآخرون. راجعه: الشيخ عبد القادر الأرنؤوط – و د. بشار عواد معروف/ نشر دار ابن كثير، دمشق – بيروت، الطبعة: الثالثة، 1434هـ - 2013م.
3 - شذرات الذهب في اخبار من ذهب لإبن العماد الحنبلي، 7 / 468، تحقيق عبد القادر الارناؤوط ومحمود الأرناؤوط/ دار ابن كثير/دمشق- بيروت.
4 - مصدر سابق: البداية والنهاية لإبن كثير، 15/ 315.
5 - مجمع الآداب في معجم الألقاب لكمال الدين أبو الفضل عبد الرزاق بن أحمد المعروف بـ «ابن الفوطي الشيباني» المتوفى سنة (723هـ)، المحقق: محمد الكاظم/ نشر مؤسسة الطباعة والنشر- وزارة الثقافة والإرشاد الإسلامي، إيران/ الطبعة: الأولى، 1416هـ.
6 – الحوادث الجامعة والتجارب النافعة في المائة السابعة ابن الفوطي، ص 1/236 دار الكتب العلمية بيروت.
7 - البداية والنهاية لابن كثير، 15 / 316.