ماريا يوهانّا (نيني) كرونبيري
مُخترعة الحليب المجفف Maria Johanna (Ninni) Kronberg
ولدت ماريا يوهانّا (نيني) كرونبيري في مدينة يافله (Gävle) شمال السويد عام 1874. وكانت ابنة قبطان بحر، ومالك للسفن، وتاجر الجملة في يافله Gävle فيكتور بيرجرين وزوجته كارولين لويز ستيوارت. فنشأت نيني كجزء من عائلة Berggren الشهيرة. وتلقت تعليمها على يد مربيات، ولذا لم تظفر بشهادة التخرج من المرحلة الثانوية، ولم تتقدم أبدًا لإمتحان القبول في الجامعة.
في عام 1896، عندما كان عمرها 22 سنة تزوجت في يافله من تاجر الجملة (Erik Kronberg) إيرك كرونبيرغ (تنطق كرونبيري)، فحملت لقب السيدة كرونبيري. لتدير منزلاً كبيرًا. وكانت من تَهوى الرسم وألأعمال الفنية والحرف اليدوية، كما كانت تعشق ركوب البحر والسفر فيه رفقة زوجها.
مدينة يافله وصناعة مشروبات الشعير:
كانت يافله مدينةً يكثر فيها صناعة مشروبات الشعير في القرن التاسع عشر، فقد كان من الطبيعي وجود العديد من مصانع الشعير في المدينة التي تُنتج شعير الجعة. ففي عام ١٨٩٨م، على سبيل المثال، كان هناك ما لا يقل عن اثني عشر مصنعًا للجعة (المشروب الكحولي وغير الكحولي)، وأربعة مصانع لإنتاج الشعير عاملة في المدينة. وكان مصنع عائلة كرونبيري من أكبر وأقدم المصانع.
في أغسطس ١٩١٥م، حيث كان إريك كرونبيري نفسه قد أصبح مالكًا لمصنع الشعير، الذي تولى إدارته بعد وفاة والده عام ١٩٠١م. أعاد تنظيم الشركة وتحويلها الى شركة ذات مسؤولية محدودة، فتأسست شركة مساهمة جديدة تضم مُصَنّعي جعة في ستوكهولم كمساهمين. وإحتفظ إريك كرونبيري بملكية غالبية الأسهم.
في أوائل عشرينيات القرن العشرين، وبسبب الأزمة الاقتصادية العالمية التي ضربت العالم بعد إنتهاء الحرب العالمية الاولى، في ذلك الوقت، أُفلست عدد كبير من الشركات والمؤسسات التجارية في يافله. كما تأثرت عائلة كرونبيري بالأزمة.
مصنع الخميرة:
بعد استنفاد أكثر من ثلثي رأس مال مصنع الشعير المتعثر، قرر مجلس الإدارة في مارس 1922 حل الشركة والدخول في تصفية. وهذا يعني أيضًا إغلاق جميع عمليات التصنيع والإنتاج. وبعد أن ظل مصنع الشعير مغلقًا لفترة، باع إيرك كرونبيري المبنى مقابل 185,000 كرونة لشركة الخميرة (AB Bästa)، وفي أكتوبر من العام نفسه، إنتقل الى العمل على أنشطة أُخرى، فقام بإفتتاح مصنع خميرة في مخزن الشعير القديم. وأسس بذلك على الفور شركة جديدة.
كانت زوجة ايرك السيدة كرونبيري قد إكتسبت خبرة بعمليات مصنع إنتاج الخميرة، ومن قبله في عمليات مصنع الشعير، مشاركة بذلك زوجها.
انفصلت عن زوجها في عام 1925م، وإنتقلت للعيش في Rydsgård i Skåne. ريدسغورد في سكونه جنوب السويد.
فائض الحليب في السويد:
كان لدى مربي حيوانات الحليب في ريدسغورد فائض من الحليب، حاولت الجهات المسؤولة في ريدسغورد البحث عن طريقة لحفظ الحليب دون جدوى. وكان الشأن ذاته تقريبًا في كل السويد حيث الوفرة في إنتاج الحليب، وهو منتج قابل للتلف السريع، ولم يكن متاح تصديره في ذلك الوقت بسبب نقص وسائل التبريد والتوزيع. ولكن ذلك لفت إنتباه نيني كرونبيري وأصبحت هذه القضية الآن محل اهتمامها، وشرعت في ألبحث عن بدائل تكنولوجية للتغلب على هذه التحديات. خاصة وأن لها معرفة مكتسبة من قبل، جلبتها معها من أعمال التطوير في مصنع الشعير، ومصنع الخميرة لاحقًا. وسرعان ماطورت خميرة "براكتيك". التي تم إطلاق إنتاجها من قبل شركة AB Practic Comp Ltd، هذه التي أسستها بالتعاون مع إحد الشخصيات المشهورة في المدينة. ثُمَّ طورت نيني مستحضرًا لمصل الحليب مخصصًا للاستخدام كمحسن للعجين، وحصلت على أول براءة اختراع لها باسمها عام1927م.
تحويل الحليب السائل الى مسحوق:
بالتأكيد كانت هنالك دومًا محاولات تُبذل من الشركات داخل السويد وخارجها لإنتاج حليب مجفف مستدام، لكن النتائج لم تكن مُرضية تماماً. فجاء مصل الحليب الذي إبتكرته نيني سبيلاً واعدًا ومُمهداً في صناعات الحليب، لتحقيق نجاحها الباهر في مجال تجفيفه وتحويله الى مسحوق غذائي للكبار والصغار، سريع الذوبان في الماء.
في أوائل ثلاثينيات القرن العشرين، وبعد سنوات من العمل المخبري والأبحاث في فسيولوجيا التغذية (1)، توصلت نيني الى طريقة لإستخراج الحليب المجفف عن طريق (رش) الحليب أي نفثه على شكل رذاذ في تيار هواء ساخن يجعل الماء يتبخر سريعًا من رذاذ الحليب ليترك وراءه مسحوق الحليب المجفف. وهذه العملية أتاحت إنتاج الحليب المجفف بكميات كبيرة وبتكلفة منخفضة مقارنة بالطُرق الأخرى في ذلك الوقت. حصلت المخترعة السويدية ماريا يوهانّا "نيني" كونبيري عام 1937م على براءة إختراع بعد أن استطاعت تطوير فكرتها لتكون طريقة جديدة محسنة لإنتاج حليب جاف أكثر إستدامة بالشكل الذي نستخدمه اليوم
أهمية ألإكتشاف:
شكّل إكتشافها للحليب المجفف نقلة نوعية في إمكانية الإستمرار في إنتاج الفائض من الحليب الطازج، وتحويله الى مسحوق. ليصبح منتج قابل للنقل والتخزين لفترات طويلة دون فقدان قيمته الغذائية. هذا الاكتشاف كان مهمًا جدًا، خاصة في أوقات الحروب، أو في الأماكن التي لا تتوفر فيها وسائل التبريد بشكل دائم لحفظ الحليب السائل.
تم إختبار الحليب المجفف بنجاح من قِبَل المؤسسة الغذائية المختصة. وحظي بالإشادة من قسم التموين في الجيش السويدي بعد التجربة العملية.
تصدير الحليب المجفف:
تم إختبار الحليب المجفف بنجاح من قِبَل المؤسسة الغذائية المختصة. وحظي بالإشادة من قسم التموين في الجيش السويدي بعد التجربة العملية.
بدأ الإنتاج في كيمستاد Kimstad (تقع الى الجنوب من نورشوبنج)، في الأول من سبتمبر عام ١٩٣٩م. وكان هدف ألإنتاج ألأساسي هو التصدير وخاصة الى بريطانيا التي وجدت أنه مناسب لتزويد مستعمراتها النائية به. ولكن اندلاع الحرب العالمية الثانية أدّى إلى توقف جميع الصادرات فعليًا. وبدلاً من ذلك، ورغم صعوبة التصدير في تلك الفترة، تَمّ توجيه الحليب المجفف للإستهلاك المحلي، لبعض المؤسسات الرسمية، ولإمدادات الطوارئ السويدية وفيلق المتطوعين السويدي في فنلندا. وشكل هذا نجاحًا ملحوظًا.
برعاية شركة الكترولكس السويدية:
بتمويل ومساهمة من شركة الكترولكس السويدية المشهورة، تم تأسيس شركة تحت إسم (منتجات الحليب "ألألبان" السويدية) Svenska Mjölkprodukter AB (SMP) عام 1938. لم تكن نيني كرونبيري عضوًا في مجلس إدارة (SMP)، ولكنها مَنَحَت الشركة ترخيص لتصنيع الحليب المجفف وفقًا لبراءة اختراعها. وحققت الشركة بداية جيدة، مما شجعها في عام ١٩٤٢، على إفتتاح مصنع آخر في بلدية غوتينه Götene في وسط السويد.
تأثير إبتكارات نيني كرونبيري على الصناعة السويدية وعلى العالم بشكل عام:
1- الذهاب بالحليب بعيدًا وتحجيم الهدر:
تعتبر نيني كرونبيري واحدة من أبرز الشخصيات في مجال الصناعة الغذائية، ولقد ساهمت اختراعاتها في تحسين الأمن الغذائي على مستوى العالم، كون الحليب مادة غذائية لا غنى عنها، وساهمت في زيادة الكفاءة في إنتاج الحليب وتوزيعه عالميًا. وتعتبر هذه التقنية حجر الزاوية للكثير من منتجات الألبان المجففة الحديثة التي نستخدمها اليوم.
2- التأثير على الأمن الغذائي:
لقد كان لنيني كرونبيري دور أساسي في معالجة مشكلة نقص الطعام في المناطق النائية أو في فترات الأزمات. حليبها المجفف كان يمكن تخزينه لفترات طويلة، مما جعله حلاً مثاليًا للأوقات التي لا يكون فيها الوصول إلى الحليب الطازج ممكنًا. هذه التقنية ساعدت بشكل خاص في توفير المواد الغذائية للمناطق الفقيرة أو التي تعاني من الكوارث.
3- تنوع الصناعات الغذائية:
بعد اختراعها، أصبح مسحوق الحليب المجفف جزءًا أساسيًا في العديد من الصناعات الغذائية، فدخل مثلًا في صناعة الحلويات، وصناعة الألبان، والعديد من المواد الغذائية الجافة، وحتى في صناعة طعام ألأطفال الرُّضَع.
4- تأثيرها على تطوير التكنولوجيا:
ابتكار نيني كرونبيري في تجفيف الحليب ليس فقط ابتكارًا في مجال الألبان، بل أرسى أسسًا لتطوير تقنيات جديدة في صناعة الأغذية بشكل عام، مثل تجفيف المنتجات الغذائية الأخرى باستخدام تقنيات مشابهة. كانت هذه التقنية نواة للعديد من التطورات الحديثة في صناعة المواد الغذائية المجففة. مما ساعدت على تحسين عمليات التصنيع وتجفيف المواد الغذائية الأخرى مثل العصائر والمواد الكيميائية.
5- التأثير على الاقتصاد السويدي:
نجاح اختراعها لم يكن فقط مفيدًا على المستوى التقني للشركة، بل كان له تأثير اقتصادي إيجابي على السويد نفسها. فصناعة الألبان في السويد استفادت بشكل كبير من اختراعها، مما جعلها من أكبر المصدرين للحليب المجفف في العالم، وبالتالي ساهمت شركة SMP في تنمية الاقتصاد الوطني السويدي.
ألشركة المشهورة عالميًا:
في عام 1963، غيّرت شركة SMP اسمها إلى AB Semper، وهي اليوم رائدة الشركات المشهورة عالميًا، وتركز في عملها بشكل رئيسي على صناعة مسحوق الحليب وأغذية الأطفال، فإذا ما ذُكرت (Semper) فإبتكار نيني كرونبيري هو ألأساس الذي قامت عليه الشركة وصناعاتها.
توفيت نيني كرونبيرج عن عمر يناهز 75 عامًا عام 1949.
على الهامش:
(1) الفسيولوجيا: هو العِلمُ الذي يَدرُس وظائف الأعضاء والأجهزة الحيوية في الكائنات الحية، سواء كانت إنسانًا أو حيوانًا أو نباتًا. يشمل ذلك دراسة كيفية عمل الخلايا والأنسجة والأعضاء والجزيئات الحيوية المختلفة وكيف تتفاعل مع بعضها البعض لأداء العمليات الحيوية المختلفة.