باطل مشتهر: قراقوش الفاشوش (2-2)
الواقع يشهد ان هنالك توجها عند بعض الادباء ممن يتعرضون للحديث عن التاريخ الاسلامي، اتهامه بالسواد والظلم ، والقصد من ذلك النيل من الأحداث التاريخية، ومن عظماء الأمة على مر عصورها، سواء من كانوا مع النبي (صلى الله عليه وسلم) اومن جاء بعده، فهناك من يقول: انه لم يتول حكم دولة الاسلام حاكم سواء أكان (خليفة او ملك او سلطان او رئيس) حاكم عادل صالح منذ وفاة النبي (صلى الله عليه وسلم) الى آخر سلطان عثماني وربما الى يومنا الحاضر،وقد يستثنون واحدا او اثنان او ثلاثة. وفي الحقيقة ما هذا الاستثناء الا لذر الرماد في العيون، والايحاء بان من يقول مثل هذا القول انما هم علميون منصفون ولا يعممون ولا يبطنون شيئا من الضغينة على تاريخ الاسلام.
هذا التجني والمبالغة يعتبر تعسفا مرفوضا، لأن مثل هذه القراءة الظالمة لشخوص واحداث التاريخ ، انما هي انكار لحقيقة جلية في استقرار وازدهار الحياة والبلدان لفترات طويلة، واغماض للعين عن انجازات حضارية امتدت لمئات السنين وعلى قارات ثلاث ، حضارة كانت مهوى الأفئدة ومقصد الشعوب الاخرى، وموضع اعجابهم وانبهارهم، هذه الحضارة الإسلامية العلمية الزاهرة بفكرها المستنير، رفعت مستوى الأنسان من العبودية للبشر والحجر، وشواهد هذه الحضارة المادية ما زالت ماثلة حتى اليوم، تجسدت في القلاع الحصينة والمدارس المتميزة والبيمارستانات ( المستشفيات ) المتخصصة والأوقاف المتعددة والمؤلفات النادرة والاكتشافات العلمية المؤثرة التي غيرت مجرى الحياة في أوروبا لاحقا، والفتوحات التي امتدت إلى الصين والهند والبلقان وووسط اوربا وإسبانيا وإفريقيا ، وقدمت التضحيات العظيمة في طريق تحرير الانسان. بيد اننا نجد ان كل هذا في أدبيات هؤلاء المرجفين والحاقدين انها ليست سوى تاريخ اسود كله ظلم وظلام واستبداد وانهزام وفتن وقتل ودمار!!.
الحضارات العلمية الزاهرة الخالدة لا تقوم الا بقيادات راشدة تهيء لها المناخ والأدوات وتؤطر لها مناهج البحث العلمي وتتيح لشعوبها حرية الفكر، وترعى اصحاب المواهب والكفاءآت العلمية لينجزوا مثل ذلك العطاء والتحضر، فأنشأت اجيال من عظماء الامة، حضارة سادت العالم القديم وكانت الدافع للغرب ليحذوا حذوها ويقتبسوا من نورها مناهج البحث وكل العلوم التي تطورت هنا وينقلوها الى ديارهم، ايذانا ببدء النهضة الغربية.
بالتأكيد ان من تولوا قيادة الأمة فيهم الجيد وفيهم من هو دون ذلك. فيهم الصالح وفيهم الطالح، وفيهم الصالح الذي شوهت وانتقصت صورته ظلما وعدوانا عن قصد او عن غير قصد، ومثاله موضوع البحث هنا (الأمير بهاء الدين قراقوش) الذي عاصر فترة من اصعب واخطر فترات التاريخ التي مرت على مصر والشام، في ظل عجز الخلافة العباسية في بغداد وعجز الفاطميين في مصر عن درء خطر الصليبيين عن انفسهم وعن بلاد الاسلام، فكان الأيوبيين هم من تولوا هذه المواجهة، وكان واحد من ابرز قادتهم هو (قراقوش) بذلوا جهدهم وجهادهم للدفاع عن هذه البقاع ودحر ورد الفرنجة الصليبيين من حيث اتوا.
حصار عكا:
اوكل الناصر صلاح الدين مهمة ولاية عكا الساحلية للأمير بهاء الدين قراقوش،وكان قد فتحها صلاح الدين واستخلصها من ايدي الفرنج ، وطلب من قراقوش تعميرها وتعلية ابراجها وسد نقاط الضعف فيها وتحصينها بأسوار تمنع عودة الصليبيين إليها، وكان سورها قد تصدع وتهدمت اجزاء منه اثناء المواجهات مع الفرنجة. ولكن لماذا عكا؟. والجواب لأن عكا تعتبر هدفا استراتيجيا للفرنجة لموقعها المميز، فهي، اولا: في موقع وسط يمكن منها الانطلاق الى القدس او حلب او الاسكندرية، وثانيا: بغية اتخاذها قاعدة عسكرية لهم ، كون الامدادات كانت ستصل اليها من اوربا عن طريق البحرالأقل خطورة من الامدادات التي يمكن ان تصل عن طريق البر، وامتد حصار الفرنجة لعكا عامين وقراقوش يقود المواجهة والمقاومة من داخل عكا بكل صبر وثبات.
كتب الأمير بهاء الدين قراقوش إلى صلاح الدين يخبره أنه لم يبق عنده من الأقوات ما يكفيه لقد جاع الجند والشعب، فلما وصل الكتاب إلى صلاح الدين أخفاه لئلا يعلم الفرنجة بالأمر فيهاجموا المدينة، وهنا تفتقت عبقرية صلاح الدين عن حيلة بارعة لايصال الدعم والتموين للمحاصرين في عكا، فجهز صلاح الدين من بيروت مركبا كان قد اسر سابقا من الفرنجة، وتزيى كل من عليه بزي الإفرنج بعدما حلقوا مثلهم وشدوا الزنانير واصطحبوا شيئاً من الخنازير ، فلما مروا على مراكب الإفرنج اعتقدوهم منهم ولم يعترضوا سبيلهم، حتى وصلوا الى غايتهم وتقوى اهل عكا بهذا المدد مدة من الزمن، ولكن الحصار طال حتى سقطت المدينة اسيرة بيد الفرنجة، ووقع قراقوش في الأسر، ولاعلان البدل والفداء بالمال، فقد افتدى قراقوش نفسه وقيل افتداه صلاح الدين بعشرة آلاف دينار او اكثر، ليعود الى صلاح الدين الذي فرح بفك أسره فرحاً عظيماً، كما ذكر ذلك كل المؤرخين الذين ارخوا لهذه المرحلة.
خطورة الاعلام وكتاب الفاشوش:
كان الأمير بهاء الدين قراقوش من أروع القادة وأشجعهم، قوة وحزما في الادارة والجندية، لم يكن خائنا لامتة وشعبه يوما ما، ولم يقف مع عدوه ولا تعاون معه، لم يبح الرذيلة ولم يسكت عليها، ولم يتهم في نفسه بالمنكرات، ولم يعرف عنه الفساد ولا الارهاب. وشخصا بمثل هذه الصفات لا بد ان يكون له خصوم ومنافسين، فكل ذي نعمة محسود. فكان من حظه (العاثر!) ان تعرض له احد الحاقدين المعاصرين له وهو المدعو: (ابن مماتي) أبو المكارم الأسعد بن الخطير بن مهذب بن مينا بن زكريا بن أبي قدامة بن أبي مليح مماتي ... وهو مسيحي قبطي الأصل من أسيوط في مصر، اديب بارع صاحب قلم هزلي طويل اللسان ليكتب كتابا اسماه:(الفاشوش في حكم قراقوش) وقد ملأه بالتشنيع والسخرية وبالادعاءات الظالمة الكاذبة وبالتهكم من شخصية قراقوش ووصفه بالغفلة والحمق والبطش والاستبداد، وكتبه باللهجة العامية ليسهل تقبل العوام له.
ومعلوم ان اصحاب القلم والأدب (والاعلام بشكل عام) خطورتهم تكمن في ان لهم تأثير كبير وقوي على الناس، وقادرين بسحر اقلامهم على قلب الحقائق ، وجعل الأبيض اسود، والمحبوب مكروه، بالاضافة الى ان الناس عموما تستسيغ النكته وتميل اليها، وتطرب للاسلوب الهزلي وتتقبله اكثر من اي اسلوب آخر، فانتشرت تهكماته عن قراقوش على ألسنة الناس العوام داخل البلدان العربية وتداولوها وصدقوها، واصبحت شخصية قراقوش مثيرة للهزل والسخرية ويضرب بها المثل لكل حاكم ظالم مستبد احمق، بالقول: (حكم قراقوش)، سواء أكان هذا المستبد الأحمق رئيس او حاكم او مدير او مسؤول اوحتى رب اسرة.
نماذج من السخرية في كتاب الفاشوش:
الحكاية الرابعة: قيل أنه (أي قراقوش) سابق رجلاً بفرس له، فسبقه الرجل بفرسه، فحلف أنه لايُعلفه ثلاثة أيام. فقال له السابق : "يا مولاي يموت" فقال له قراقوش : "احلف لي أنك إذا علفته ياهذا لاتعلمه أنني دريت بذلك" فحلف له الرجل، واعطى العلف للفرس.
الحكاية الخامسة: وقيل ان غلاما لقراقوش كان يشتغل عنده (ركابدار) اي صاحب الركاب، وان هذا الغلام قتل نفسا. فقال: (اشنقوه)، فقيل له انه حدادك ، وينعل لك الفرس، فان شنقته خسرته ولم تجد غيره، فنظر قراقوش ناحية بابه، فوجد رجلا قفاصا(اي صانع اقفاص) فقال ليس لنا بهذا القفاص حاجة، فلما اتوه به، قال: اشنقوا القفاص وسيبوا الركابدار الحداد لكي ينعل لنا الفرس!
الحكاية السابعة عشرة: وحُكي أن شخصاً شكا له مماطلة غريمه، فقال له المدين : "يامولانا، إني رجل فقير، وإذا حصلت شيئا له، لاأجده، فإذا صـرفته جاء وطالبني". فقال قراقوش :"احبسوا صاحب الحق، حتى يصير المديون إذا حصل شيئاً يجد له موضعاً معلوماً، يدفع له فيه". فقال صاحب الحق : "تركت أجري على الله" ومضى.
ثناء المؤرخين على قراقوش:
قال عنه ابن إياس في (بدائع الزهور): "كان قراقوش القائم بأمور الملك، يسوس الرعية في أيامه أحسن سياسة، وأحبته الرعية ودعوا له بطول البقاء".
وقال عنه ابن خلكان في وفيات الأعيان وأنباء أبناء الزمان(4 /91 و 3/255): كان حسن المقاصد، جميل النية، وكان له حقوق كثيرة على السلطان وعلى الإسلام والمسلمين... وذكر انه قد نسب إليه أحكام عجيبة، موضوعة عليه، فإن الملك صلاح الدين كان معتمدا في أحوال المملكة عليه، ولولا وثوقه بمعرفته وكفايته ما فوضها إليه.
وقال عنه ابن تغري بردي في (النجوم الزاهرة) عند ذكره صلاح الدين الأيوبي: "وكان وزيره بمصر الصاحب بهاء الدين قراقوش، صاحب الحارة المعروفة بسويقة الصاحب القديمة في الجامع الحاكمي، وكان رجلاً صالحًا غلب عليه الانقياد إلى الخير، وكان السلطان يعلم منه الفطنة والنباهة، وكان إذا سافر السلطان من مصر إلى الشام في زمان الربيع كما هي عادته كل سنة، يفوض إليه أمر البلاد، لكنه في سنة إحدى وستين وخمسمائة حكمها منفردًا من غير مشاركة؛ لوفاة ولي العهد المشارك له في ذلك.
وقال عنه ابن كثير في البداية والنهاية (13/37-38): أحد كبار كتاب أمراء الدولة الصلاحية، كان شهما شجاعا.
وقال احمد النويري في نهاية الأرب في فنون الأدب (8/47): فإن الملك الناصر صلاح الدين يوسف، مع حسن تدبيره وسداد رأيه، كان يعتمد عليه في المهمات الجليلة والمناصب العالية، وثوقاً بمعرفته وكفايته.
ويقول عنه ابن تغري بردي فى كتابه النجوم الزاهرة في ملوك مصر والقاهرة (6/178): كان صلاح الدين يثق به ويعول عليه في مهماته واتخذه نائبا له على البلاد اثناء غيابه.
كان أمراء الدولة الصلاحية الأيوبية يدركون مكانته وعلو منزلته التي لا يدانيها احد غيره فكانوا يسمونه الأمير الكبير تقديرا واحتراما له.
العماد الأصفهاني (ت ٥٩٧ هـ /١٢٠١م) المرافق للسلطان صلاح الدين في حملاته الحربية فكان يرى في قراقوش رجلا عالي الهمة ، لا يقارع ذا المواقف المعروفة والأعمال الجليلة. (الفتح القسي في الفتح القدسي، ص118).
ويشاطره في رأيه هذا ابن شداد (ت ٦٣٢ هـ / ١٢٣٤م) كاتم سر السلطان صلاح الدين، (النوادر السلطانية ،ص٢٤٠.) وغيرهم الكثير، بل انه ما من مؤرخ كتب عنه الا ومدحه واثنى على خلقه وشجاعته ورجاحة عقله وسخاءه وادارته.
كقائده صلاح الدين كانت حياة قراقوش سجل مشرف من الانجازات والانتصارات التي رفعت راية الإسلام، وتعمير الدولة وتثبيت اركانها ، هذا الرجل الذي خدم صلاح الدين، وكان ساعده الأيمن وموضع ثقته لنحو 30 سنة، كيف يمكن ان يكون بهذا السفه والغفلة والاستبداد كما يصوره (كتاب الفاشوش) فصلاح الدين لا يعقل ان يولي ظالما احمقا او ان يتغاضى عنه او ان يحرص على فك اسره بفدية كبيرة ثم الفرح الشديد بنجاته وعودته.
توفي (رحمه الله) في مستهل شهر رجب سنة 597هـ - 1201م بالقاهرة، بعد حياة حافلة بالعطاء والإخلاص ، ودفن في تربته المعروفة به بسفح المقطم بقرب البئر والحوض اللذين أنشأهما على شفير الخندق، وله من العمر ثمان وثمانون سنة.
توفي القائد الشهم الذي ظلمه الأدب ولم يرع له حرمة، وانصفه التاريخ والمؤرخون.