إغراق الكتب في دجلة، بين الحقيقة والإسطورة.
الفصل ألأول: الجزء الرابع: مبالغات الشيخ الأميني نموذجًا.
الحاقًا بالجزء السابق من هذا البحث، أحببت ان افرد فصلاً مستقلاً لنص كتبه الشيخ الأميني ، لأنه كاد يُلَخّص ويحتوي الكثير من إنطباعات ومبالغات من سبقوه، فيما يتعلق بإتلاف وإغراق كتب خزائن بغداد في نهر دجلة. فرأيت من المناسب ان تكون لنا وقفة قصيرة مع النص، لبيان أُبرز ما جاء فيه.
محمد هادي الأميني (1931-2000م): وهو من أعيان الشيعة في العصر الحديث، وهو فقيه وكاتب وشاعر ايراني – عراقي.
قال: (فقد أمر "أي هولاكو" بتلك التلال الفكرية والذخائر النفيسة من كتب بغداد فبنى منها جسرا على نهر دجلة اجتازه جنوده، وما تبقى أحرق حرقا، فدمرت معها ثقافة ستة قرون كاملة جمعت في بغداد، سواء في ذلك خزائن الكتب العامة والخاصة. فأحرقوا جانبا منها وطرحوا بعضها الآخر في نهر دجلة فسد مجراه. وزعم بعض المؤرخين أن المغول أو التتر فعلوا ذلك انتقاما مما فعله المسلمون في أول الفتح العربي بكتب الفرس وعلومهم... وذهب آخرون أن هولاكو ابتنى بتلك الكتب إسطبلات الخيول وطاولات المعالف عوضا عن الطين. فقد أباد مكتبات بغداد وأتلفها عن بكرة أبيها كمكتبة بيت الحكمة، ومكتبة المدرسة النظامية، ومكتبة المدرسة المستنصرية، وخزانة الدار الخليفية وغيرها من مكتبات الأمراء والوزراء والأعيان وأرباب المحابر)(1). وقال في موقع آخر: (حينما نتصفح التاريخ ونقرأ ما جرى على الخزائن والمكتبات من إحراق وإغراق وإتلاف وتدمير، فقد أقام الفاتحون من الكتب جسرا على نهر دجلة، ورموا الكثير منها في مواقد المطابخ والاتلاف والحمامات)(2).
نتائج وإستنتاجات:
أوّلاً: برغم أن الفقرة التي تحدث فيها الشيخ ألأميني عمّا جرى للكتب محدودة الإسهاب ، إلا إنه جمع فيها الكثير من الفاظ مبالغات ألسابقين، مثل: (إحراق، إغراق، تدمير ، إتلاف ، تِلال، محو ثقافة ستة قرون، الخزائن العامة والخاصة، مواقد المطابخ والاتلاف والحمامات، اسطبلات الخيول، طوالات المعالف، إنتقام المغول للفرس، بناء جسر، وإنسداد مجرى نهر دجلة). وهذا يشير الى ان قصة اغراق الكتب الدرامية، التي هي أقرب الى التراجيديا، قد اخذت مداها في القناعات الفكرية لدى أصحاب الكتابة والقلم.
ثانيًا: يقول الشيخ الأميني: ثقافة ستة قرون كاملة جمعت في بغداد قد دُمّرَت وأحرقت!. وهو في عبارته هذه يشارك الكثير ممن سبقوه الأسى على ثقافة ستة قرون فُقِدت. وهي دعوى فيما أرى أنها دعوى فضفاضة غير دقيقة. فإن كان ذلك قد حدث فعلاً!، فيا للعجب، كيف وصلتنا في حاضرنا ثقافة وعلوم تلك القرون الستة، والتي هي بين أيدينا ألآن مابين مطبوع ومخطوط ومنشور على الشبكة العنكبوتية (ألإنترنيت)؟. اليس في متناول ايدينا الآن كتب مختلف العلوم من نتاج وثقافة تلك القرون الستة الزاهية؟. كتب ومصنفات في علوم اللغة، علوم القرآن، التفسير، علوم الحديث، التوحيد، الفقه، تراجم الرجال، الجرح والتعديل، المغازي والسِّير، التاريخ، الزهد والرقائق، الشعر والأدب،العلوم الحياتية والطبيعية من طب وكيمياء وهندسة ...، والفهارس والمعاجم وغيرها كثير. وصلتنا من علماء ومؤرخين ولُغَويّين، ومحدّثين عاشوا في تلك القرون الهجرية الستة الأولى، أمثال: البخاري، مسلم، الترمذي، ابو داود، النسائي، ابن ماجة، ابو حنيفة، مالك، الشافعي، ابن حنبل، الفراهيدي، الطبري، البلاذري، ابن اسحق، إبن الأثير الجزري، الدينوري، ابن النديم، الجاحظ، اليعقوبي، المدائني، ابن سعد، خليفة بن خيّاط، إبن عبد البر، الخطيب البغدادي، الكسائي، الماوردي، جابر بن حيان، الواقدي، إبن حِبّان، الخوارزمي، البيروني، الغزالي، إبن حزم، الأصفهاني، والأصبهاني. وغيرهم العشرات بل المئات. كلهم عاشوا في تلك القرون الستة. تركوا هم وغيرهم كتبًا ومصنفاتًا، تزخر بها الدنيا اليوم. مدونات ليس لها عدّ وحصر. أم تُراها لم تكن في دار الحكمة ومكتبات بغداد يوم ذاك فسلمت من ان يلتقمها النهر؟!.
الواقع يشهد إنّ ثقافة القرون الستة الأولى مازالت باقية. بل إن كثيرًا مما كان يعتقد في وقت من ألأوقات أنها مصنفات مفقودة، تبين فيما بعد انها موجودة. وطُبِعَت أو ستأخذ طريقها للطباعة. والسؤال في ظل التباكي وألأسى يطرح نفسه ويتلخص في: ما الذي تفتقده مكتبات الأمة من نتاج علم السابقين في القرون الهجرية الستة الأولى. مما له أثر على كمال دين الأمّة وعلومها وآدابها، فيكون مدعاة للتباكي عليه؟. والأجابة ببساطة فيما أعتقد: لا شيء ذي بال. أو أنّ ما فُقد ليس بالأمر الخطير. فالدين كامل: بقرآنه الكريم، وأحاديثه النبوية، وكتب العلوم بكل مجالاته وفيرة ومُتاحة. على اننا يجب ان لا يغيب عن أذهاننا أن مافقد بعد الإحتلال المغولي والى العصر الحاضر، فليس بسبب المغول وحدهم وانما تتشارك في ذلك أمور عِدّة، كعاديات الزمن والظروف البيئية . والصراعات المذهبية . والإهمال البشري. وهبوط الهمم في طلب المطولات من العلوم. وعزوف الناس بشكل عام عن القراءة والإهتمام بطلب العلم، وغيرها من الأسباب.
ثالثًا: إستخدم الشيخ ألأميني عبارات التأكيد التي توحي بالحماسة، أو ربما بالأسى البالغ: (أُحرق حرقًا، أباد، عن بكرة أبيها...). وذلك يعود الى نوعية المصادر التي اعتمد عليها. والتي غالبا ماتكون مشبعة بروح المبالغة والغلو.
رابعًا: أورد زعم بعض المؤرخين: (أن المغول فعلوا ذلك انتقاما مما فعله المسلمون في أول الفتح العربي بكتب الفرس وعلومهم). وهذه دعوى تًشدّقَ بها إبن خلدون من قَبل، ولعلها كما يرى البعض، لوثة شعوبية تسللت اليه، ومِثلها تحامله على العرب كجنس. وهي دعوى باطلة. ولا أساس لها. أذ لا شيء يُثبِت ان المسلمين قاموا بهذا الفعل الشنيع حينما فتحوا بلاد فارس. ولا ينبغي على الباحث المحقق القاء مثل هذه الشبهة ويمضي، حتى وإن نسب القول لمزاعم بعض المؤرخين، كنوع من التنصل عن مسؤولية طرح مثل هذه الشبهة. وإنما عليه على الأقل التعليق عليها أوالبحث في صحتها. وعلى أي حال، لم يُسَمِّ لنا وأحدًا من المؤرخين الذين أثاروا هذه الشبهة الباطلة.
وبالمقابل لنا أن نسأل بهذا الصدد: كيف استنتج بعض المؤرخين هذه الدعوى التي أوردوها في مصنفاتهم؟: يا تُرى هل أعلن المغول أنهم أولياء دم الفرس لينتقموا لهم مثلاً؟. متى؟ ... وكيف؟. وهل هنالك دليل أو إشارة من المغول تقول: إن تدميرهم للكتب في بغداد يأتي انتقامًا ونصرة للفرس؟. لا شيء من ذلك البَتّة. ونحن على قناعة لا شك فيها، بتلف كَمٍّ من الكتب آنذاك عند إقتحام المغول لبغداد، ولكن الكتب ليس همهم الأول، وإنما الراجح إنما يحصل التعدي على الكتب بفعل فاعل محلي غاضب، يُنفّس فيه عن جهله وعن أحقاده العنصرية والمذهبية. كما ويحصل التدمير كذلك لكل ما يعترض همجية العناصر المغولية التي لا تعرف للعلم قيمة. فبغداد يومها مستباحة وكل شيء فيها قابل للحرق والتدمير، ولعل قرب خزائن الكتب من ميدان القتال والمواجهة، يُعرّض الكتب فيها حتمًا للتلف، كما يتتعرض الناس والواجهات والمباني العمرانية والحضارية للقتل والحرق والتدمير. ومن المستبعد أن يكون جرى كل ذلك التدمير انتقاما للفرس من العرب المسلمين. ولا عن تدبير وتخطيط من المغول مسبق لتدمير الثقافة الإسلامية. فقد كان هدفهم إخضاع الممالك والإستحواذ على الثروات. ثُمَّ لماذا التغاضي عن أن يكون الفرس أو من يشايعهم، هم من فعلوا التدمير؟. ومبررات فعلتهم العنصرية غير خافية. ثُمَّ عمدوا لتغطية فعلتهم الشنيعة فأشاعوا ان المسلمين (حاشاهم) في أول الفتح لفارس، فعلوا مثل ذلك بكتب الفرس؟. فعيوب الخاسر المنكسر، غالبًا ما يسقطها الخاسر على المنتصر متّهمًا إياه بها.
خامسًا: إن فتح فارس كان فتحًا تحت راية الإسلام والتوحيد، وليس تحت راية العروبة، وعبارة "الفتح العربي لبلاد فارس" التي وردت عند الشيخ ألأميني غير موَفّقة. إذ لا مجال لإختزال الفتح الإسلامي لبلاد فارس، وجعله صراعًا عربيًا فارسيًا. فالتوسع القومي لم يكن واردًا يومذاك، لأنَّ جيوش الفتح ألإسلامي إنطلقت تحت راية لا إله إلا الله، محمد رسول الله..
سادسًا: اورد أسماء مكتبات أُتلفت عن بكرة أبيها!، ومَثَّل لذلك بالمكتبة المستنصرية، والدلائل تشير الى ان مكتبة المستنصرية لم يطالها التخريب. ولم تصبها يد الغدر. وكان ابن الساعي خازنًا لها من قِبَل النصير الطوسي، وكانت عامرة بالكتب.
سابعًا: ثَمّة ملاحظة لغوية على قوله: (أقام الفاتحون من الكتب جسرًا) والمغول لم يكونوا فاتحين. وانما غزاة محتلون، مستولون، غاصبون، مجتاحون، وهمج متوحشون. وحري ان لا يوصفوا بالفاتحين.
المؤسف أن يظل اصحاب التآليف وأصحاب المنابر المعاصرون، يتماهون في ترديد هذه الدّراما، الغير معقولة والغير ثابتة تاريخيًا. إنّه من غير المُنصِف إيراد روايات تاريخية غير منطقية متداولةً قديمًا وحديثًا على هذا النحو، دون أن تعرض على النقد والتثبّت. والضرورة باتت مُلِحّة لإعادة النظر في مثل هذه الأساطير، وبحث المقصد وراء هذا الغلو. وصحيح أن البعض اكتفى بالإشارة الى انها مبالغات. ولكن هذا لا يكفي. لأن جدلية إغراق الكتب، قضية تُشكّل خرقًا تاريخيا في حياة ومسيرة الأمّة. وقد يغطي هذا الخرق على فعلٍ آخر تاريخي إجرامي مقصود، أو ربما طمس معالم خيانة، جرت فعلًا على تراث وحضارة أُمّة الإسلام.
في الجزء التالي سنقدم خلاصة وإستنتاجات الفصل الأول بأجزاءه ألاربعة المتقدمة، وقناعاتنا لما نراه من دعوى غرق الكتب. ومن الله التوفيق والسداد.
المصادر والمراجع:
(1) محمد هادي الاميني في مقدمته لكتاب مختصر أخبار شعراء الشيعة - المرزباني الخراساني - ص 7 الطبعة الثانية 1413ه - 1993م / شركة الكتبي للطباعة والنشر والتوزيع حارة حريك – شارع دكاش.
(2) د. الشيخ محمد هادي الأميني من مقدمته لكتاب السقيفة وفدك لأبي بكر أحمد بن عبد العزيز البغدادي ص10 شركة الكتبي للطباعة والنشر بيروت – لبنان.