عُلَب الحليب Tetra Pak
المخترع إيريك ولِّنبري Erik Wallenberg: (1915م – 1999م).
شركة راوسينج لصناعة ألأكياس الورقية:
في عام 1929م أسس رجل الاعمال الصحفي (أريك أكرلوند Erik Åkerlund) وشريكه رجل الأعمال (روبن راوسينج Ruben Rausing). مصنعًا للكرتون والورق في مالمو، يحمل اسميهما (اُكرلوند وراوسينج Åkerlund & Rausing) وكانت شركتهما تهتم بصناعة أكياس لتعبئة الدقيق والسكر بوزن كيلو أو كيلوغرامان. وبعد فترة من الزمن أصبح (روبين راوسينج) المالك الوحيد للشركة. وكان يطمح لتطوير الشركة. وكان يتوقع ان يكون المستقبل زاهرًا للمواد الغذائية المعبئة بأكياس الورق. فجاءته فكرة تعبئة الحليب التي استوحاها من أمريكا، حيث كانت متقدمة في هذا المجال وكانوا يعلبون الحليب في أكياس ورقية. وكان الحليب وافرًا في السويد ويُسوَّق بكميات كبيرة (أنظر موضوع الحليب المجفف) وكان إنخفاض سعر الحليب من المتطلبات الحكومية وهو مدعوم منها، لذا شغلت راوسينج معضلة تعبئة الحليب وتسويقه بطرق بسيطة وآمنة وغير مُكلِفة. وكان الحليب يومها يعبأ ويُسوّق بقناني زجاجية، وكانت صناعة القناني الزجاجية مُكلفة، وثقيلة في النقل.
البحث عن البدائل:
في اربعينيات القرن العشرين، وتحديدًا في سنة 1944م، كان روبين راوسينج قد كلف موظفي مختبر الشركة البحث عن حل عملي لتغليف السوائل بعبوات ربما مربعة الشكل من الورق، رخيصة الثمن، يمكن وضعها على مائدة الطعام، بلا تسريب، وتستعمل لمرّة واحدة. وتكون أقل كُلفَة من إستخدام قناني الزجاج أو الأكياس الورقية التي لا يؤمن التسرب منها. ولكن تبين لاحقًا إستحالة إيجاد عبوة مربعة رخيصة بهذه المواصفات مع التكنولوجيا السائدة يومذاك.
المخترع إيريك ولِّنبري Erik Wallenberg:
كان المهندس الشاب (إيريك ولِّنبري Erik Wallenberg) أحد موظفي المختبر في الشركة، بصفة مساعد مختبر، ولم يكن قد مضى على تعيينه سوى ستة أشهر فقط. وصدف أن كان هو المسؤول الوحيد في المختبر بعد ان التحق رئيسه (روبين راوسينج) بالخدمة العسكرية. وفكرة تعليب الحليب بالورق لم تغب عن ذهنه.
الصورة: ويكيميديا كومنز، CC BY-SA 2.0
قصة النقانق وصناعة الهرم الرباعي:
كانت زوجة (إيريك ولِّنبري) تُجيد صناعة النقانق/ السجق. وقطعًا كان يلاحظ كيف تقوم بتعبئتها وإعدادها. وفي ذات مساء بينما كان (إيريك ولِّنبري) جالسًا بمفرده في البيت مريضًا يعاني من نزلة البرد ومن الحُمّى، وفي لمحة عبقرية خاطفة، لعله إستحضر فيها صناعة السجق، خطرت له الفكرة في تعليب الحليب بإستخدام ورقة واحدة تُلف إلى أنبوب أو إسطوانة تطوى من كلا الطرفين بحيث تكون الطيّات متعامدة مع بعضها فيؤدي ذلك لتشكيل هرم رباعي السطوح. حيث يُملأ بالحليب، ويُختم بما يمنع التسرب. فإن جُعلت الإسطوانة الورقية طويلة، فالمبدأ نفسه حيث يمكن تقطيعها للحصول على العدد المُراد من العبوات الهرمية، مما يقلّل إستهلاك المواد، ويخفض التكلفة والهدر، ويجعل التصنيع والنقل أسهل وأيسر.
الهرم رباعي السطوح:
هذا التصميم الهرمي رباعي السطوح الذي إبتدعه (إيريك ولِّنبري) من الورق الكرتوني، كان هو الحل الذي أعجب رئيس الشركة. ورأى أنه يحقق التغليف ألأمثل، ويستحق الإستثمار في تطويره. لتحقق الغرض المطلوب منه، كعُبوة رخيصة تستعمل لمرة واحدة لتعليب مختلف السوائل كالحليب والعصائر، ويمكن وضعها على المائدة. وأقل كُلفة من قناني الزجاج. كان الطريق الى النجاح شاقًا ووعرًا ولك وبمرور الوقت تم تذليل العقبات واصبح المنتج مقبولاً وناجحًا وأخذ هذا التصميم الناجح شهرة واسعة. ونجاحًا منقطع النظير. بل وأصبح فيما بعد إسلوبًا وأساسًا لإنتاج عبوات العصائر والعُلَب في الشركة.
براءة الإختراع وغمط المخترع حقه:
حصل مالك الشركة (روبن راوسينج) عام 1948م على براءة الإختراع بإسمه. وليس باسم المخترع (إيريك ولّنبري). وهذا كان يحدث أحيانًا لسببٍ أو آخر، في ان تُسجَل براءة الإختراع بإسم الشركة أو بإسم مالكها، وقد يكون في ذلك غمط لحق المخترع الحقيقي. ولكن وعلى إي حال، فقد مهّد هذا الإبتكار الطريق (لروبن راوسينج) في سبعينيات القرن الماضي ليصبح هو وعائلته واحدًا من أغنى أغنياء السويد. وبالمقابل لم يحصل إ(إيريك ولِّنبري) إلا على هدية مالية متواضعة جدًا لا تعدو أكثر من بضعة آلاف من الكرونات السويدية. ولكنه إستمر في أبحاثه لتطوير تقنية التغليف للسوائل بالورق المقوّى متعدد الطبقات، والمُبَطَن ربما بالنايلون أو الألمنيوم.
شركة تترا باك Tetra Pak:
في لوند أصبح إسمها (تترا باك Tetra Pak) بعد أن غيرت شركة (راوسينج) اسمها سنة 1951م الى (تيترا باك) وليتخذ إسم الشركة الجديد (تيترا باك) كعلامة تجارية, إنداحت في العديد من دول العالم، وغدت واحدة من أكبر شركات التغليف والتعبئة للمواد الغذائية في العالم. خاصةً بعد عام 1963م، بعد أن أطلقت منتجها عبوة الحليب التي لا تزال تستخدم حتى اليوم. والذي جعلها شركة عالمية رائدة ومتميزة.
روبين راوسينج من أمام أول ماكنة تعبئة تترا باك
جائزة الميدالية الذهبية:
من المفيد ان نذكر أنّ إ(إيريك ولِّنبري) قد تم تجاهله كمخترع لسنوات عديدة لاحقًا. وكان من حسن الحظ أخيرًا، أنَّ ألأكاديمية السويدية لعلوم الهندسة إتخذت خطوة إيجابية سنة 1991م، فمنحت المخترع (إيريك ولِّنبري) جائزة الميدالية الذهبية الكبرى، نظير إبتكاره الهندسي والتصميم التقني، الذي جعل إستعماله ممكنًا، ولتطويره لنظام التغليف في تيترا باك.
ما أهمية اختراع العلبة الهرمية؟:
الإختراع الهرمي ومن ورقة واحدة للتعليب كان شيئًا جديدًا، فأحدث نقلة نوعية في التعامل مع تعليب الطعام والمشروبات. إذ من المعلوم أنّ الأطعمة والمشروبات المباعة بكميات كبيرة في حاويات، تشغل مساحة أكبر، بالإضافة الى أنَّ التعامل معها يصبح من ناحية معايير الصحة أقل كفاءةً، وخاصة الأطعمة والأشربة السريعة التلف فحليب ألأبقار الطازج قصير الصلاحية، وحساس للحراة ونمو البكتيريا. فوفر الإختراع الجديد إمكانية الحفاظ على الكميات الكبيرة معبأة في عبوات كرتونية أصغر حجمًا، بعيدًا عن التلوث. كما وفر إمكانية تجاوز إستعمال قناني الحليب الزجاجية الثقيلة، وكُلف تصنيعها وأعباء النقل والشحن. ويلحق ذلك أن تنتفي الحاجة الى مرور القناني الزجاجية المُستَردّة بعد ألإستعمال في سلسلة طويلة من الإجراءآت في إعادة التدوير للإستخدام مرة ثانية من خلال غسلها وتعقيمها. فكل ذلك كان يستنفد الكثير من الوقت والجهد والتكلفة. والذي ربما بعد ذلك كله لا يتم الأمر على أفضل ما يُرتجى. فالحكومة بدعمها للحليب حريصة على أن تبقى أسعاره منخفظة وفي متناول الجميع.
تسويق المنتجات عالميًا:
في عام 2010، باعت شركة تيترا باك 154 مليار عبوة ورق كارتوني حول العالم. وتم إعادة تدوير 31 مليار عبوة، منها علب تغليف البيتزا، وعلب تعبئة العصير، وغيرها من الأنواع. ثُمَّ إنتهى المطاف بشركة (تيترا باك) بالإنضمام الى مجموعة (تيترا لافال Tetra Laval) التي تأسست حديثًا في عام 1993م. وأصبحت تيترا باك وصناعاتها جناحًا قائمًا بذاته تحت قيادة تيترا لافال. ويقع المقر الرئيسي (لتترا باك) في سويسرا. وتُعرف اليوم على أنها عملاق عالمي في تحديث صناعة ألألبان. وفي تصميم العبوات الورقية ووضع حلول، ومعالجات تغليف الأغذية، وتقدم مجموعة واسعة من منتجات الأغذية والمشروبات والتقنيات والخدمات. التي من شأنها جعل الغذاء آمنًا ومتوفرًا في كل مكان، وتضم أكثر من 24000 موظف يعملون مع العملاء المحليين حول العالم.
إنها إختراعات بسيطة، لكنها حقًا غيّرت العالم.