إغراق هولاكو للكتب: بين الحقيقة والإسطورة.
الفصل الثاني: الجزء الثاني:
صمتٌ يَلِفُّ جمهورُ العلماءِ والمؤرخين:
إلحاقًا بالمقال السابق (الفصل الثاني: ج1) وتماهيًا مع مجريات النقد العلمي التاريخي ولِأغراض إتاحة مساحة أكبر، للمقارنة مع أقوال من أوردناهم في الفصل الأول. دعونا لا نقتصر هنا على شهادات المؤرخين المعاصرين للحدث، ولنحاول تعقب وإستقراء شهادات وأقوال علماء ومؤرخين عاشوا فترة مابعد الاحتلال المغولي، حيث سنتابع التقدم الى ألأمام قليلاً في الزمن، ونمضي لما بعد زمن معاصري الخليفة المستعصم بالله، ولن نُطيل في ألإستقصاء، ولنَمُرَّ على أقوال كوكبة من المؤرخين ألأعلام كنموذج على سبيل المثال لا الحصر، ممن لهم ثقلهم وباعهم في كتابة التاريخ. وسننظر فيما إذا كانت لهم أي إشارة عن القاء الكتب في النهر، بعيدًا عن الطريقة السمجة التي مرّت معنا سابقًا في (الفصل الأول بأجزاءه الأربعة)، والتي كانت كلها تدور حول: (قيل و يقال!)، تلك السقطة التي وقع فيها الخَلَف نقلاً عن بعض السَلَف.
سنبدأ بِذِكر أقوال ألأقرب مولدًا من تاريخ الغزو، (الذي حصل سنة 656هـ)، وهو الترتيب الذي إنتهجناه في سائر البحث. وقطعًا هنالك علماء ومؤرخون آخرون لم يدونوا شيئًا عن قصة إغراق الكتب، ولكننا نكتفي بمن ذكرناهم هنا خشية ألإطالة. ثُمَّ سنبين بعد ذلك – إن شاء الله - معضلة الصمت وأسبابها.
1- أبن الطِّقْطَقي (660- 709هـ): وهو أديب مؤرخ عربي من أهل الموصل، نقيب العلويين في الحلة وكربلاء والنجف نظم الشعر بالعربية والفارسية، ولد بعد الغزو بأريع سنين، بمعنى أنه كان قريبًا في الزمان من مشهد الإحتلال المغولي، فنجد أنه إنتهج في روايته لنكبة بغداد ذات الخط الذي إنتهجه سلفه المعاصرن للغزو، في عدم إيراد أي شيء عن رمي للكتب والمجلدات في النهر. ووجدناه يمرَّ على ماجرى من فضائع في بغداد على ايدي المغول مرور الكرام في كتابه، دون ذكر لأيَّة تفاصيل بشأن الإجتياح، واكتفى بذكر مصير الخليفة واسرته مابين قتيل وأسير. (1).
2- أبو الفداء عماد الدين إسماعيل إبن كثير (672-732هـ): وهو فقيه، عالم حافظ، مُفتٍ، مُفسر، ومحدث، دمشقي شافعي، صحب الإمام إبن تيمية، وأفتى بفتاويه. وعلى غرار من سبقه من علماء ومؤرخين، هو الآخر لم يخص الكتب بشيء من الذكر، قال: (وقتلوا كل من كان فيها من الأشراف ولم يسلم إلّا من كان صغيرًا، فأخِذ اسيرا، ودام القتل والنهب في بغداد نحو اربعين يومًا) (2).
3- تاج الدين ابن السبكي (727- 771هـ): وهو إمام عالم فقيه شافعي، مؤرخ عربي مصري المولد، وقاضي القضاة في دمشق.(..) لم يذكر إغراق الكتب او اتلافها واكتفى كنظراءه السابقين بذكر ألأبشع، الذي هو عملية سفك الدماء. فقال: (واستمر القتل ببغداد بضعًا وثلاثين يومًا ولم ينج الا من اختفى) (3). (...) كان المذهب الشافعي هو السائد في مصر والشام وبعض مناطق العالم الإسلامي.
4- أبو العباس القَلقَشندي (756- 821هـ): وهو من أبرز المؤرخين، أشتهر بالأدب والبلاغة، والفقه، شافعي مصري، مؤلف كتاب (صبح ألأعشى في صناعة الإنشا). وقد اكتفى القلقشندي بذكر فناء الكتب ولم يشر الى النهب او الاحراق والإغراق وبناء الجسور والإصطبلات، فقال: (ويقال إن أعظم خزائن الكتب ثلاث خزائن: إحداها خزانة الخلفاء العباسيين ببغداد، فكان فيها من الكتب مالايحصى كثرة، ولا يُقَوّم عَلِيّهُ نفاسة. ولم تزل على ذلك الى أن دهمت التتر بغداد، وقتل ملكهم هولاكو المستعصم آخر خلفاء بغداد، فذهبت خزانة كتبهم فيما ذهب، وذهبت معالمها وأعفيت آثارها) (4). ولم يوضح كيفية ذهاب خزانة الكتب وذخائرها، هل نُهبت، أم سُرِقت، أم أُحرقت، أَم مُزّقت واُتلفت في مكانها. كما لم يذكر شيء عن باقي مكتبات بغداد. وما يعنينا هنا أنه لاشيء عن قصة غرق الكتب. ومن الجدير ألأخذ بعين الإعتبار، التشكيك في موثوقية دعواه في أنَّ خزائن الكتب ذهبت معالمها وأعفيت آثارها، لأنه سبق عبارته بقوله (ويقال) التي تعني انه غير متأكد من صحة الخبر.
5- جلال الدين السيوطي (849-911هـ): وهو إمام حافظ، مفسر، مؤرخ، أديب، فقيه شافعي مصري. وبعبارة مقتضبة كما القلقشندي، أشار الى خسارة الكتب فقال: (وقد ذهب جلُّ الكتب في الفِتَنِ الكائنة من التَّتار وغيرهم) (5). ويقصد بـ "غيرهم " اي الروافض. وهذه اشارة لها ابعاد بالغة الأهمية، وتعني الكثير، وقد نأتي الى بيانها لاحقًا.
6- ابن العماد الحنبلي (1032 – 1089هـ): وهو مؤرخ، فقيه حنبلي، عالم بالأدب، دمشقي المولد. قال: (ثم دخلت حينئذ التتار بغداد، وبذلوا السيف، واستمر القتل والسبي نحو اربعين يومًا... وكانت بليّة لم يُصَب الاسلام مثلها) (6).
لاحِظ انني آثرت ان اُضَمِّن هذا البحث والذي سبقه، مؤرخين من مختلف المشارب منهم السُّنّي والشّيعي، والعربي وغير العربي، والمسلم وغير المسلم، والمجافي للخلافة والقريب منها، والمُلتَحِف بالمغول والنائي بنفسه عنهم. وأنّ كل هؤلاء ألأعلام ألأجلاء الكبار، سواء من عاصر الهجمة المغولية او من جاء بعدها، لم يشيروا الى ان هنالك كتب أغرقت في نهر دجلة!. حتى أولئك الذين ذكروا ضياع الكتب فلم يُفصِحوا عن كيفية ذلك، كالقلقشندي الذي أشار الى ضياع بيت الحكمة، دون بيان الكيفية. وكذا السيوطي، فقد إكتفى بلفظ عام، بأن قال جُلّ الكتب ذهبت. وحَمَّل مسؤولية ذهابها الى التتار والى "غيرهم"!.
قُصارى القول: كيف يتم تجاهل ما ذهب اليه كل هذا الجمع من أصحاب القلم والتدوين؟، وغيرهم كثير، وهم الأعلم والأقرب لحدث ألإحتلال، ثم نُعرِض صفحًا ولا نعيد النظر فيما نتداوله من أقوال شائعة، تتناقلها ألألسن شفاهًا، عن قصة مغرقة في المبالغة والغلو، عن كتبٍ اُسِرت واُغرقت وتحول لون الماء بإغراقها الى السواد أشهرًا، وبُني منها المعالف والإسطبلات والجسور... في سردية أدبية إسطورية غير موثقة، وبلا سند، ولا دليل يمكن أن يَركن المرء الى صحّته. وكيف يستسيغ البعض في أحاديثة وخطاباته ألحماسية، الركون الى تصديق رواية ألإغراق، الخالية من الركيزة التاريخية الضرورية، من قَبيل، توثيق بخبرٍ أو معاينة أو إسناد الى راو مُعاصر للحدث؟. ألا يدل ذلك على إنها رواية واهية، ولا إعتبار لها. فنقصان السند التوثيقي، وحده كافٍ لإسقاطها.
دعونا نتوقف لمراجعة تاريخنا ونعيد التساؤل: ماهو السبب الذي جعل أسلافنا المتقدم ذكرهم، يعزفوا عن عدم ايراد هذا الخبر أو هذه الحادثة المزعومة في مؤلفاتهم؟. هل لأنها لم تحدث أصلًا؟. أم أضمروا الحديث عنها خشية من تعرضهم للتنكيل؟. أم لأنها لم تكن على النحو المتداول في الروايات ألأدبية ألإسطورية التي ما ظهرت إلّا متأخرة عن زمن احداث الغزو؟.
إنّ تساؤلنا هنا يعكس أهمية التفكير النقدي، والتحليل المنهجي، لإسطورة تاريخية، يلف جوانبها الغموض والمبالغة حد اللامعقول، وعلى أي حال سنلتزم التحليل العلمي والموضوعي المحايد جهد ألإمكان في سرد دوافع وأسباب صمت العلماء والمؤرخين إن كانت هنالك أسباب... وهذا سيكون محله في الجزء التالي، بتوفيق الله.
المصادر والمراجع:
(1) كتاب الفخري في الآداب السلطانية لمحمد بن علي بن طباطبا المعروف بإبن الطقطقي، ص 299، طبع مطبعة الموسوعات بمصر بباب الشعرية سنة 1317هـ.
(2) المختصر في اخبار البشر لعماد الدين اسماعيل أبي الفداء ج3 ص194 الطبعة الأولى، بالمطبعة الحسينية بمصر.
(3) طبقات الشافعية الكبرى تاج الدين السبكي/ تحقيق محمود محمد الطناحي، وعبد الفتاح محمد الحلو ج8 ص275 دار احياء الكتب العربية، ط فيصل عيسى البابي الحلبي.
(4) صبح الأعشى في صناعة الإنشا للشيخ ابي العباس احمد القلقشندي ج1 ص466 مطبعة دار الكتب المصرية بالقاهرة 1340هـ -1922م.
(5) المزهر في علوم اللغة وأنواعها - ذكر قدح الناس في كتاب العين - عبد الرحمن بن أبي بكر، جلال الدين السيوطي ج1 ص74 - المحقق: فؤاد علي منصور الناشر: دار الكتب العلمية - بيروت الطبعة: الأولى، 1418هـ 1998م.
(6) شذرات الذهب في اخبار من ذهب شهاب الدين ابي الفلاح عبد الحي بن احمد بن محمد العكري ألمعروف بإبن العماد الحنبلي الدمشقي ج7 ص468 حققه محمود الأرناؤوط وأشرف على التحقيق عبد القادر الأرناؤوط/ دار ابن كثير دمشق/ بيروت الطبعة الاولى 1406هـ - 1986م.