باطل مُشتَهر
قراقوش الفاشوش (2/1)
مصيبة التاريخ على مر الازمنة، انه ليس هنالك من طبقات متخصصة مهنية محايدة ونزيهه لتكتبه، وتكون الكتابة مقصورة عليهم، وانما قد يشارك في كتابته بالاضافة المؤرخ المحايد، صاحب الهوى الذي يريد الانتصار لهواه، والمنتصر الذي يغمط حق خصمه حينما ينتصر عليه، والحاقد الذي ضربت مصالحه ويريد الانتقام من امجاد الامة وعظمائها، والظالم الذي يريد ان يخلد اسمه او قومه او مذهبه فحسب، ويطمس على ما للآخرين من حقوق، كل هؤلاء كتبوا فصولا من التاريخ، ثم جاءت السينما والمسرح والمسلسلات التلفازية غير الملتزمة وغير المنصفة، لتضيف طابع البداهة والتصديق على احوال واحداث هي في الحقيقة خارج التاريخ، لذا من اراد ان يدلف عتبة التاريخ عليه الحذر من الانجرار وراء ماهو باطل وغير صحيح من الكتابات التاريخية، وان يعتمد المناهج العلمية، و إحكام العقل، والمصادر الموثوقة في التقييم.
واليوم وفي عصر المعرفة والعلم، فان كل ماكتب في التاريخ أصبح متاحا للدارس والباحث والمحقق، وتطورت المناهج العلمية بحيث يستطيع الباحث اليوم ان ينقب في التاريخ، ومن ثم بامكانه التمييز بين ماهو سقيم وما هو صحيح ، وماهو حق وما هو باطل.
من الباطل المشتهر في التاريخ والذي جرى على ألسنة الناس منذ مئات السنين وفي كل البلدان جملة (حكم قراقوش) حتى غدت في الغالب مثلا يضرب لغباء وجبروت الحاكم، لكل حاكم فاسد الحكم، فيقولون: هذا حكم قراقوش .
ياترى من هو قراقوش وهل هو شخصية حقيقية؟ ، وفي اي زمن وجد؟، وهل كان بمثل هذا السوء ليضرب به المثل؟
من هو قراقوش:
قراقوش معناه (النسر الأسود) وهو لفظ تركي مكون من كلمتين "قره"بمعني الأسود و"قوش" بمعنى النسر او العقاب.
هو: أبو سعيد بن عبد الله الاسدي الملقب ببهاء الدين قراقوش، والأسدي نسبة الى سيده الأول أسد الين شيركوه الذي رباه ودربه اولا ، ثم اصبح فيما بعد وزيرا لصلاح الدين الأيوبي، وقائدا مظفرا من قادته العسكريين في مواجهة الحملات الصليبية وغيرها ، وجنديا مخلصا وأمينا، وشهما شجاعا، ومهندسا حربيا منقطع النظير ، وله اليد الطولى في تثبيت اركان الدولة الايوبية ،وكان من أخلص أعوان صلاح الدين الأيوبي وأقربهم إليه. وكان مثالا كاملا للرجولة العسكرية إذا تلقى أمرا اطاع بلا معارضة ولا نظر ولا تأخير ، وإن أمر أمرا لم يرض من جنوده بغير الطاعة الكاملة لا اعتراض أو تأخير أو نظر.
لقد تبلورت شخصية بهاء الدين قراقوش وارتفع اسمه في ظلِّ قيادة سيده أسد الدين شيركوه (عم صلاح الدين) الذي اعتقه، وتوسم فيه النجابة والنبوغ، ثم في ظلِّ قيادة صلاح الدين التاريخية والانتصارات الحربية الباهرة التي قادها ضد الفرنجة (الصليبيين) وفي فتوح المغرب العربي.
كان بهاء الدين قراقوش متعدد المواهب فبالاضافة الى خبرته العسكرية، كان عقلية هندسية، وذا حنكه ادارية، وكان كذلك عالما، فقيها، قاضيا ، ورجلا صالحا تقيا.
كان حازما في اداء المهام التي توكل اليه، والحزم لا يعني التسيبب، ولا يعني الظلم، وانما الجدية في كل شيء، وهذا قدر ومسؤولية القائد الذي يريد ان يبني دولة متينة ثابتتة الأركان، فهو رجل دولة في الأدارة وفي الحرب، وهذا الحزم والجدية قد تجعل بعض الناس يتأففون منه ممن لا يروقهم مثل هذا التوجه ، من مثل اولئك الذين اعتادوا على التسيب، أو اولئك النفعية المنتفعين من بقاء الأوضاع كما هي حتى ولو كانت الأوضاع مأساوية لبقية الناس.
في اواخر الدولة الفاطمية ونشوب بعض الاضطرابات ،أحس الفاطميون بقرب زوال ملكهم (كان صلاح الدين وزيرا لهم آنذاك) فشرعوا يعبثون بنفائس القصر ويحملون منها ما يخف حمله ، ويغلو ثمنه، وبموت اخر خلفائهم (العاضد) استلم صلاح الدين الأيوبي زمام السلطة، وتولى ساعده الايمن القائد العسكري الحازم الأمير بهاء الدين قراقوش في تولى حماية القصر من عبث العابثين، واثبت امانة ونزاهة في موجودات القصر، وكان فيه من النفائس والمجوهرات ما لا مثيل له كما ذكر ذلك المؤرخون، فلم يفتنه الجمال ولا أغواه المال ووفى الأمانة حقها ولم يأخذ لنفسه شيئا ولم يدع أحدا يأخذ منها شيئا.
كما شرع في تثبيت واستقرار الحكم في الدولة الأيوبية الجديدة في مصر، واستطاع الأمير بهاء الدين قراقوش التعامل بحكمة وحزم مع المؤامرات التي كان يحيكها بقايا الفاطميين في مصر، بعد سقوط دولتهم، فازدادت ثقة الملك الناصر صلاح الدين به.
ولأن الدولة الأيوبية كانت دولة عسكرية الطابع؛ بحكم الاخطار التي كانت تحيط بها ،لذا اهتمَّ صلاح الدين بالتجهيزات العسكرية من مدِّ الجسور، وبناء القلاع والحصون، وإنشاء الأسوار، والقنوات المائية، وهي مجالات كان لقراقوش باع طويل في تنفيذها..
ما تزال كثير من منجزاته المعمارية ومنشئاته الهامّة في مصر حاضرة شاهدة إلى اليوم ، ، إذ أمر صلاح الدين وهو في غمرة قتاله مع الصليبيين بتحصين مصر، والقاهرة على وجه الخصوص بالقلاع والأسوار، وولّى على هذه المهمة، قراقوش، الذي أبدع في بناء سور القاهرة، والقلعة المتربعة على جبل المقطم (قلعة المقطم) وهي قاعدة عسكرية لا مثيل لها في منشئآتها وتحصيناتها - كما ذكر ذلك ابن كثير- وحفر البئر العجيبة فيها لتغذية القلعة بالماء، حيث ينزل اليها بدرج الى الماء منحوتة في الصخر بالكامل الى عمق 70 متر وهي غاية في الروعة والهندسة الانشائية المتقنة، كما أنشأ الجسور والقناطر والترع، مستفيداً من أساليب الفرنج في هندستها.
اعتمد عليه صلاح الدين في اصعب المواقف واحرج اللحظات، وكان يتولى ادارة شؤون مصر في حالة غياب صلاح الدين ، وحين احتاج الموقف العسكري تدعيم مدينة عكا (شمال القدس في فلسطين) باعتبارها هدف حيوي لهجوم الفرنجة عليها ، ارسل الناصر صلاح الدين مساعده قراقوش ليتولى مسؤليتها وتحصينها والدفاع عنها امام الهجمات الصليبية .
انها لثقة بالغة لدى الناصر صلاح الدين بالأمير بهاء الدين قراقوش، هذا الرجل المسكين الذي تشوه صورته اليوم! ويا لها من عظمة وكفاءة عالية كان يتميز بها هذا الذي ظلمه الأدب والتاريخ والناس!
ماهي اعماله ووضائفه الاخرى؟ وماذا عمل من اجل الدفاع عن عكا؟ ماذا قال عنه المؤرخون؟ من وثقه ومن ضعفه؟ ماهو مصدر (حكم قراقوش) ومن اساء اليه ولماذا ؟ وما اثر كتاب (الفاشوش في حكم قراقوش) في هذا الأمر ! ماهو دور الاعلام في طمس صورته الحقيقية كعظيم من عظماء الامة، وابقاء المزيفة؟
للموضوع بقية في الحلقة الثانية.