إغراق الكتب في دجلة، أين الحقيقة؟.
الفصل الثاني: الجزء الأول:
معضلة صمت العلماء والمؤرخون!!.
على خلاف ما جاء في الجزء الاول من هذا البحث والذي يقول : (أنّ الكتب القيت في نهر دجلة!)، وقد بَيّنّا أنَّ ألمؤرخين دوّنوا تلك القصة بدون سند ولا مُستند ولا دليل. وفي هذا الجزء سنستطلع ونستعرض كتابات العديد من العلماء والمؤرخين الأعلام ممن عاصروا حدث إحتلال المغول لبغداد، او كانوا قريبين منه، فهم مصادر معتمدة لأنهم عايشوا الحدث، وسكنوا بغداد أو كانت لهم صلة وثيقة بها. والغريب في الأمر أننا نجد أنهم لم يذكروا، ولم يكتبوا شيئأ عن إغراق الكتب في دجلة. رغم انهم وثّقوا وبشكل دقيق أحداث الغزو، والمجازر، والنهب، والسلب، والدمار، وتفاصيل تخص الخليفة وقصر الخلافة... الخ. والمفترض ان حادثة إغراق الكتب المزعومة، نكبة كبيرة كما يقال!، وفاجعة مزلزلة!، خاصةً لأصحاب الفكر والقلم والتدوين. فما الذي حدا بجمهرة واسعة من المؤرخين المعاصرين للغزو من عدم توثيقها في مؤلفاتهم؟.
قد يُعبّر بعض الكُتّاب عن وصف حالة هؤلاء العلماء بأنها حالة (سكوت)، وهذا الوصف فيما أرى غير واقعي، والأفضل إعتبارها حالة (غياب) أو (صمت وتجاهل)، لأن لفظ السكوت ربما يوحي بأنهم رأوا أو عرفوا شيئًا، وأخفوا علمهم به!. وهو تصوّر غير مُنصف، لأنه يحتاج الى قرينة أو دليل لإثبات ان سكوتهم كان عن شيء علموا بوقوعه.
المفروض أنَّ كانت هنالك فاجعة مزعومة تصيب الكتب، فهذا شيء يحظى بإهتمام بالغ من أصحاب التآليف، فالكتب هي ميدانهم. ولها قيمة عالية عندهم. فما الذي جعلهم يهملون ذكر هذا الفعل الشنيع. إن كان فعل التدمير قد حدث كما صورته الأقاويل الشائعة والتي تقول انها: (أُغرقت وإتُخِذت مداسًا للمشاة والركبان، وترصف بها جسور للعبور على نهر دجلة، وأُنشئت بها إصطبلات ومعالف الخيل، وإتُخِذت حطبًا لمواقد المطابخ والحمامات). "راجع الفصل ألأول: ج4".
كل هذه الصور المؤلمة إن كانت حقيقية، فهي كافية لحرق وفتّ مُهج العلماء وأصحاب التآليف. وتثير ألأسى والسخط فيهم على ما جرى. وستكون حافزًا لكل أصحاب المحابر وحملة ألأقلام، للتسجيل والكتابة التاريخية؟. ولكن الواقع يقول أن هذا لم يحدث منهم!. فما الذي منعهم من التسجيل لخبر أو معلومة يفترض انها متناقلة بالشكل ألإسطوري الذي مَرَّ معنا؟. ولماذا لم يتطرقوا اليها في مؤلفاتهم؟. مع ان جُلَّ من سنستشهد بأقوالهم قد عاصروا حدث الغزو المغولي لبغداد وبعضهم كان يستوطن مركز الخلافة بغداد.
تُرى هل كانت قضية رمي الكتب في دجلة معلومة حقيقية وفاجعة تأريخية؟. ام انها معلومة مضللة وليست بذي بال؟. على أي حال، سأقتفي النصوص التي جاءت في مؤلفات كبار المؤرخين وخاصةً المعاصرين لحدث الغزو المغولي، وننظر مالذي جعلهم يعزفوا عن الكتابة أو لا يتعرضوا بتاتًا لذكر قضية إسمها غرق الكتب في دجلة. وسأذكر تواريخ ميلادهم ووفاتهم لبيان ارتباطهم الزمني بالإجتياح الذي حصل سنة (656هـ): ولعل أشهر هؤلاء:
1 - ابن الساعي (593- 674هـ): وهو محدث شافعي في مسجد القمرية في بغداد، من كبار مؤرخي القرن السابع واصدقهم لهجة/ كان متساهلا في الاخبار / مجازفًا/ مزخرفًا/ مبالغًا أحياناً وقَلَّ من يسلم من المؤرخين والادباء والمؤلفين عامة من المبالغات والاوهام.
وإبن الساعي معاصر للغزو المغولي، وبمثابة شاهد على العصر: ونبتدأ بذكرشهادته بإعتبار أقدمية ميلادة. وكنا قد اشرنا في الفصل الأول: ج1، أنه كان طليعة من أثار الشك حول مصير الكتب في الإجتياح المغولي لبغداد، حين ذكر انه (يقال) انهم بنو بها اسطبلات، فلَبَّس على الناس والتاريخ بمقولته تلك، حين قال: (ولم يبق ببغداد احد، ويقال انهم بنوا اسطبلات الخيول وطوالات المعالف بكتب العلماء عوضا عن اللِّبن) (1). وقد ناقشناها هذه العبارة طويلاً فيما تقدم. وما يهمنا هنا أنه لم يذكر شيئاً عن القاء الكتب في نهر دجلة ولا إسوداد الماء بالحبر. مع أن ابن الساعي مهتم بالعلم والمكتبات، فهو خازن كتب ألمستنصرية. ولو علم شيئًا فهذا الأمر يهمه تمامًا.
2 - أبو شامة المقدسي (599- 665هـ): وهو مؤرخ، محدِّث، باحث، فقيه شافعي، حافظ للقرآن ووعلوم ألقراءآت كلها، أصله من القدس، ومولده في دمشق وبها منشأه ووفاته، ولُقّب بأبو شامة، لشامة كبيرة فوق حاجبه ألأيسر. وهو معاصر للغزو المغولي أيضًا: إكتفى بالقول: (فقتلوا ونهبوا وفعلوا ماجَرَت عادتهم عند استيلائهم على بلاد العجم) (2). وليس ثمّة إشارة لا من قريب ولا من بعيد عن إغراق للكتب، أو القائها في نهر دجلة وتحول لون الماء الى السواد.
3 - ابن الكازروني (611- 697هـ): وهو عالم محدِّث، مقرئ، فقيه شافعي، أديب شاعر عراقي من أصل فارسي. وهو من المعاصرين للغزو ألمغولي: وصف وفصّل واسترسل في ذكر هجمة المغول واحاطتهم بأسوار بغداد وحصارها، وأتى على بيان المناوشات والمواجهات والتحصينات والآليات الحربية ومواقعها، سواء للمُحاصِرين أو المُحاصَرين، وتطرق الى ذكر اسماء القادة الميدانيين المسلمين الذين قتلوا "استشهدوا"، والكثير من التفصيلات. ولكن حين جاء الى يوم إجتياح بغداد وما جرى في أحيائها وأزقتها ومبانيها، نجده يقفز بنا قفزة يتجاوز بها كل ما حلّ ببغداد من إبادة، حيث لم يزد ان قال: (وفي ثامن صفر وقع السيف ببغداد، فلما كان رابع عشر صفر جُعل الخليفة في غرارة ورفّس الى ان مات – قدس الله روحه- ثم دفن وعُفي أثر قبره وقد بلغ من العمر ست واربعين سنة وثلاثة أشهر وأحد وعشرين يومًا – قدس الله روحة- ومدة خلافته خمس عشرة سنة وثمانية اشهر ويومان.) (3). ومع دِقَّته في ذكر تفاصيل تخص الخليفة المستعصم بالله نفسه، وحساب عُمره ومدة خلافتة. لم نجده يُشيربشيء يُذكرعن الكتب.
4 - قطب الدين اليونيني (621- 701هـ): وهو زاهد عابد ، يغزو كثيرًا، مؤرخ، ومحدّث، نسبته الى يونين من أعمال بعلبك في لبنان، وهو معاصر للغزو أيضًا. قال: (وقتل معظم اهل بغداد ونُهبوا ... وبذل السيف في بغداد فقتل كل من ظهر ولم يَسلم الا من اختفى، وقتل من كان في دار الخلافة من الاشراف، ولم يسلم الا من هرب، او كان صغيرا فانه اخذ اسيرا واستمر القتل والنهب نحو اربعين يوما، ثم نودي بالأمان .... وما دُهي الاسلام بداهية اعظم من هذه الداهية ولا افضع... وما فعلوه من خراب البلاد وسفك الدماء وسبي الحريم والأولاد ونهب الأموال.) (4) ويلاحظ انه ذكر اشياءً عديدة من فضائعهم في داخل بغداد، ولم يُشِر لأمر غرق ألكتب تحديدًا.
5 - إبن العبري (623 - 685هـ): وهو أُسقف سرياني، من اشهر أعلام ألأدب السرياني: كان معاصرًا للغزو، وكان على اتصال وثيق بالمغول كما ان اباه كان طبيبا لأحد قادة المغول وقد تنقل للعيش في بغداد والموصل وتكريت ومراغة... وعَرَفَ أخبار بغداد عن قرب، وتحدث عن دخول المغول بغداد فقال: (فتقدم هولاكو... وشرع العسكر في نهب بغداد ودخل بنفسه الى بغداد ليشاهد دار الخليفة.... وبقي النهب يعمل الى سبعة أيام ثم رفعوا السيف وبطلوا السبي) (5).
وفي موضع آخر قال: (وتوجه هولاكو نفسه الى دار الخليفة واطلع على الخزائن والمطامير والذخائر القديمة والحديثة واستولى عليها برمتها، واستل المغول سيوفهم واجهزوا على ربوات من البغداديين يساعدهم خصوصًا الكرج في تلك الملحمة) (6).
وفي موضع آخر قال: (وفي هذه السنة، في شهر شباط، أخذ التتر مدينة بغداد... وقتلوا خلقًا كثيرًا، ونهبوا المدينة، وقتلوا الخليفة المستعصم بالله... وكانت فتنة عظيمة... فعمّ الخراب، وأفنى العمران، ولم يسلم إلا من اختفى) (7). وعمومًا، روايته تميل الى السرد المختصر للإجتياح المغولي لعاصمة الخلافة، دون ألإسترسال في الوصف مع ألإغفال ألتام لشيء يتعلق بالكتب.
6 - عبد الرحمن الأربلي (640- 717هـ): وهو عالم، مؤرخ، من مدينة أربيل، مشهور بالبلاغة وحسن النظم، وهو الآخَر من المعاصرين للغزو المغولي. ذكر تعريف بالمستعصم، وخلافته، ونبذة من سيرته، ول م يتعرض لذكر المغول اطلاقًا. وإنما قال: ان الخليفة قتل وأنفذ فيه قضاء الله وقدره (8). وقطعًا مقصود القول هنا التسليم لقدر الله، وليس التشفي.
7 - ابن الفُوَطي (642- 723هـ): وهو حنبلي المذهب سلفي المشرب في دينه رقة، خالط الشيعة وتتلمذ على الطوسي، والتجأ اليه وحماه من المغول / يبالغ في تقريظ المغول، مع ان فيهم المسلم وغير المسلم، والتقريظ لهم بشكل عام مُجانِف للإنصاف، قياسًا على مافعلوه..
سجّل دخل هولاكو الى بغداد، وكيف كان (هولاكو) يطلب أعمام الخليفة وانسابه وأقرباءه فيخرجون بالأولاد والجواري، ويُذهَب بهم الى مقبرة الخلّال فيقتلوا جميعا عن آخرهم، وكذا جرى للقادة والعلماء والأشراف والاعيان وذكر العديد من أسماء الذين قُتِلوا. ومن أقواله: (ووضع السيف في اهل بغداد يوم الاثنين خامس صفر وما زالوا في قتل ونهب وتعذيب الناس بانواع العذاب واستخراج الاموال منهم باليم العقاب مدة اربعين يوما، فقتلوا الرجال والنساء والصبيان والاطفال فلم يبق من اهل البلد ومن التجأ إليهم من اهل السواد الا القليل، ماعدا النصارى فانهم عيّن لهم شِحّانٍ حرسوا بيوتهم) (9). (واُحرق معظم البلد وجامع الخليفة وما يجاوره، واستولى الخراب على البلد، وكانت القتلى في الدروب والاسواق كالتلول) (10). مع هذه التفصيلات وغيرها التي سجّلها ابن الفوطي لم يكن من المناسب اهمال ذكر عمليات الإغراق المزعومة للثقافة والعلم والتراث، ان كانت قد حصلت!.
8 - فضل الله رشيد الهمذاني (645- 718هـ): وهو يُعتبَر المؤرخ الرسمي لتاريخ المغول، حيث كلفه قادة المغول بتقصي وكتابة تاريخهم. وقد تحدث عن القتل والاحراق والنهب والاستيلاء على كنوز وذخائر قصور الخلفاء ولم يخص غرق الكتب بشيء، قال: (وكان بدء القتل العام والنهب في يوم الاربعاء السابع من صفر، فاندفع الجند مرة واحدة الى بغداد، وأخذوا يحرقون الأخضر واليابس ماعدا قليلاً من منازل الرعاة، وبعض الغرباء) ... (وقد احترق أكثر الاماكن المقدسة في المدينة مثل جامع الخليفة ومشهد موسى الجواد عليه الرحمة وقبور الخلفاء) (11). ولاحظ انه يوثق بشكل دقيق أحداث الغزو، ويحدد بدقة القتل والنهب باليوم والتاريخ، وعلى أي حال فهو لم يُشر الى حدوث تدمير مُمنهج للمكتبات، وقذف للكتب الى النهر، كما زعم البعض وخاصة في العصور المتأخرة.
كل هؤلاء المؤرخون الاعلام الكبار الذين تقدم ذِكرهم عاصروا فترة الغزو المغولي، وكانوا معاصرين للخليفة ألمستعصم، وبعضهم عايش المعترك، وعاش في بغداد أو إستوطنها فترة ما. ولم يُعرَف عن أحد منهم أي إشارة عن عملية القاء للكتب في النهر. إنَّ غياب أي ذكر لغرق الكتب في كل ما تقدم من المصادر التاريخية المعاصرة للغزو المغولي، يعطينا ألإنطباع الواضح أن شيئًا من هذا القبيل بعيد ألإحتمال. وإلّا لماذا لم تظهر في المصادر المعاصرة للغزو. ومع كل ماتقدم، ولأن جوانب الموضوع لم تكتمل بعد. لذا دعونا نعود للتساؤل ألأول: تُرى هل حدثت عملية ألإغراق فعلاً، أم لم تحث أصلاً؟، أم أنها حدثت بشكل متواضع، ولم تكن على النحو الإسطوري المتداول في الروايات الشائعة اليوم، من تضخيمٍ ومبالغة، حتى وصلت من لا شيء الى مداها الذي سردناه في الفصل الأول من هذا ألبحث؟.
تابع – عزيزي القارئ – في الجزء التالي، وقبل الشروع في التحليل العلمي والمنهجي في نقد اسطورة رمي الكتب في النهر. ولخلق نوع من التوازن والمقارنة والمصداقية، يسعنا كذلك أستطلاع رأي علماء ومؤرخون جاءوا بعد الإحتلال ولم يذهبوا بإتجاه غرق الكتب في مدوناتهم.
المصادر والمراجع:
(1) محتصر اخبار الخلفاء للعلامة علي بن أنجب المعروف بابن الساعي ص 127 الطبعة الاولى بالمطبعة الاميرية ببولاق مصر المحمية سنة 1309هـ.
(2) تراجم القرنين السادس والسابع المعروف بالذيل على الروضتين لشهاب الدين ابي محمد عبد الرحمن بن اسماعيل المعروف بأبي شامة المقدسي ص199 الطبعة الاولى 1366هـ - 1947م.
(3) مختصر التاريخ من أول الزمان الى منتهى دولة بني العباس/ تصنيف الشيخ ظهير الدين علي بن محمد البغدادي المعروف بإبن الكازروني ص273 تحقيق د. مصطفى جواد المؤسسة العامة للصحافة والطباعة / مطبعة الحكومة- بغداد 1390هـ- 1970م.
(4) ذيل مرآة الزمان في تاريخ الاعيان/ لقطب الدين موسى بن محمد بن أحمد اليونيني البعلبكي/ ج1 ص85 وص89 الطبعة الاولى/ مطبعة دائرة المعارف العثمانية بحيدر آباد الدكن/ الهند 1374هـ- 1954م.
(5) تاريخ مختصر الدول للعلامة غريغوريوس ابي الفرج بن اهرون الطبيب الملطي المعروف بابن العبري/ ص 475، وقف على تصحيحه وفهرسته الأب أنطون صالحاني اليسوعي / دار الرئد اللبناني 1403 - 1983م.
(6) تاريخ الزمان لإبن العبري/ ص 308 نقله الى العربية الاب اسحق ارمله وصدر تباعا في مجلة المشرق وقدم له الاب الدكتور جان موريس فييه صدر لمناسبة المئوية السابعة لوفاة المؤلف/ ط: 1286هـ - 1986م، دار المشرق س م م.
(7) المصدر السابق، طبعة الآباء الكرمليين، ص. 397 وما بعدها.
(8) خلاصة الذهب المسبوك مختصر من سير الملوك/ لعبد الرحمن سُنُبط قنيتو الأربلي ص 291 تصحيح مكي السيد جاسم/ مكتبة المثنى – بغداد.
(9) الحوادث الجامعة والتجارب النافعة في المائة السابعة/ لأبي الفضل عبد الرزاق بن الفوطي، ص 329 تقديم العلامة محمد رضا الشبيبي والاستاذ مصطفى جواد/المكتبة العربية / ومطبعة الفرات 1351هـ / بغداد.
(10) المصدر السابق ص 320.
(11) جامع التواريخ/ تاريخ المغول رشيد الدين "فضل الله رشيد" الهمذاني/ المجلد الثاني الجزء الاول ص 291-293، راجعه وقدم له يحيى الخشاب / وزارة الثقافة والارشاد القومي/ الاقليم الجنوبي/ الادارة العامة للثقافة / مصر.