المشّاية المساعدة لكبار السن Rollatorn
كانت الشابة (آينا ويفالك Aina Wifalk) قد التحقت بسلك التمريض كمتدربة في مجال الرعاية الصحية وأجهزة ذوي الإحتياجات الخاصة. وبعد عامين من عملها اُصيبت بمرض شلل ألأطفال، الذي لم يُقعدها في البيت، وإنما واصلت مسيرتها المهنية في الرعاية الصحية مستندة في حركتها على العكازات. وأكسبها إجتهادها وطموحها وفترة عملها المهني، خبرة ثريّة.
في سنة 1957م تدربت على أعمال ألإستشارات النفسية، ثُمَّ أصبحت مستشارة في عيادة العظام في مستشفى مدينة (فيستروس Västerås) لتلتحق بعد ذلك كمستشارة لذوي الإعاقة في بلدية المدينة. وكرست جزءًا من إهتمامات عملها لتطوير الأجهزة المساعدة الموجودة آنذاك في الرعاية الصحية.
حتى بداية الربع ألأخير من القرن العشرين، لم تكن الوسائل المساعدة للمشي متاحة إلا قليلاً. ولم يكن أمام كبار السن، والأشخاص ذوي الإعاقة الذين يجدون صعوبات في المشي، إلا ما كان معتادًا من إستخدام العكازات الخشبية أو المعدنية.
طالما عانت آينا ويفالك أثناء المشي من العكازات التي إستخدامتها لفترات طويلة، وكانت تشعر بالإرهاق في الكتفين. فقد مضى على إستخدامها للعكازات قرابة 30 عام. ولكن، وذات يوم في إحدى جلساتها في المكتبة العامة، ولحسن الحظ، جلب إنتباهها عربة نقل الكتب ذات العجلات والمقابض الداعمة. فخطرت لها فكرة تطوير وسيلة مساعدة للسير على غرار عربة الكتب، وتكون بعجلات بدل العكازات. وهكذا إنطلقت الفكرة والدافع المُحفّز هو إحتياجها الشخصي. فشرعت بتصميم نموذج لجهاز يسهل تحريكه، ويكون في الوقت ذاته ثابتًا ومستقرًا أثناء الحركة ويستخدم في الأماكن المغلقة وفي الخارج. وإنتهت في سنة 1978 الى إنجاز نموذج أولي لتصميم المَشّاية (rollatorn)، وبمساعدة صندوق تنمية حكومي، وجدت آينا ويفالك شركة سويدية لإنتاج نموذج أولي، وبعد فترة وجيزة، وتديدًا في أوائل الثمانينات، أي بعد ثلاث سنوات من إنجاز التصميم ألأولي. بدأ الإنتاج الضخم لهيكل المشاية.
تأخر ألإنتاج بعد إنتهاء التصميم!.
ولنا أن نتسائل: لماذا تأخر إنتاج (rollatorn مشاية أصحاب الإعاقة) ثلاث سنوات بعد ان تم إنجاز التصميم سنة 1978م؟. ويمكننا ألإجابة حين نستقرئ واقع التأخير، ونُجمِلَه بالأسباب التالية:
1- لا بد أنَّ التصميم قد مَرَّ بمرحلة التجريب والتحسين: حيث كان التصميم الأولي بحاجة لاختبارات عملية مع مستخدمين حقيقيين (كبار السن وذوي إعاقة).. وما يتطلبه ذللك من تحسينات. فقد جرى تعديل الارتفاع، العجلات، نظام الفرامل، وجعل الهيكل أكثر ثباتًا لضمان الأمان.
2- ضرورة التأكد من متطلبات السلامة والجودة: فالأجهزة المساعدة للحركة تخضع لمعايير صارمة، خاصة في السويد وباقي الدول الإسكندنافية.، إذ كان لا بد من التأكد أن المشاية آمنة ولا تسبب السقوط أو الإصابات لأصحابها.
3- كان عليها التواصل مع الورش وشركات التصنيع بُغية العثور على جهة ما، تتولى أمر التصنيع: فآينا ويفالك لم تكن شركة أو مستثمرة، بل مصممة اجتماعية.. ولذا احتاج الأمر وقتًا لإقناع المُصَنّعين بأهمية المنتج وجدواه التجارية.
4- وربما نُضيف الى ماتقدم سببًا رابعًا، وهو عدم وجود ضغط تجاري على المُنتج في السوق: حيث لم يكن الهدف من تصنيعه تحقيق الربح السريع، بل حل مشكلة واقعية، مما جعل التَطوير يسير بوتيرة أبطأ وأكثر حرصًا.
Foto: Lennart Engström/Upplandsmuseet.
لماذا لم تحصل المخترعة آينا ويفالك على براءة إختراع؟.
من الواضح أنّ آينا ويفالك لم تقدم طلبًا للحصول على براءة إختراع عن تصميمها الذي يُعرف اليوم بـ (المشّاية، أو المُسَيّر، أو المُتجول rollatorn). الخاص بمساعدة أصحاب ألإعاقة وكبار السن. وهذا التساؤل غاية ألأهمية والتميز في قصة آينا ويفالك. حيث يبدو أنها تعمدت عدم التسجيل على براءة ألإختراع. وكان قرارها هذا، قرارًا إنسانيًا وأخلاقيًا نابعًا عن قناعة عميقة. وذلك لإيمانها بحق الجميع في الحركة، فقد كانت هي ذاتها تعاني من شلل الأطفال. ورأت ان أدوات المساعدة يجب ان لا تكون حكرًا لأحدٍ أو مصدر ربح، على حساب حاجة المحتاج. لقد تجاوزت حق المِلكيّة الشخصية، لإتاحة الفرصة لأكبر عدد ممكن من الناس المحتاجين لإستخدامه والإستفادة منه.
لقد أرادت تجنب رفع سعر المنتج، فبراءة ألإختراع عادةً ماترفع تكلفة الإنتاج. وهي أرادت أن يكون الروليتور متاحًا ورخيصًا لكبار السن حول العالم. وهذا يعني أنها لم تستفد من أرباح ضخمة مثلما يفعل أصحاب براءآت الاختراع التجارية.
كما أنها بعملها هذا كأنما أعطت الضوء الأخضر لتشجيع إنتشاره، وفتحت المجال أمام الشركات لتطوير التصميم وتحسينه بحرية كاملة. وكل هذه ألامور أدت لاحقًا لإنتشار الروليتور عالميًا. وظهر بأشكال متعددة، وطُرز مختلفة، منها القابلة للطي والمزوَّدة بفرامل قابلة للقفل. ومزودة بمقعد يُتيح للمستخدم الجلوس وأخذ قسط من الراحة،. وغدت المشّاية اليوم أمرًا بديهيًا وحقًا أساسيًا للأشخاص ذوي ألإعاقة. وأداة مساعدة تستخدم في جميع أنحاء العالم. لقد ساهمت المشّاية في تبسيط وتحسين حياة الكثيرين.
أما المُبتكرة آينا ويفالك فقد ساهمت في تطوير إجهزة اُخرى متعلقة ضمن أجهزة تأهيل أصحاب الإحتياجات الخاصة. كما ساهمت إسهامات جليلة في تأسيس عدد من الجمعيات ألخاصة بأصحاب ألإعاقات. مما يُعَبّر عن طموحها الهادف لجعل التفاعل المجتمعي والإندماج أسهل وأقرب في الوصول الى ألأشخاص ذوي ألإعاقة.