الفصل الثاني: الجزء الثالث:
تهافت قصة الغرق: تحليل وإستنتاج:
بعد أن إستعرضنا في (الفصل الثاني) بأجزاءه الثلاثة عدم تسجيل العلماء والمؤرخين ممن عاصروا الغزو المغولي أو قريبا منه، أي إشارة الى رمي الكتب في نهر دجلة. وهُم من ينبغي أن يُركن الى أقوالهم . حان وقت النقد العلمي والتحليل الموضوعي لهذا الصمت وإستنتاج ما يمكن إستنتاجه من القصة الشائعة عن إغراق ملايين الكتب المخطوطة في نهر دجلة.
1- أن صمتهم هذا قد يفهم منه أنه لم يحدث لخزائن الكتب شيء سيء كبير. فتكون دعوى ألإغراق لا تَمُتُّ لواقع الحال بشيء، مما يعني نفي ما يُشاع من رمي ملايين الكتب في نهر دجلة.
2- لنفترض جدلاً وقوع حدث ألإغراق على وجه ما!. وعليه فمن المستبعد تواطؤ كل هؤلاء ألأعلام الأجلاء، على الصمت وإهمال هذا الخبر الموجع والمفجع للأمة. وكيف يسعهم الصمت والكتب لها خصوصية في نفوسهم، تستدعي مبادرة العالم والمؤرخ للكتابة عنها إذا ما طالها التلف، بإعتبار أنها من أعز مايهتم به العلماء وأصحاب التدوين. ولا يمكن ان يتواطأ ويشترك كل هؤلاء العلماء والمؤرخون في إخفاء معلومة خطيرة لها تلك الأهمية.
3- قد يقول البعض تبريرًا للصمت: لعل في كون مصيبة ألإحتلال عظيمة، والخَطبُ جلل، والفاجعة يومها في الإنسان كبيرة، وانّ ما بعد سفك الدماء، فكل خسارة مادية أُخرى تهون، فإكتفى المؤرخون والعلماء بذكر المأساة الكبيرة، ولم يتطرقوا الى ذكر الكتب بإعتبارها فرعًا عن الفاجعة الأم. والفاجعة الأُم هي مسألة ازهاق الأرواح البشرية. بمعنى أنَّ اكتفائهم بذكر موضوع سفك الدماء والقتل وإزهاق الأرواح يستغرق ضمنًا ويغطي على ماعداه من الإجرام الذي قام به المغول!.
وهذا التعليل وارد ومفهوم إلّا إنه مستبعد. لأنهم (أي المؤرخين) بشكل عام، أرخوا الكثيرًا من تفاصيل المواجهة والقتال مع المغول قبل الإجتياح وبعده، وكذا المراسلات والمداولات بين هولاكو وأركان الخلافة، ومُشاورات الخليفة مع بطانته ووزراءه وقادته، ثُمّ ذكروا كيفية إقتحام المغول بغداد، ودخول دار الخلافة، وأحوال السلب والنهب المُمَنهج، والقتل ببشاعة، والإستئصال بلا رحمة ولا ذَرّة إنسانية. كما فصل المؤرخون في بيان أحوال نهاية ألخليفة وماجرى عليه وعلى أهل بيته وأقرباءه، وما أصاب العلماء والفقهاء والوجهاء والقادة، وذَكروا أسماءهم ومَصارعَهم، والأمان الذي حظي به المسيحيون وبعض الشيعة في بغداد والحلة مثلاً، والكثير من التفاصيل ألاُخرى. فما الذي أعجزهم عن ذكر قصة الكتب ضمن ما أرخوه لكارثة الإجتياح؟. وهي قصة ليست بالتي تُخفى لأنها ينبغي أن تكون جرت على أعين عدد من الناس والعملاء، وتتحدث عن ملايين المخطوطات!.
في الواقع إنّ المؤرخ وظيفته الشاغلة هي الكتابة والكتب. ومهمته الحرص على الإستقصاء والتتبع للحوادث والأخبار. إنه مرآة عصره، وهو يبحث عن الحدث لتسجيله. وحدث كبير وإستثنائي مثل رمي كنوز العلم والحضارة والثقافة في نهر دجلة، وإهانتها باتخاذها مداسًا للسابلة، وبناء إصطبلات ومعالف خيل. لهو كذلك خَطب جلل، وإهانة وفاجعة مضاعَفة للعلماء والمؤرخين. وهو في ذات الوقت أمرٌ مُؤثّر شعوريًا وعاطفيًا. ولا يمكن للمؤرخ تجاوزه وترك تسجيله. فالخبرُ (على فرض صحته) مُثير، ولافتٌ للإنتباة، وباعث على ألصدمة، وحافز للإستقصاء والكتابة عنه. والمؤرخون بشكل عام شغوفون بالاخبار الغريبة والإستثنائية. كما انّ اهانة الكتب فعل استفزازي بإمتياز، ورسالته النفسية والشعورية بالغة. إنَه قتل معنوي للأمة من خلال محق فكرها وحضارتها. ولذا تستدعي مثل هذه الحالة الإهتمام بها وتدوينها. ولا يمكن اهمالها، لانها بذاتها وطبيعتها المستفِزّة تحفز على تسجيلها.
4- حسنًا نحن لا نستبعد أن يكون الغرق مصير كَمٍّ من الكتب قلَّ أو كَثُرَ. ولكن لعل ما رُميَ من الكتب في دجلة ليس بالكَم الذي يستدعي الاهتمام الإستثنائي من المؤرخين، في خِضَمِّ فوضى القتل والدمار الذي تعيشه البلاد. ولعله كان كمّاً هيّنًا وحدثًا عارضًا محدودًا!، ولم يكن بذي شأن في حجمه!؟، ويمكن للمؤرخ تجاهله وعدم الوقوف عنده؟. بإعتبار إمكانية تعويضه ميسورة، من خلال المكتبات التي لم تطالها أيدي العابثين، سواء في بغداد، أو خارجها، وحتى في أقاليم الدولة البعيدة.
5- حين نضع الحدث في إطار زمانه ومكانه، ونعود الى عصرهم، ندرك مدى خطورة الأوضاع يومذاك، ونتفهم حالة الخوف والرعب التي كانت سائدة جرّاء سطوة المغول والفرق الإسماعيلية الشيعية في بغداد والشام. وما كانوا يثيرونه من فوضى نهب وقتل وتدمير، فلا يُستبعَد ان يكون هنالك من آثر السلامة من العلماء وألمؤرخين، والتزم الصمت. ولكن كيف يُلتزم الصمت عن موضوع يخُص الكتب، وفي الوقت ذاته يُسهَب في بيان المجازر والسلب والنهب والأسر والقتل والتدمير وحرق المنازل والمساجد والمقامات وهي قضايا أخطر من موضوع إتلاف الكتب. فالتبرير بالخوف أمر غير منطقي.
حسنًا، إن مما لا يمكن تجاهله. أنَّ المؤرخين بالنهاية بشر تعتريهم مايعتري غيرهم من مشاعر الخوف والرهبة والقلق. وتلك الظروف قد تضطر بعضهم ليهملوا التطرق لموضوع إختفاء الكتب، ولكن ماذا عليهم لو قالوا انها اغرقت إقرارًا للشائعة المزعومة؟ اتصور انه ليس هنالك من ضير في ذلك. ولا يعفيهم إستثناء الكتب من الذكر والتسجيل؟.
وأضيف هنا وافترض جدلاً، ان هنالك من سكت لداعي الخوف على حياته، ولكن إن كان حال السكوت ينطبق على البعض!، فما بال البقية الذين لم يهابوا، وكذا اولئك البعيدون زمانيًا ومكانيًا عن ان تطالهم ايدي المتسلطين الغادرة من مغول ومتعاونين؟. لماذا لم يفصحوا ويسجلوا ماعجز الآخرون عنه؟، إن فكرة الصمت خوفًا، لا تصلح لتبرير الصمت. فقد سجّلوا حصول الإجرام المغولي بكل تفاصيله وأبعاده، من قتل للأبرياء، وسلب للبشر، ونهب للأموال، وسبي للنساء والأبناء، وإحراق للممتلكات. وهي أمور ربما اكثر حساسية وجرمية من إخفاء أو القاء الكتب في النهر.. ولم يتوانَ المؤرخون عن ذكر كل هذه الاحداث ولم يجدوا حرجًا، ولم يهابوا عواقب بطش المتسلطين. فما يضيرهم إذًا إن يذكروا تلف الكتب غرقًا ولو بجملة عابرة؟!. أفلا يدل ذلك على ان فكرة الخوف لا تفسر صمتهم. وفكرة الغرق ليست في حسبانهم.
6- لا أستبعد أن يكون هنالك عامل مهم إستدعى احجامهم عن ذِكر موضوع الغرق "على فرض حدوثه"، وهو الإطمئنان على نجاة الكتب، أو جزء كبير منها من ان ينالها التلف. (وهذا سنعرض له لاحقًا في الفصل التالي).
7- الذي يظهر لي أنهم لم يذكروا موضوع غرق الكتب تحديدًا، لأنها، أولاً: أخبار شفاهية ظهرت متأخرة، وهذا يعفي الذين عاصرو أحداث الغزو المغولي من الدندنة بها. ثُمَّ ثانيًا: ان كانت هنالك اخبار من هذا النوع، قد قيلت في زمانهم، فلم يأتوا على ذكرها، لعدم الثقة بما وصل إليهم منها، كونها أشبه بثرثرة لا سند لها، لا مصدر معروف، وربماً تكون مدسوسة، وترقى أن تكون شائعات ومبالغات. يروج لها المتربصون أصحاب ألأغراض والمصالح.
الخلاصة:
نحن ندرك تمامًا، إنَّ صمت العلماء والمؤرخين – وخاصة المعاصرين للغزو- لا يعني عدم ضياع وإختفاء العديد من الكتب، في اتون الهجمة المغولية الهمجية، تلك الهجمة التي لم تُبقِ ولم تَذَر. وقطعًا قد أصاب الكتب في بغداد ما أصاب البشر من الدمار. ولكن الى أي مدى، وأي مستوى؟.
بشكل مبدئي، بعد كل ما تقدم عن تاريخ هذه الحقبة، يمكننا المقايسة والمقاربة، فيما يتعلق بمرويات اغراق الكتب، فالصورة باتت واضحة لمقارنة طرفي السردية (القائلين بالغرق/ و المعاصرين الصامتين) ولا ينبغي أن يغيب عن بالنا أنّ المرجع الذي يُوثَق بقولة ويُعتَدُّ به، هم أولئك الذين عاصروا الإجتياح المغولي ، ولم يقولوا انها أغرقت. وليس المرجع أولئك الذين جاءوا بعد الإجتياح بسنوات طويلة وزعموا أنها أُغرِقت. بمعنى آخر، وبصيغة سؤال: هل يَسَعنا أن نمضي مع شهود العصر، الذين أوحى سكوتهم، بعدم حدوث هذا الأمر. أم نُصَدّق أقوال متأخرين ينقلون أخبارًا لا اصل لها، مسبوقة بـ عبارة (قيل، ويقال) دون أن يقدموا لنا مصدرًا واحدًا، ولا سندًا، ولا دليلًا يدعم ما ذهبوا اليه؟.
بإختصار: الفرق شاسع في توجهات علماء هذا الفصل (الثاني)، عن العلماء الذين جاء ذكرهم في الفصل (الأول). وأتصور ان المنطق يفرض علينا على ضوء ماتقدم، ألإعتراف بعدم تماسك، وضُعف سردية علماء الفصل الأول، تلك السردية المُتَعلقة بإسطورة ، أو برواية أدبية لا توثيقية.
الموضوع لم ينتهِ عند هذا الحد. ولسنا في عجلة من أمرنا كي نقرر ما إذا كُنّا نعيش فكريًا كذبة كبيرة، وخديعة تاريخية، إسمها القاء التتار للكتب في نهر دجلة؟!. وعلينا إستكمال البحث، وإرجاء القرار في تحديد الموقف الى الفصل التالي (الثالث). والذي سنضع فيه النقاط على الحروف، فيما يخص: الحقيقة؟، والمَراجع التاريخية التي يمكن ألإطمئنان لمصداقيتها. وسنُسَلِط الضوء بشكل أدق، على المصير الحقيقي للكتب، وأين إختفت؟، ومن الذي تولى إخفائها؟. ودوافع الفعل؟. وبالله التوفيق.