إغراق هولاكو للكتب: بين الحقيقة والإسطورة.
إغراق هولاكو للكتب: بين الحقيقة والإسطورة.
إغراق هولاكو للكتب: بين الحقيقة والإسطورة.
الفصل ألأول: ج2: سرديّة مفكرو ومؤرخو العصور التالية:
بعد أن مضى قرابة قرن من الزمان أي بعد مائة عام أو أقل بقليل على كارثة إحتلال المغول لبغداد وسقوط الخلافة العباسية ، إنتهينا في الزمن الى إبن خلدون.
2- ابن خلدون (732- 808هـ): قال ان المغول: (استولوا من قصور الخلافة وذخائرها على ما لا يبلغه الوصف، ولا يحصره الضبط والعد، وأُلقيت كتب العلم التي كانت بخزائنهم جميعاً في دجلة، وكانت شيئاً لا يعبّر عنه)(1).
لاحِظ إنّ ابن خلدون من علماء القرن الثامن الهجري، وليس من علماء القرن السابع الهجري الذي حدثت فيه كارثة الغزو المغولي لبغداد. فهنالك فجوة زمانية بين الكارثة وإبن خلدون، خلا فيها الحديث في مصنفات المؤرخين عن موضوع القاء الكتب في دجلة. ولم أجد مؤرخًا معاصرًا للكارثة أو عالمًا من علماء القرن السابع الهجري، من ذكر وسَجّل أو وثّق بشكل صريح مسألة إلقاء جميع الكتب في نهر دجلة.
لا يمكن ان يقال أن المؤرخين كتبوا، وان كتبهم اُغرقت كما الكتب الأخرى. لأنها لم تكن مكتوبة بعد. فالتدوين إنما يحصل بعد إنتهاء الحادثة لا قبلها. ولكن يبدو أنّ دعوى غرق الكتب في نهر دجلة كانت حكاية شفهية متداولة ألى حد ما، في الرواية الشعبية ربما عن كَمّ ما من الكتب (قليل أو كثير) قد رُمي في النهر. ومع أنها رواية غير موثقة في مصنفات المؤرخين. إلا أنّ الحكاية تسربت (لسبب ما) عبر مداها الزماني، وأخذت أبعادًا واسعة بمرور الوقت، لتصل الى ابن خلدون بالقدر المبالغ فيه والذي جعله يقول: كتب العلم (جميعًا). فالفترة الزمنية بعد الاجتياح المغولي كانت كافية لترويجات أصحاب المصالح، والمنتفعين، من مِثلِ هذه الإسطورة، وإنضاجها وإكسابها المقبولية. وحينذاك بدأت تُطِلُ على صفحات ألمؤرخين والمؤلفين المتأخرين عن قرن الحادثة. ولكن – وللأسف- إطلالتها في مدوناتهم جاءت خالية من الدليل والسَنَد والتوثيق والمشاهدة العيانية.
على أي حال، إبن خلدون يعتبر من المتأخرين ، أو على أقصى تقدير من شبه المعاصرين للغزو المغولي. والغريب أنّ نجد إن إبن خلدون يجزم أن جميع كتب قصور الخلافة أغرقت. ولم يَعزُ ذلك لأحد، ولم أجد أحدًا قبله جزم بمثل هذا القول ، فقد إستخدم جازمًا كلمة (جميعًا) ، أي جميع مافي خزائن قصور الخلافة، أو كل الخزائن أغرِقت!. فهل يعني هذا، أنه لم يكن هنالك حرق وإتلاف وتدمير ومقايضة ونهب ، مما يمكن أن يكون قد صاحب عملية الإغراق!؟. فهذا الجزم منه أمر لا يوافقه علية كثيرون. وأنا هنا أُرَجّح أن ما ذهب اليه إبن خلدون هو من قبيل المبالغة لا شك في ذلك. ولا يسعني تمرير قوله دون لحظة توقف. فالتاريخ يشهد ان هنالك رواية اُخرى معتبرة من طائفة من العلماء والمؤرخين القريبين حتى زمانيًا من الحدث، تتقاطع وتصطدم تمامًا مع ما يقوله إبن خلدون، وسنعرض لذلك فيما بعد.
لا نستبعد ان إبن خلدون استخدم لفظ (جميعًا) كنوع من التساوق مع ما نُقِل اليه بدون تدقيق. وهذا يؤدي بالنهاية ربما الى التعمية والتعتيم على الرواية الاخرى المتقاطعة. والتي تتبنى ما يُصطلح عليه، إمكانية حدوث خيانة، قد تكون أصابت ألثقافة والحضارة، وربما قام بها من فُوّضَت اليه شؤون المكتبات في حينه. وسيأتي بيان وتفصيل ذلك لاحقًا.
على أي حال فقصّة القاء الكتب في النهر بعد زمن إبن خلدون، قد أخذت منعطفًا وبُعدًا آخر، تمثَّل أوّلًا في رواية المؤرخ المصري ألأتابكي إبن تغري بردى.
3- ابن تغري بردى (813- 874هـ) قال: (وأُحرِقت كتب العلم التي كانت بها من سائر العلوم التي ما كانت في الدنيا؛ قيل: إنّهم بنوا بها جسراً من الطين والماء عوضاً عن الآجُر، وقيل غير ذلك) (2). لاحظ عدم وثوق إبن تغري بردى من صحة الخبر حيث قدمه بلفظ (قيل... وقيل). ونحن نتسائل: من القائل؟. وهل القائل صادق أم كاذب؟. وكيف نعوّل في توثيق الحوادث التاريخية الكبرى على قول قائل مجهول!، وبلا سند ولا مستند ولا دليل.
اُضيفُ الى ما تَقدّم: أنّ نَصّ عِبارة ابن تغري بردى ذاتها متهافتة فيما يخص بناء الجسر. إذ كيف يمكن أن يُبنى جسر من (الطين والماء!) فلو اكتفى بالقول من الطين والكتب، لكان التعبير أوجَه، مع أنه لا يستقيم منطقًا. فالكتب والطين والماء، ليست مواد بناء لجسر على الماء، يصمد لعبور السابلة.
ثُمَّ عليك أن تلاحظ التصاعد التدريجي في القصة، فبعد ان كان يقال انها اغرقت، نجد أنّ ابن تغري بردى (بعد قرابة مائتي سنة من الغزو) يتجاوز عن أنها اُغرقت في النهر، ويذهب بخطوة مختلفة فيقول انها: أحرِقَت وبُنِيَ بها جسر من الطين!.
4- قطب الدين النهروالي (917- 990هـ) قال: (ورموا كتب مدارس بغداد في بحر الفرات وكانت لكثرتها جسرًا يمرون عليها ركبانًا ومشاة، وتغير لون الماء بهذا والكتابة الى السواد.)(3). وواضح ان هنالك خلل وقع فيه النهروالي، في النقل أو في السماع، الى درجة انه قال، ان الكتب القيت في بحر الفرات!. فبغداد تقع على نهر دجلة وليس على الفرات. ثُمَّ ان المتعارف عليه ان يقال نهر الفرات وليس بحر الفرات. وأتصور أن بعض الأعاجم قد يطلق لفظ البحر على النهر إن كان واسعًا، أو لإتصاله بالبحر. أو لعل اللفظة جاءت كجزء من المبالغة. والملاحظ في تعبير النهروالي أنَّ هيكلية الجسر هنا مختلفة. فالجسر عنده تشكل بفعل الإلقاء والتكديس للكتب في النهر. وليس بالبناء بالطين والماء، كما زَعَمَ ابن تغري بردى!. وعَلَيه، ووفق قول النهروالي أصبح جسر الكتب ليس متاحًا فقط للناس السابلة يمرون عليه، وإنما يمرون عليه ركبانًا ومشاة!. ويضيف النهروالي عنصرًا جديدًا وهو الحبر، وتغير لون الماء الى السواد. وهذا (الركبان والسواد) بُعدٌ جديدٌ غير مسبوق في إسطورة القاء الكتب في نهر دجلة.
5ـ - عبد الملك العصامي المكّي: (1049- 1111هـ) قال: (وَأخذ هولاكو جَمِيع النُّقُود وَأمر بحرق الْبَاقِي وَرمى كتب مدارس بَغْدَاد فِي دجلة وَكَانَت لكثرتها جِسْرًا يَمرونَ عَلَيْهَا ركبانَاً وَمُشَاة وَتغَير لون المَاء بحبرها إِلَى السوَاد)(4). وقول العصامي هذا شبيه بقول من سبقه، ولعله إقتبس العبارة عن قطب الدين النهروالي، والله أعلم.
إنَّ قصة إغراق الكتب في النهر والتطور الذي طرأ عليها توحي بالسرد ألأدبي لا التاريخي الدقيق، سرد يحتوي على إسلوب ونَفس بلاغي مبالغ فيه، ومع كل ذلك، لا ينتهِ ألامر عند هذا الحد، وسَنَعبُر مع هذه السردية الى العصر الحديث، لنتابع الإضافات التي طرأت عليها في الجزء التالي.
المصادر والمراجع:
(1) تاريخ ابن خلدون المسمى بكتاب العِبر وديوان المبتدأ والخبر في أيام العرب والعجم والبربر ومن عاصرهم من ذوي السلطان الأكبر ج3 ص537 ، مؤسسة جمال للطباعة والنشر بيروت/لبنان.
(2) النجوم الزاهرة في ملوك مصر والقاهرة لجمال الدين يوسف بن تغري بردى الأتابكي ج7 ص 55 طبعة دار الكتاب.
(3) الإعلام بأعلام بيت الله الحرام لقطب الدين النهرواني (أو النهروالي) ص 206 تحقيق هشام عبد العزيز عطا ، المكتبة التجارية مصطفى احمد الباز / مكة المكرمة.
(4) كتاب سمط النجوم العوالي في انباء الاوائل والتوالي لعبد الملك العصامي المكي ج3 ص 519 المحقق عادل احمد عبد الموجود- علي محمد معوض. الناشر دار الكتب العلمية/ بيروت/ الطبعة الأولى 1419هـ- 1998م.