(إختراعات وإبتكارات سويدية من حياتنا اليومية)
بدون خبرة تِقَنيّة، صَنَعَ ثورة في المكانس الكهربائية:
نتحدث هنا عن قصة ابتكار مندوب مبيعات سويدي موهوب، دون أي خبرة تقنية متخصصة، إبتكاره للمكنسة الكهربائية التي ستصبح الأكثر تقليدًا في العالم.
إختراع المكنسة الميكانيكية:
قبل اختراع المكنسة الكهربائية، كان تنظيف السجاد يتم باستخدام مكانس يدوية مصنوعة من القش أو من جريد النخل، ثم تمّ إبتكار العديد من آلآلات الميكانيكية، البريطانية والأمريكية والتي تعتمد على الفُرَش الدوّارة مثلًا، وفي العموم كانت المكانس ضخمة جدًا وتزن عشرات الكيلوغرامات؛ بعضها كان يوضع على عربات تجرها الأحصنة خارج المنزل. وقد يتطلّب لتشغيلها شخصين أحيانًا، وكذلك آلات تعتمد على مضخات يدوية معقدة، قبل إدخال المحركات الثقيلة. وكانت الآلات الأولى تنفخ الغبار بدلاً من شفطه، مما يؤدي لتلوث الهواء الداخلي في الأماكن المراد تنظيفها. كما أنها آلات رأسية "عمودية" ثابتة وصعبة السحب.
اختراع المكنسة الكهربائية الأولى:
هوبرت سيسيل بوث (Hubert Cecil Booth): مهندس بريطاني يُعتبر المخترع الحقيقي لمفهوم "الشفط الكهربائي" حيث إخترع في عام 1901م، أول مكنسة تعتمد على الشفط الحقيقي للغبار وليس النفخ وكانت آلة ضخمة وبمحرك يعمل بالبنزين. وتُنقل بواسطة عربة تجرها الخيول لتقف خارج المنزل، وتُمد أنبوبًا أو خرطومًا طويلاً عبر النوافذ والأبواب!. واستخدمت عادة لتنظيف أماكن كبيرة مثل محطات القطارات والمسارح. وبإختراعه هذا يمكن إعتباره مؤسس فكرة المكنسة الكهربائية الشافطة.
إبتكار أول مكنسة كهربائية منزلية محمولة:
ألأمريكي جيمس موري سبانجلر (James Murray Spangler): كان حارس مبنى ويعاني من الحساسية من الغبار، اخترع عام 1907م جهازًا منزليًا يحتوي على: مروحة كهربائية صغيرة، وكيس قماشي للغبار، وفرشاة أو ماسك دوّار للسجاد. فكانت بمثابة أول مكنسة كهربائية عمودية محمولة.
سجّل براءة الاختراع عام 1908م، ثم باع براءة الإختراع وحقوق ألإنتاج إلى ابن عمه ويليام هوفر (William Hoover). الذي تولى تصنيعها وتطويرها في أمريكا، ليختص اسم "هوفر" بصناعة المكانس (العمودية) أكثر من غيرها من الصناعات المنزلية. لتنمو شركة Hoover سريعًا وتكتسب شهرة عالمية.
المكانس المبكرة (سواء بوث أو هوفر) كانت إمّا آلات ضخمة جدًا، أو مكانس رأسية ثقيلة (عموديّة). وهنا جاء دور أكسل وينر-غرين الريادي:
السويدي أكسل فينر-غرين:
المخترع ورائد الأعمال السويدي أكسل فينر-غرين (Axel Wenner-Gren) ولِدَ ودرس ونشأ في "أُديفالا" ثم انتقل للدراسة الجامعية في برلين، وعمل في احدى الشركات السويدية في المانيا والمتخصصة في بيع المعدات الزراعية. وأصبح أحد أمهر مندوبي المبيعات.
بدعم مادي من والده، تمكن من شراء حصّة في شركة ألمانية لتصنيع الآلات الزراعية. فكان يجوب البلاد بدراجته النارية على الطرق الريفية، مُروجًا ومُسَوّقًا للآلات الزراعية التي تنتجها الشركة، بالإضافة الى صناعات اُخرى سويدية. ولأن مهمّته هذه لم يجدها توفر له فرص التطور التي كان يحلم بها، باع حصّته في الشركة بمردود مادي جيد، ليواصل رحلته إلى إنجلترا أولاً، ثم إلى أمريكا. يحدوه ألأمل في أن يستثمر في الشيء الصحيح، وبالطريقة الصحيحة.
وكيل ألمنتجات الأمريكية في أوروبا:
في عام 1908م، وصل إلى نيويورك وكان مايزال شابّاً في السابعة والعشرين من عمره. ولكن لم تَسر الأمور معه على مايرام. فقد واجه المزيد من التعقيدات والمصاعب. فقرر العودة إلى ألمانيا كوكيل تجهيز محركات زراعية أمريكية، وفعلاً حقق مبيعات جيدة. ولكن طموحه بقي أكبر من كونه وكيل لتسويق محركات زراعية.
بحكم تنقلاته العديدة في أنحاء أوروبا، كوكيل ومندوب مبيعات، مرَّ ذات ذات يوم من أمام واجهة متجر في فيينا، حيث رأى المنتج الأمريكي الجديد المذهل في حينه، المكنسة الأمريكية Santo والتي كانت ثقيلة، وضخمة جدًا، تزن 20 كيلوغرامًا، أو أكثر، ويبلغ سعرها 500 كرونة سويدية، أي ما يعادل نصف راتب عامل لمدة عام. فسعى لأن يصبح وكيل الشركة الأمريكية، فأرسل برقية فورية إلى الشركة يطلب فيها أن يصبح وكيلها العام في أوروبا. وبالفعل حصل على ذلك وحظي بنسبة 20%، وأصبح فينر-غرين مسيطرًا على ألسوق الألمانية الى حين، لأنه أقدم بعد ذلك على بيع وكالته وحصّته، ودُفع له مقابل ذلك بسخاء.
قراءة السوق السويدية والعالمية:
في عام 1911م، كان يفكر في خوض مغامرة بإستثمار المبلغ الكبير الذي توفّر عنده، والذي بلغ قرابة 540 الف كرونة. ومع أنه لم يكن مهندسًا ولكن بحكم نباهته وخبرته السوقية، أدرك أكسل فينر-غرين القيمة التجارية للمكنسة، وأن هناك فرصة كبيرة إذا أمكن تطويرها وجعلها مكنسة أخف وزنًا، وأصغر حجمًا، وأسهل استعمالًا. فجاء فينر-غرين إلى المهندس (سفين كارلستيدت Sven Carlstedt) في شركة (إليكتروميكانيكا Elektromekaniska) عام 1912 بفكرة تطوير مكنسة كهربائية مزودة بتوربين لزيادة كفاءة تدفق شفط الهواء، وتحسينات اُخرى، وبالفعل كان المهندس كارلستيد شريكا مهمًا في تطوير المكانس الكهربائية في مراحلها الأولى. فتم العمل الجاد، وإنجاز نموذج تصميم أولي أخف وزنًا وأقل تكلفة.
تخفيض الوزن والحجم:
إتصل فينر-غرين بشركة (لوكسLuxfabriken) المتخصصة في تصنيع مصابيح الكيروسين وأدوات ألإنارة، ووقع معها عقدًا يمنح فينر-غرين حقوقًا حصرية، لتصنيع تصميم المكنسة مقابل ضمان مبيعات سنوية قدرها 500 آلة. وبدأ إنتاج المكانس الكهربائية المنزلية في مصنع شركة لوكس Lux السويدية الواقع في (لِيلّا إسينغن Lilla Essingen) (1). وتصنيع المكنسة تحت إسم (Lux I)، وقامت إليكتروميكانيكا بتوريد المحركات. وانخفض وزنها إلى حوالي 14 كيلوغرامًا، وهو وزن كبير بمعايير اليوم ولكنها كانت أسهل بكثير في الاستخدام. فكانت أول مكانس كهربائية تبيعها لوكس.
مكنسة Lux I الأولى لعام 1912. Källa: Electrolux Group
نجاح وإخفاق في حركة السوق:
بِحُكم علاقاته الواسعة وتنقلاته في ألمانيا وفرنسا وإنجلترا. كانت الطلبات من هذه الأسواق على المكانس مستمرة الى درجة أن شركة لوكس واجهت صعوبة في مواكبة عمليات تسليم الطلبات، وأمام زخم الطلبيات، كان الطريق فيما يبدو مطلع عام ١٩١٤م، مُمَهّدا أمام رائد ألأعمال مدير المبيعات البارع فينر-غرين لتصبح الشركة عالمية. لكن سرعان ما إندلعت الحرب العالمية ألأولى عام 1914م، وإستجدت ظروف حادة تتعلق بالتضخم والشحن والتسويق، فشكّل ذلك انتكاسة قاسية لتجارته بالمكانس عالميًا.
المكنسة النموذج المثالي:
في نهاية المطاف، وبحكم الظروف الدولية،عاد من جديد الى إسلوب التجارة الأول من خلال الزيارات الميدانية المنزلية. ومع ذلك لم يتخلَّ مع المهندس كارلستيدت عن الإستمرار في تطوير تصاميم المكنسة، حتى إنتهيا الى إنتاج ما عُرف بـ "النموذج الخامس”Modell V والذي سيتم تصنيعه في مصنع شركة (لوكس)، وكانت تلك قفزة نوعية في التصميم والصناعة بحيث أصبحت الحل الأمثل لمعظم طلبات العملاء.
ابتكار المكنسة الأفقية:
في عام 1921م، أطلق نموذج Model V الشهير، وهو أول مكنسة أفقية مناسبة في حجمها، ومريحة في إستعمالها، تستقر على زلاجات معدنية يسهل على ربات البيوت جرّها خلفهن على الأرض وكان محركها قويًا بما يكفي لتوفير أفضل قوة شفط من أي مكنسة اُخرى في السوق. ومُزودة بخرطوم مرن. هذا التصميم أصبح المعيار العالمي للمكانس، للسنوات والعقود التالية، وهو ما نطلق عليه اليوم "المكنسة الحديثة". حيث نجح التصميم بنقل المحركات من أحجام صناعية إلى أحجام منزلية صغيرة، جهاز كهربائي، ويعتمد على محركات صغيرة وآمنة، تُدار بشخص واحد، يمكن حملها، وسحبها بيد واحدة دون مجهود. فهي خفيفة الوزن، ومصممة للتخزين داخل المنزل والتنقل بين الغرف والأروقة بسهولة. تعتمد شفطًا قويًا مع أكياس وفلاتر لحجز الأتربة داخل الجهاز. Källa: Electrolux Group
تأسيس شركة إلكترولوكس (Electrolux):
أسس فينر-جرين شركة إلكترولوكس عام 1919، بدمج شركة الكتروميكانيك وشركة لوكس. واستخدم أساليب تسويق مبتكرة (مثل البيع المباشر والعروض المنزلية المباشرة) لجعل المكنسة جزءًا أساسيًا في كل بيت. فأحدثت ابتكاراته التسويقية تحولًا جذريًا، حيث تحولت المكنسة من خدمة ترفيهية تشتريها العائلات الثرية عبر شركات تنظيف خارجية إلى أداة منزلية شخصية يومية.
الدور الريادي الذي قام به المبتكر السويدي أكسل وينر-جرين في تطوير المكنسة الكهربائية الحديثة وجعلها جهازًا منزليًا لا غنى عنه، يكون بالفعل في موقع الشخصية المحورية التي أحدثت ثورة في صناعة المكنسة الكهربائية، بنقلها من مجرد آلة ضخمة غير عملية، إلى جهاز منزلي عملي خفيف، متاح للاستخدام اليومي. وعليه، يمكن بحق إعتبار رجل ألأعمال مندوب المبيعات المُسَوّق السويدي الموهوب أكسل فينر-جرين «أبو المكنسة الكهربائية الحديثة ألأوّل» من الناحية التجارية والصناعية.
الهامش:
(1) تأسست AB Lux في 1901م، وهي شركة مساهمة، وكان نشاطها الأول صناعة وبيع المصابيح ومصابيح الكيروسين المتطورة وصناعات أخرى منها تقنيات المنارات. ولم تكن في الأصل شركة تصنيع مكانس كهربائية. ومع انتشار الكهرباء وتراجع أهمية مصابيح الكيروسين، بدأت Lux تبحث عن منتجات جديدة، ومن هنا دخلت عالم المكانس الكهربائية.
Källa: Electrolux Group