إغراق هولاكو للكتب بين الحقيقة والإسطورة
الفصل الأول: ج5: ما علاقة المغول بالتراث الإسلامي؟!:
بعد الإستعراض التاريخي الذي أجريناه في الأجزاء ألأربعة السابقة من الفصل ألأول من موضوع إغراق الكتب في نهر دجلة، والذي يرجح أنَّ إسطورة الإغراق وسوداد مياه دجلة وبناء الجسور وطوالات المعالف... ماهي إلا إسطورة أدبية نشأت في محاولة لتجسيد ضياع الحضارة الإسلامية بطريقة درامية، وانهيار المنظومة الإجتماعية والخلافة العباسية، على أثر الهجمة المغولية المتوحشة. حسنًا ، لنفترض أننا سَلّمنا بسيناريو هذه ألإسطورة. فمن الطبيعي أن تُثار بعض ألإستفسارات وألأسئلة عن مآخذ المغول على التراث الإسلامي حتى يغرقوه!، ولماذا يبيدونه!؟، ألا يستدعي ذلك منّا لحظة توقف وتأمل :
فنقول: ان كانت الكتب قد رُمِيَت في نهر دجلة. فمن الذي باشر ذلك الفعل؟. وقطعًا سيقال أن المغول أنفسهم هم من فعلوا ذلك. فإن كان المغول هم أنفسهم من فعلوا ذلك!، فما مقصودهم؟، وما الرسالة التي ارادوا أن يبعثوا بها الى أُمّة الإسلام؟. هذا إن كانت هنالك رسالة تستوحى من فعلتهم؟!.
إنَّ التماهي مع هذا التساؤل لا يوصلنا الى مقصد المغول أو فهم الرسالة التي أرادوا إيصالها، اللهم الّا إظهار همجية التدمير ووحشية الغزاة. فإن إعتبرنا أنّ مقصود المغول ألإتلاف بحد ذاته وتحصيل المُتعة في عمل ألإتلاف، فلماذا لم تُتلف المخطوطات وكتب التراث في مكانها وبأقصر وقت؟. ولا تكلف المغول أكثر من جذوة نار صغيرة، وهم بهمجيتهم ووحشيتهم جاهزون لمثل هذا الفعل، إذ هم يحرقون الأخضر واليابس في الطرقات والحارات، وكل ما يعترض طريقهم في البلاد. فلماذا يخصصون التراث بمصير مختلف!؟.
ثُمَّ عَلامَ تَعَنّيهم وإنشغالهم بعمل مُضنٍ، يَتَطَلَّب حَمل ونقل آلآف الأطنان من المخطوطات والتراث العلمي والأدبي، والسير بها لمسافة عشرات أو مئات الأمتار لإلقائها في نهر دجلة؟!. وما الذي يكسبونه من هذه ألفِعلة الحمقاء؟. وبحسبة بسيطة لو إفترضنا أن مليون كتاب اُغرق في النهر من خزائن دار الحكمة وغيرها (كما هو مشتَهر في عصرنا الراهن). ولنفترض أن عناصر المغول التي انبرت للقيام بهذا الفعل قرابة (100) عنصر في ظل انشغال بقية جند المغول في أعمال السلب والنهب والقتل. فلو فرضنا ان كل عنصر من المغول المائة حمل (20) كتابًا مخطوطًا في المرة الواحدة لإلقائها في النهر، لإحتاج كل واحد من المائة الى (500) مرة ذهاب وعودة لحمل الكتب المخطوطة والذهاب بها الى النهر، ليصلوا جميعًا الى مامجموعه مليون كتاب في النهر. وهذا شيْ خيالي وغير معقول. قد يقول قائل لعلّهم استخدوا عربات الدفع، وعربات تجرها الخيول لنقل الكتب، وهذا لا يغير من الإفتراض شيئًا لأنه بالنهاية سعي لإنزال ألكتب من رفوف الخزائن وتحميلها على العربات، والإنطلاق بها، وإعادة تفريغها في النهر وهكذا دواليك، مما يستهلك الجهد والوقت. والوقت غير متاح لتواجد المغول في بغداد التي سيبدأ الوباء يسطوها.
ولماذا ينشغل المغول أساسًا بأمر الثقافة والعلم والتراث، وما عُرفَ ذلك عنهم انه من اهتمامتهم!. أليس ألأولى والأجدر الإنشغال بمقصودهم الرئيسي من الغزو، والمتمثل في أعمال السلب، ونهب ألأموال والأرزاق، وإحراق الممتلكات، وإخضاع العباد، وإزهاق الأنفس والأرواح!؟.
لقد اجتاح المغول العالم الاسلامي قادمين من أصقاع بعيدة في الشرق، تحدوهم الرغبة في فرض الهيمنة والطاعة وبسط النفوذ على الشعوب. عاكفين على جمع الذهب والمال، ورفد جيوشهم بالرجال والمُقاتلين لمواصلة الهيمنة على العالم. فمن خضع لهم واستجاب لمطالبهم من ولاة وحكام (مسلمين وغير مسلمين) اقروهم –غالبًا- ولاةً على مناطقهم. ومَن امتنع وقاوم، اذاقوهم الويل والثبور. ولا يظهر ان عندهم توجه خاص نحو التراث الإسلامي في مشروعهم التوسعي.
المغول لم يأتوا لمقارعة الدين والفكر، وإحراق وإغراق ما تحويه المكتبات. فهذا ليس من شأن المغول المُعلَن. اللهم إلا إذا قُلنا أنّ هولاكو تقصّد فعل ذلك، على إفتراض كونه قد خضع لتحريض زوجته النصرانية (النسطورية)(1) التي تزوجها في بلاد فارس، وهو إحتمال محدود، وليس لدينا ما يدعم هذا ألإفتراض. ثُمَّ أنه لم يُعرَف عن المغول عداء مستحكم للدين والإعتقاد ألإسلامي، ولا صراع تاريخي معه، كما حدث للإسلام مع اليهودية والنصرانية. بدليل انهم سرعان ماتحولوا الى الإسلام بعد سنوات قليلة من إجتياحهم لبغداد. فهم وثنيون، أو لايدينون بدين تبشيري من شأنه أن يناصب الإسلام العداء، ولا أن ينافسوه، أو يَنفَسوا عليه تُراثه.
لقد كانوا مكتفين وملتزمين بقوانينهم العقلية التي يصدرها لهم خانهم العظيم. يَحتكمون اليها في صراعاتهم وأمورهم الداخلية، وفي حُكمِ مناطق نفوذهم. وهذا ليس تبرءةً ولا دفاعًا عن الإجرام المغولي الذي لاشك أنه تجاوز كل القِيَم والقيود والحدود. ولكن هنالك من يَتَسَتّر بغطائهم في موضوع إختفاء وإتلاف كتب التراث، ويجب ان يكشف الغطاء عن المتَستِّر.
تابع قارئي الكريم في الفصل التالي (الثاني) من هذا البحث، الحقائق التي لا تروى، في موضوع إسطورة إغراق هولاكو للكتب،... ومن الله التوفيق.
هامش:
(1) النسطورية: هي مذهب ديني مسيحي قديم يُنسب إلى نِسطور، الذي كان بطريرك القسطنطينية في القرن الخامس الميلادي. وهي تخالف العقيدة المسيحية الأرثوذكسية التي تقول: إن في المسيح طبيعتين لكنهما شخصاً واحداً (إله وإنسان) في آنٍ معاً، دون انفصال. في حين ترى العقيدة النسطورية: أنه لا يوجد إتحاد بين الطبيعتين البشرية والإلاهية في شخص المسيح ، بل مجرد صلةٍ بين الأنسان والألوهية.
من القديم إنتشرت الكنيسة النسطورية (كنيسة المشرق) في إيران والعراق والهند وغيرها من البلدان. وبقايا النسطورية موجودة في ما يُعرف الآن بـكنيسة المشرق الآشورية وبعض الطوائف القريبة منها، رغم أن كثيراً من هذه الكنائس تطورت لاهوتياً ولم تعد تتبنى كل أفكار نسطور حرفياً.