إغراق هولاكو للكتب، بين الحقيقة والإسطورة.
الفصل الأول: ج1: كيف وصفها المعاصرون للغزو المغولي:
انصرف ثلّة من المؤرخين عند التوثيق للغزو المغولي لبغداد سنة (656 هـ)، الى التهويل والمبالغة في بيان حجم الضياع والخسارة التي لحقت مكتبات بغداد، وإدعاء ما أصابها من حرق وإتلاف وإغراق في نهر دجلة. وتناقل الخلف عن السلف، ما هو شائع من عِبارات التهويل والمبالغة مما نرى أنه لا يسيغها عقل، ولا يقبلها منطق. وقد أورد عدد من العلماء والمؤرخون كل ذلك دون تحقيق أو تمحيص، مما يُخلّ بالمصداقية العلمية والتاريخية فيما أوردوه. ولا شك إنّ كمًّا من الكتب قد تم اتلافها بشكل من ألأشكال. ولكن ليس بالصيغة ولا الوصف الذي ذهبوا اليه من التهويل والمبالغة. كما سنعرض له في هذا البحث، كما أنّنا نجد في نشر خبر إغراق الكتب ما يثير الريبة، أو ربما التعتيم على ما هو أسوء!.
دعونا نركز في هذا الجزء على خبر الإغراق في نهر دجلة. لأنه الموضوع الأكثر شهرة وشيوعًا في الثقافة العامة، وفي العقلية الجمعية عندما يذكرون الغزو المغولي. ولبيان حقيقة ماجرى، لا يسعنا إلّا الإهتمام بإستقصاء موقف من كتبوا وأرّخوا، سواء من عاصروا الغزو أو من جاءوا بعدهم إنتقالًا الى زماننا الراهن. وحين نستقصي ذلك نجد أنّ هنالك تباين واسع وإختلاف في النظر وفي التعاطي مع مصير الكتب. وستلاحظ مقدار المبالغة والتهويل، بدءًا من زمن السقوط في خط بياني متصاعد كلّما تقدم الزمان، وصولاً الى عصرنا الحاضر. على أنّ المقارنة والمقاربة التفصيلية في هذا البحث، ستجعل من اشكالية المبالغة في فقدان الكتب أكثر وضوحًا للعَيان. وسَنعمَد في هذا الفصل والفصول التالية، الى استقصاء ما أورده اصحاب التآليف القدماء والمُحدَثون، وسنتدرّج مع تطورات الموضوع، ونُعَلِّق – بإختصار ما أمكن- على أقوالهم، ضمن إطار النقد العلمي للتاريخ.
وبما أنّ هذا البحث أشبة بالإستقصاء، لذا لا مناص من بعض الإطالة التي لا مفر منها. وسأعتمد تنظيميًا طوال البحث على إيراد تاريخ ميلاد العلماء الذين سأستشهد بأقوالهم، بدءًا بالأقدم ميلادًا ثم الذي يعقبه وهكذا. وقد لا يكون بالضرورة ألأقدم في الميلاد هو ألأسبق في رواية الحدث ، غير أني وجدت هذا المنهج لا يصطدم مع الغرض الذي أقصده في بيان التطور الزماني للحبكة الدرامية لإسطورة إغراق الكتب.
وسأقتصر الحديث في الجزء الأول من الفصل ألأول على رواية المعاصرين للغزو المغولي، لنرى كيف تطرقوا في مؤلفاتهم بالحديث عن موضوع إغراق الكتب!؟.
1- ابن الساعي (593- 674هـ): وهو طليعة من لمَّح الى ماجرى للكتب خلال الغزو المغولي فقال: (ولم يبق ببغداد احد، ويقال انهم بنوا اسطبلات الخيول وطوالات المعالف بكتب العلماء عوضا عن اللِبن)(1).
وتعليقي على نص إبن الساعي: إنَّ ابن الساعي معاصر للإحتلال المغولي، وهو خازن كتب المستنصرية، ومن سكنة بغداد أيام الإحتلال. فينبغي ان يكون قوله قولًا فصلًا ودقيقًا. لأنه الأقرب للحدث زمانًا ومكانًا وإهتمامًا حِرَفيّاً، فهو مؤرخ، وأمين أهم مكتبة عامة من مكتبات بغداد. ولكن حين نُخضِع نص قوله للمراجعة والمناقشة، نخرج بعدّة أمور مُبهَِمة، وعلامات استفهام تثير الريبة والإستغراب:
أولًا: إنّه لم يذكر موضوع غرق الكتب في دجلة، والذي ينبغي ان يكون هو الخبر الأهم الذي نتوقعه منه. (على فرضية حدوث إغراق للكتب والمخطوطات) وإنما ذكر انهم بنوا بها اسطبلات. وهذا التجاهل أمر غريب ولافت للنظر. وقد يفهم منه، ان دعوى غرق الكتب لم تحدث أصلاً. ولم تُعرف، ولم تظهر هذه الدعوى على الألسنة في زمانه. وإلّا لذكرها قبل كل شيء.
ثانيًا: أن الواقع يقول انّه لو حدث إلقاء للكتب في نهر دجلة فسيكون ذلك اظهر لعوام الناس. وأنّ شهادتهم عليه ينبغي ان تكون شهادة عينية، اكبر من الشهادة على بناء اسطبلات وطوالات معالف. لأن هذه ألأخيرة تكون عادةً في مواقع ومعسكرات الجند. التي هي في الغالب خارج المدينة. وغير متاح لعوام الناس الإطلاع عليها ومشاهدتها. وإبن الساعي حين لم يذكر الأظهر وذكر الأخفى دلَّ على ان الأظهر لا وجود له. اي لا وجود لكتب تُلقى في النهر.
ثالثًا: ربما كان هنالك شيء آخر مخفي حدث للكتب لم يشأ ابن الساعي أن يفصح عنه. فحاول لسبب ما، إيراد هذه الرواية للتمويه والتعمية، ولفت النظر عن مصير آخر خفي للكتب. كمحاولة للتستّر على أمر ما، أو على جهةٍ ما مثلًا.
رابعًا: قد يستدرك البعض فيقول دفاعًا عن إبن الساعي: إنَّ عبارته، (بنو بها إسطبلات..) مجرد عبارة لا معنى لها، وغيرمقصودة، وغير منطقية (2)، إذ ليس من المعقول ان ابن الساعي بمنزلته كمؤرخ معروف، يورد إسطورة كهذه!. ولكن يُفنّد هذا الإستدراك: ان ابن الساعي يعتبر من المؤرخين المتساهلين في إيراد الأخبار، والمبالغين أحياناً الى حد تجاوز الصدق. وأن إيراد إسطورة في كتابه ليس بالمستغرب إن كان ما قاله إسطورة. فالكتاب على أهميته، فية الكثير من روايات الأساطير والخرافة عن سِيَر وحياة عموم خلفاء دولة الإسلام. ومع أنه شافعي المذهب، إلّا انه من الواضح ان كتابه في التاريخ كُتِبَ في كثير من جوانبه وفق الرؤية الرافضية، التي من مخرجاتها، التحامل المبالغ فيه على الأمويين، وأيراد روايات الطعن والقدح في سِيَر معظم الخلفاء العباسيين.
خامسًا: قد يشير قائل آخر: إنّ عبارة "بنوا اسطبلات.." مقحمة على الكتاب، وأنها مِن فِعلِ النُسّاخ. مستدلين بالمقولة نفسها (يقال انهم بنوا...) بمعنى أنه غير متأكد. والمفروض أنه قريب زمنيًا من الحدث، ومن سكنة بغداد، وقريب من الكتب فهو خازن كتب المستنصرية، فحري به إن كانت العبارة له، ان يجزم بحصول الفعل إن كان الفعل قد حصل. لا ان يقول" يقال" كمن يكون غير متأكد من حصوله!. فدل ذلك على انها ليست من أقواله، ولعلها عبارة مقحمة على الكتاب!.
وهذا التعليل مفهوم، ولكن ينقصه عدم ظهور نسخة أخرى من الكتاب خالية من هذا النص كي نقول ان النص مقحم أو مدسوس، كما لم يُشِر أحد من المؤرخين عنه خلاف هذا النص. كما انه لاتوجد قرينة تشير الى ألإقحام. بل على العكس، إذ القرينة تؤكد ورود النص كما هو. فالشبهة فيما حدث من إختفاء للكتب عند بعض المؤرخين، تحوم حول شيخ إبن الساعي. ومن غير المستبعد ان يدافع ويتستر التلميذ عن شيخه الذي يُتَهم بأنه تلاعب بمصير الكتب، خاصة وأن الشيخ وفّر لتلميذه الحماية من المغول، ووفّر له المنصب المرموق في ذلك الزمن الرديء. وسنتناول الحديث عن هذا الموضوع لاحقًا. في الفصل الثالث. وأستغفر الله من التَجَنّي على إبن الساعي هنا، ولكن أناقش مرامي ودلالات النص، وأقوال العلماء، وليس السيرة الذاتية للشخص.
سادسًا: إن أخذنا جدلاً بالقول انها مدسوسة على كتاب إبن الساعي، فذلك ميسور في تلك الظروف والأجواء. زمن أسواق الورّاقين، خاصة ألأسواق البعيدة عن مراكز العلم والرقابة والتدقيق. وذلك حين يتم نسخ الكتاب للترويج أو للبيع، فتعبث به الأيدي المذهبية المتعصبة، فيصار فيه الى الزيادة والنقصان والنَّحل. وهذا ما حصل مع كثير من الكتب التي تَمَّ العبث بها، وأُعيدَ تمريرها الى عالمنا الإسلامي بغرض التشويه والتشكيك وقلب الحقائق والإنتصار لمذاهب النُّساخ واصحاب النِّحَل. وعمومًا فالنص وارد في نسخ ومخطوطات الكتاب، ولا سبيل لإنكاره.
سابعًا: احتمالية ان يكون الكتاب كله مَنحول على إبن الساعي وليس من مؤلفاته؟. ولا يمكن الإحتجاج بذلك، وإلا فساعتها سنحتاج الى وجود إشارة من العلماء والمفهرسين القدماء، أو من المؤرخين والمحققين الثقاة، الذين نقلوا عنه أقواله ولم يكن بينها العبارة موضوع الشك، وعندها يمكن الجزم بوقوع النّحل. وليس هنالك الى الآن ما يشير الى ذلك.
وعلى اي حال، فإبن الساعي لم يوثق مقالته بشاهد عيان من عوام الناس، كما ولم ينسبها لشخص أو لجهة معلومة. ولذا لا يكون لعبارة (يقال انهم بنوا...) إعتبار ولا موثوقية علمية. وسواء أكانت هو من كتبها "بحسن نيّة، أو سوء نيّة، أو دُست عليه"، فهي بالنهاية كما سنبين لاحقًا، لا تعدو أن تكون تلبيسًا وتدليسًا، وربما دسًا لِخَبر يراد منه الإنشغال بالخبر، ولفت النظر بعيدًا عمّا جَرى من حَدَثٍ وراءه. والله أعلم.
ويبقى السؤال: هل اُلقِيَت الكتب في نهر دجلة أم لم تُلقَ؟.... تابع الجزء الثاني.
المصادر والمراجع:
(1) مختصر اخبار الخلفاء للعلامة علي بن انجب المعروف بأبن الساعي ص 127 الطبعة الاولى بالمطبعة الأميرية ببولاق مصر المحمية سنة 1309هـ.
(2) الفرق بين الخرافة والإسطورة: ان الخرافة لا أصل لها. أما الإسطورة فلها جذور وأوليات محدودة.