(إختراعات وإبتكارات سويدية من حياتنا اليومية)
قصة اختراع غراء كارلسون
قصة اختراع غراء كارلسون (Karlsons Klister) هي واحدة من أشهر قصص النجاح في تاريخ الصناعة والابتكار السويدي، وارتبطت بشرارة مأساوية تحولت فيما بعد إلى أحد أهم المنتجات وأكثرها انتشاراً ورواجاً في السويد والعالم. يعرفه الكثير من الناس ولا يزالون يستخدمونه.
بداية القصة: الكارثة التي ولد منها الابتكار:
في عشرينيات القرن الماضي (تحديداً عام 1922م)، كان الكيميائي والمخترع السويدي أكسل روبرت كارلسون (Axel Robert Karlson) ينشط في ابتكار الدهانات والمواد الكيميائية.
تعرض مصنعه في منطقة أوبسالا (Uppsala) لشرارة حارقة؛ حيث اندلع حريق هائل أتى على كافة أرجاء المصنع وعلى خطوطه الإنتاجية ومخزونه. لم يبقَ بالكاد سوى كميات من أفلام السينما المحترقة حيث كان فيما يبدو يعمل لصاح دار سينما في إصلاح ألأفلام ألتالفة (أفلام السيليلويد Nitrocellulose films).
بدلاً من الخضوع وألإستسلام للخسارة، استغل كارلسون عقليته الكيميائية، واستحضر فكرة مبتكرة لإعادة تدوير تلك البقايا.
صرّحت زوجته للصحافة عام ١٩٧٤م أن زوجها أكسل كان يُحضّر باستمرار خلطاتٍ مختلفةً في المنزل عند حوض المطبخ: "كعادته، كان يقف هناك ويُجرّب كل شيء. كان يُعبث بالسماد والأسمنت والجص، وفجأةً صرخ. عندها عَرفتُ أن اختراعًا قد وُلد".
الابتكار والتركيبة الكيميائية:
لاحظ كارلسون أن مادة السيليلويد المصنوع منها فيلم السينما، إذا قمت بإذابتها في مذيبات كيميائية مثل الأسيتون (Acetone) وإيثيل الأسيتات، تعطي سائلًا لزجاً وشفافاً يُجف بسرعة شديدة، وله قدرة التثبيت والالتصاق الخارقة على الأسطح المختلفة (كالخشب، الزجاج، الجلد، البورسلين، والورق).
بعد عدة تجارب دقيقة، استطاع ضبط النسبة الكيميائية الصحيحة، وأنتج غراءً شفافاً، سريع الجفاف ومقاوماً للماء.
إختراعات اُخرى:
من بين اختراعات أكسل معجون الدهان العائم (المعجون السائل "سباكل"/ لتثبيت البورسلان والسيراميك والرخام ... على الأرضية والجدران)، وهو منتجٌ آخر حقق نجاحًا كبيرًا. ويُستخدم هذا المنتج اليوم على نطاق واسع في قطاع البناء.
ولادة الشعار الأسطوري: "الكل يستخدمه باستثناء الأغبياء!":
لم يكن نجاح المنتج يعود للتركيبة الممتازة فحسب، بل وللعبقرية التسويقية التي واكبت إطلاقه والمتَمَثّلة في ألإسم والشعار:
1. الاسم: أطلق عليه اسم (غراء كارلسون) Karlsons Klister، واستخدم في بدايته رمز الحمار كعلامة تجارية.
2. الشعار المثير للجدل: استخدم كارلسون شعاراً تسويقياً شهيراً ومستفزاً خُلُدَ في الذاكرة السويدية، ويقول: "Alla använda Karlsons Klister utom jag, för jag är en åsna!"
(الترجمة: "الجميع يستخدم غراء كارلسون ما عداي، لأنني حمار!")
كانت الفكرة: أن الحمار المرسوم على علبة الغراء هو الوحيد الذي لا يستخدمه، وبالتالي أرسلت الحملة رسالة سخرية غير مباشرة: "إذا لم تكن تستخدم غراء كارلسون، فأنت مثل هذا الحمار!". حقق هذا الإعلان نجاحاً باهراً وأصبح من أشهر شعارات الإعلانات في تاريخ السويد.
أثر المنتج وتطوره:
الانتشار العالمي: أصبح هذا الغراء الشفاف المادة المفضلة في كل منزل ومدرسة وورشة عمل في السويد والدول المجاورة لتصليح البورسلين، الخشب، والمجسمات اليدوية. غراء رائع متعدد الإستخدامات.
تغير المكونات لاحقاً: مع تطور التشريعات البيئية والأمنية، تم التوقف عن استخدام السيليلويد وأفلام النيتروسليلوز كمادة خام رئيسية لصنع الغراء (نظراً لقابليتها العالية للاشتعال)، وتبديل التركيبة بمواد بوليمرية أحدث وأكثر أماناً دون المساس بجودة الالتصاق.
الاستحواذ والإحتكار: تحول غراء كارلسون على مر العقود إلى علامة تجارية كلاسيكية، وحالياً تم تصنيعه وتوزيعه تحت مظلة شركات كيميائية أكبر (مثل مجموعة UHU / Bolton Group) مع الحفاظ على اسمه وشعاره التاريخي.
كيف تحول "كارلسون" إلى رمز ثقافي سويدي؟:
في الثقافة السويدية، لم يعد اسم "Karlsons Klister" مجرد أنبوب غراء، بل أصبح تعبيراً مجازياً يُستخدم في الحياة اليومية وربما في المفاوضات السياسة أو الرياضة، للتدليل على "الشيء" الذي يلتصق بشدة ولا يمكن الفكاك منه. وهو تعبير ليس إصطلاحًا رسميًا، بل تعبير شعبي مرتبط بالعلامة التجارية للغراء الذي اشتُهِرَ بقوة التصاقه.
عندما يريد السويديون وصف شخص أو شيء "يلتصق ولا يمكن التخلص منه"، قد يقولون:
Han sitter som Karlsons klister بمعنى: "إنه ملتصق مثل غراء كارلسون." أو بمعنى: "لا يفارقك أو لا يمكن التخلص منه". أو يقولون: Det är som Karlsons klister "إنه مثل غراء كارلسون." فتقال عن شيء يصعب نزعه أو التخلص منه، سواء كان شخصًا أو مشكلة أو عادة.
وهذا التعبير شبيه بالتعبير الشعبي عند العراقيين والذي يقول: "مِثل لزگة جونسون".