12- لماذا لم تَحظَ النساء بالشهرة والتكريم؟.
عطفًا على المقال السابق وقد بيَّنا فيه ألأثر الصناعي العالمي الذي أحدثه اكتشاف نيني كرونبيري في تحويل الحليب السائل الى مسحوق وبكلفة مقبولة وإنتاج غزير. وعلى ضوء ذلك قد يتبادر الى الذهن سؤال يتعلق بصاحبة هذا الإكتشاف المذهل: لماذا لم تَحظَ (نيني كرونبيري) كنموذج للعديد من النساء، بالشهرة العالمية والتكريم؟.
التحدي الذي واجهته المخترعة:
نيني كرونبيري كانت تعمل في فترة صعبة، خاصة خلال الحرب العالمية الثانية، حيث كانت هناك صعوبة في تخزين الحليب الطازج بسبب نقص وسائل التبريد والتوزيع. هذه الظروف حفزت إبداعها في إيجاد حلول تكنولوجية للتغلب على هذه التحديات. ورغم أنها قد لا تكون معروفة مثل بعض المخترعين الآخرين في التاريخ، إلا أن اختراعها ساهم بشكل كبير في تطوير صناعة الحليب، وشكّل نقطة تحول في مجال التغذية والصناعة الغذائية.. ومع ذلك فمن الواضح أنها لم تحظَ بشهرة كبيرة مقارنة مع بعض الأسماء الكبرى في العلوم والإختراعات.
لماذا لم تحظ بالشهرة والتكريم؟
في الواقع، هناك عدة أسباب محتملة لعدم حظوة نيني كرونبيري بشهرة عالمية كبيرة، بما يتناسب مع تأثير اختراعها الكبير على صناعة الألبان وتكنولوجيا الأغذية العالمية. وإليك بعض الأسباب التي قد تفسر ذلك، وقد تنطبق بعض هذه الأسباب على نساء اُخريات، عالمات ومخترعات في أماكن اُخرى من العالم، لم ينلن حظّهن من الشهرة. ولكن حديثنا هنا يتمحور حول نيني كرونبيري:
1- الظروف الاجتماعية والتاريخية:
قُبَيلَ منتصف القرن العشرين، عملت نيني كرونبيري في فترة كان فيها المجال العلمي الصناعي في غالبه مهيمنًا عليه من قبل الرجال. هذه البيئة الصناعية الخشنة جعلت من تحديها للأعراف الاجتماعية والتكنولوجية تحديًا مضاعفًا. حيث كانت النساء في العديد من الدول، بما في ذلك السويد، يواجهن صعوبات في الحصول على الاعتراف في المجالات العلمية والتكنولوجية. فقد كانت النساء غالبًا ما يُنظر إليهن في أدوار ثانوية أو مكملة، مما أثر على طريقة تقدير مساهماتهن.
2- التركيز على الشركات والمؤسسات وليس الأفراد:
إنَّ إختراع كرونبيري كان جزءٌ من تطوير صناعي، تم من خلال عمل شركات ومؤسسات كبرى. لذا، ربما تم تكريم الشركات الكبرى في المقام الأول على حساب الأفراد الذين عملوا وراء الكواليس. وحظيت الشركات التي تبنت التكنولوجيا ونجحت في استخدامها باهتمام أكبر من المخترعين أنفسهم.
3- عدم وجود دعاية كافية:
على الرغم من أهمية اختراعها، إلا أن نيني كرونبيري لم يُسَلّط الضوء على اختراعها كما فَعَل مخترعون آخرون. وقد يكون نقص نشاطها في التسويق الإعلامي حول إنجازاتها هو سبب آخر إنعكس على عدم تسليط الضوء عليها بالشكل المناسب.
4- غياب ألإشادة والتقدير للنساء في تاريخ العلوم:
تاريخ العلوم مليء بالعديد من النساء المبدعات اللائي قَدّمن اختراعات واكتشافات هامة، ولكن في كثير من الأحيان تم تجاهلهن أو نسيانهن في السجلات التاريخية. وفي حالة نيني كرونبيري هذه، كان الاختراع مهمًا، ولكن للأسف لم يكن هنالك اهتمام إعلامي كبير بتوثيق إنجازاتها مقارنة بما حدث مع مخترعين آخرين من الرجال.
5- التركيز على التكنولوجيا بعد أن أصبحت شائعة:
عندما بدأ استخدام الحليب المجفف على نطاق واسع، ودُمِجِ في الصناعات الغذائية، وبإنتشاره الواسع، أصبح جزءًا من حياتنا اليومية بطريقة "عادية" ومألوفة. وأصبح الناس يركزون على المنتج النهائي بدلاً من الاهتمام بالفرد الذي ساهم في ابتكاره.
6- عدم الاعتراف في وقت مبكر:
هناك احتمال أن نيني كرونبيري لم تحصل على التقدير الذي تستحقه في وقتها، وهو ما يحدث أحيانًا مع بعض المخترعين أو العلماء الذين لا يتم الاعتراف بهم إلا بعد مرور وقت طويل. وفي بعض الأحيان، قد تستغرق المساهمات العلمية والتقنية وقتًا أطول للوصول إلى الاعتراف العام بها. وقد يتم الإعتراف بالمخترعين أحيانًا بعد موتهم، ويمنحوا حينها الجوائز والشهادات التقديرية. وقد تقام لهم في ساحات المدينة والمراكز العلمية، أنصبة وتماثيل تذكارية.
7- التركيز على مجالات أخرى:
بشكل عام، يُلاحَظ على مستوى العالم، أن التركيز الإعلامي والتكريمات غالبًا ما تذهب إلى المخترعين في مجالات مخصوصة أخرى، مثل الطب أو الفيزياء، أو الكيمياء، أو الفضاء، ... في حين أن اختراع في مجال صناعة المواد الغذائية قد يتم النظر إليه على أنه "تطور صناعي بَدَهي" بدلاً من النظر اليه كإختراع ثوري. مما يجعل ألإهتمام بخبر التطور الصناعي أقل جذبًا للإعلام والجمهور في وقت من ألأوقات.
رغم كل هذا، من المهم أن نذكر أن اختراعها المذهل كان حاسمًا في تحسين الأمن الغذائي وخاصةً ما يتعلق بإنتاج حليب الأطفال المُجَفَف، وتوسيع صناعة الألبان العالمية. ولا يسعنا في النهاية إلّا ألإعتراف بأهمية ألإكتشاف، حتى وإن لم يتم تكريمها بالطريقة التي تستحقها.