(إختراعات وإبتكارات سويدية من حياتنا اليومية)
كيف قفزت ثلّاجة بـ (الكترولوكس) الى العالمية:
قبل اختراع الثلاجة، كانت شركة إلكترولوكس (Electrolux) شركة سويدية طموحة تركز بشكل أساسي على بيع المكنسة الكهربائية التي ابتكرها مؤسسها الذكي (أكسل ونر-جرين (Axel Wenner-Gren). ورغم نجاح المكنسة، إلا أن الاستحواذ على تكنولوجيا الثلاجة السويدية عام 1923 كان المنعطف التاريخي الذي نقل الشركة من "شركة أجهزة ناشئة" إلى "عملاق صناعي عالمي للأجهزة المنزلية".
فكيف حققت الثلاجة هذه القفزة النوعية التاريخية للشركة؟. وسأحاول تلخيصها في أربعة مداخل:
1. قنص الفرصة واحتكار التكنولوجيا الثورية:
عندما ابتكر الطالبان السويديان فون بلاتين ومونترز (ثلاجة الامتصاص الصامتة) والتي لا تعتمد على أجزاء متحركة، أدرك أكسل ونر-جرين فوراً أن هذا هو مستقبِل المطابخ العالمية.
قامت إلكترولوكس بشراء براءة الاختراع وحقوق التصميم عام (1923م) قبل أن تضع الشركات الأمريكية أو الأوروبية المنافِسة يدها عليها.
هذا الاستحواذ منح إلكترولوكس ميزة احتكارية وتكنولوجية هائلة، حيث كانت تقدم الثلاجة الوحيدة في العالم المناسبة تماماً للمنازل (صامتة وآمنة تماماً بلا تسريبات غازية خطيرة).
2. غزو السوق الأمريكية والعالمية:
في عام 1925، أطلقت الشركة ثلّاجة طراز (D-Fridge)، وهي أول ثلاجة امتصاص منزلية تجارية.
لم يكتفِ ونر-جرين ببيعها في السويد أو أوروبا؛ بل أسس فوراً مصانع وفروعاً في الولايات المتحدة والمملكة المتحدة.
في أمريكا، حظيت الثلاجة السويدية بشعبية جارفة، لأنها كانت تعمل بالغاز أو الكهرباء بهدوء تام، متفوقة على التصاميم الأمريكية الصاخبة والميكانيكية في ذلك الوقت. هذا التوسع السريع ضخ سيولة مالية ضخمة في خزائن الشركة.
3. بناء شبكة تسويق وتوزيع أسطورية:
استغلت إلكترولوكس شبكة مندوبي المبيعات الذين كانوا يبيعون مكانسها الكهربائية من "باب إلى باب" للترويج كذلك للمنتج الجديد.
نجحت الشركة في الترويج للثلاجة. وتحولت الثلاجة من "رفاهية للأثرياء" إلى "ضرورة يومية" بفضل خطط الدفع المبتكرة والتسويق الذكي، الذي ركّز على حفظ الأغذية والصحة العامة.
هذا النجاح التجاري أسس لشبكة توزيع عالمية قوية وموثوقة، سمحت للشركة لاحقاً، بطرح أي منتج جديد بسهولة.
4. التنوع والتحول إلى "علامة المطبخ المتكامل":
الأرباح الخيالية التي جنيتها إلكترولوكس من بيع الثلاجات في عشرينيات وثلاثينيات القرن الماضي سمحت لها بـ:
الاستثمار والإستمرار في البحث والتطوير: لتقديم ابتكارات أخرى مثل أول ثلاجة مدمجة (توضع داخل خزائن المطبخ)، وأول غسالة ملابس منزلية.
الاستحواذ على المنافسين: بدأت الشركة في شراء شركات أجهزة منزلية أصغر حول العالم، مما وسّع محفظتها الإنتاجية لتشمل الطباخات، غسالات الأطباق، وأجهزة التجميد (Freezers).
عبقرية الجانب التسويقي:
عملية تحويل الثلاجة من "جهاز غريب باهظ الثمن" إلى "ضرورة لا غنى عنها في كل مطبخ كان التحدي الأكبر لـ أكسل ونر-جرين وفريق التسويق في إلكترولوكس. ففي عشرينيات القرن الماضي، كان سعر الثلاجة يعادل أحياناً ربع قيمة سيارة صغيرة، وهو مبلغ ضخم للعائلات المتوسطة. وكان على أكسل ونر-جرين وفريق التسويق إقناع العائلات بتبني الثلاجة في منازلهم رغم سعرها المرتفع آنذاك، فما هو الحل:
للتغلب على هذا العائق، ابتكرت إلكترولوكس استراتيجيات تسويقية ثورية غيرت مفاهيم البيع بالتجزئة. وتلخّصت الطريقة في أربعة محاور ذكية:
1. البيع بالتقسيط (اشترِ الآن وادفع لاحقاً):
· كانت إلكترولوكس من أوائل الشركات التي طبقت نظام البيع بالتقسيط المريح للأجهزة المنزلية على نطاق واسع. فبدلاً من مطالبة العميل بدفع المبلغ كاملاً، قسّموا السعر إلى مبالغ شهرية صغيرة تناسب ميزانية الطبقة الوسطى.
· رفعوا شعاراً تسويقياً عبقرياً مفاده: "المال الذي توفره الثلاجة بحمايتها للطعام من التلف، سيعوضك عن القسط الشهري"، وبهذه الدعاية الإعلانية تحولت الثلاجة في عين المستهلك من "مصروف" إلى "استثمار موفر".
2. سحر "الصمت المطلق" في المعارض:
بما أن الثلاجة السويدية تعتمد على تكنولوجيا الامتصاص (بلا محرك أو ضواغط)، فقد كانت صامتة تماماً مقارنة بالمنافسين الأمريكيين الذين كانت ثلاجاتهم تصدر ضجيجاً كالمصانع.
استغلت إلكترولوكس هذه الميزة في معارضها بطريقة درامية. حيث كانوا يضعون عملة معدنية واقِفة على حافة الثلاجة وهي تعمل ليثبتوا للجمهور أنها لا تهتز ولا تصدر أي صوت.
ركزت الإعلانات على مفهوم "الهدوء والسكينة داخل المنزل"، وهو ما جذب ربات البيوت اللواتي رغبن في جهاز لا يزعج راحة الأسرة.
3. اللعب على وتر "الصحة العامة" وسلامة الأطفال:
في تلك الحقبة، كان وعي المجتمع يزداد حول البكتيريا والأمراض الناتجة عن فساد الأغذية (مثل التسمم الغذائي الذي كان شائعاً بسبب وسائل التبريد التقليدية بالثلج الطبيعي).
ركزت الحملات الإعلانية لإلكترولوكس على صحة الأطفال، ونقاء الحليب بالتبريد بعيدًا عن التلف.
أظهرت الإعلانات أمهات سعيدات، وأطفالاً أصحاء، مع رسائل قوية تؤكد أن شراء الثلاجة هو بمثابة "درع حماية صحي" للعائلة، مما جعل الآباء يشعرون بالذنب إذا لم يوفروا هذا الأمان لأبنائهم.
4. جيش "من باب إلى باب" والتجربة المجّانية:
استخدمت الشركة شبكتها الأسطورية المتكونة من رجال البيع المباشر الذين يطرقون الأبواب. بشكل أكثر إيجابية، فَلَم يكن البائع يكتفي بالشرح، بل كان يقدم عرضاً لا يمكن رفضه يتمثّل في:
مَنح فترة تجريبية مجانية: حيث تترك الثلاجة في منزل العائلة، لبضعة أيام لتجربتها مجاناً، دون أي التزام بالشراء.
بمجرد أن تعتاد العائلة على شرب الماء البارد، وحفظ اللحوم والخضار، لأيام دون أن تفسد، وتذوق الآيس كريم المنزلي، كان من شبه المستحيل عليهم الموافقة على أن يأتي البائع لأخذ الثلاجة بعد انتهاء الأسبوع التجريبي. فينتهي الأمر بتوقيع عقد الشراء.
النتيجة بإختصار:
بفضل هذا المزيج بين العبقرية الهندسية السويدية والذكاء التسويقي، لم تبيع إلكترولوكس مجرد "صندوق معدني بارد"، بل باعت "نمط حياة حديث، صحي، ومريح". لقد كانت الثلاجة بمثابة "الوقود الصاروخي" لإلكترولوكس الى ألآفاق، هذا الأسلوب لم يفتح لها أبواب البيوت فحسب، بل فتح لها أبواب التاريخ لتصبح من روّاد الثورة الصناعية المنزلية.
فمن خلال تحويل فكرة أكاديمية سويدية إلى منتج تجاري عالمي، والنجاح في تنويع المنتجات وتأمين أرباح طائلة، جعل اسم شركة "إلكترولوكس" مشهورًا، ومرادفاً للأجهزة المنزلية حول العالم طوال القرن العشرين والى اليوم.
لماذا إستفزّت آينشتاين ثلّاجة السويد، وماردّة فعله؟. في الجزء القادم -إن شاء الله -.