عيدان الثقاب (الكبريت الآمن): Safety matches
كان استخدام عيدان الثقاب المغموسة في مادة الفسفور لإيقاد النار، صناعة قد عُرفت منذ الثلث الأول من القرن التاسع عشر. حيث انتج طالب الكيمياء الفرنسي (شارل ساوريه) أول عود ثقاب يشتعل عند إحتكاكه بأي سطح، مستخدمًا مادة الفسفور لرأس عيدان الثقاب. وإعتبرت هذه الطريقة يوم ذاك وسيلة سهلة لإيقاد النار. بيد أنها كانت تحمل في ثناياها خطورة كبيرة. لأنها عيدان برؤوس متتشكلة من محلول، أو مُركّب كيميائي هو: (ثالث كبريتيد الفسفور) وكان ينبعث منها عند إشتعالها ابخرة وغازات، تؤدي الى مرض مميت وهو: (تهتك عظام الفك). وكان رأس عود الثقاب سريع الإشتعال عند حكه بأي سطح خشن، حتى عند إحتكاك رؤوس العيدان ببعضها. وهذا يعني إمكانية إشتعالها عند وضعها في الجيب فَيُحرِق المرء نفسه وملابسه ، أوعند تعبئتها في صندوق أو علبة. وبالتالي فإن حملها أو التعامل معها بدون حيطة، قد يُعرّض الإنسان لمخاطر جَمّة (له، ولمن، ولما) حوله. فلم تكن عيدان الثقاب أمنة، ولا توفر السلامة لحاملها.
علبة الكبريت القاتلة:
على مَر السنين، انتجت العديد من المصانع، اعواد ثقاب بخلطات ومواد كيميائية مختلفة. ولكنها كلها باءت بالفشل من حيث الكفاءة والتعامل الآمن معها. وغالبا ما كانت سببا في ظهور الأمراض القاتلة، بسبب الأبخرة والأدخنة السامة المنبعثة عند إشتعال أعواد الثقاب، تلك الأبخرة والأدخنة المتشكلة من مُرَكّبات الفسفور السّامة. فأغلقت بعض المصانع بسبب أوضاعها الإقتصادية، بسبب الضرائب الباهضة، على منتج لا يحمل ألأمان ولا السلامة الكافية للمواطنين. والبعض الآخر أغلق بأوامر رسمية لثبوت تعرض الناس للتسمم ولأمرض قاتلة وإنتشار أوبئة مرتبطة بالأبخرة المتصاعدة من إحتراق المواد الكيميائية التي تحملها رؤوس أعواد الثقاب.
المخترع السويدي:غوستاف أريك باش:
في خضم البحث في الولايات المتحدة وفرنسا وروسيا وغيرهم من البلدان، عن بدائل أمنة للمواد والخلطات الكيميائية، التي تم تجريبها، وأثبتت خطورتها كمنتج للإستعمال البشري. كان النجاح حليف الكيميائي السويدي: غوستاف إريك باش Gustaf Erik Pasch عام 1844م ، وذلك بإكتشافه لأول نوع من أعواد الثقاب ألآمنة. بإستخدام مُرَكّبات غير سامّة كـ (كلورات البوتاس). حيث ترصف العيدان في علبة (صندوق صغير) ويكون أحد جوانب الصندوق، أو كلا جانبي الصندوق، ذو طبيعة معينة متشكلة من خليط من مُرَكّبات (الفسفور والرمل) يكون مخصصًا للقدح عليه. ومع أن المُنتَج ناجح، إلا ان الطلب عليه كان محدودًا، والإشهار عن كفاءته لم يكن بالمستوى المطلوب. فتوقف إنتاج المصنع. ومات المخترع السويدي غوستاف إريك باش فقيرًا.
الإنتاج والتسويق الواسع:
بدأ رجلا الاعمال السويديان الأخوان: يوهان إدورد لوندستروم Johan Edvard Lundström ، وشقيقه الأصغر كارل لوندستروم Carl lundström عام 1852م، في تطوير وإنتاج ما توصل اليه مواطِنهم السابق غوستاف إريك باش لأعواد الثقاب الآمن، وبجودة أفضل، وعلى نطاق أوسع. وهكذا مضت دولة السويد في إنتاجها الواسع على هذه الشاكلة. وأحدث هذا فارقا مهمًا للإقتصاد السويدي.
هيمنة أعواد الثقاب السويدي على أسواق العالم:
في أوائل القرن العشرين أنشأ رجل الأعمال السويدي (إيفر كريجر) شركة سويدية عالمية لإنتاج أعواد الثقاب وهي شركة لها إمكانيات مادية كبيرة حيث تتوافر على اصول وأطيان وغابات واسعة، فأدارت عددًا من مصانع أعواد الثقاب حول العالم في نحو 40 دولة. وبذلك إستحوذت على حصة كبيرة في رفد الإنتاج والتصدير الدولي، وهيمنت على معظم الإنتاج العالمي من أعواد الثقاب. ولسنوات طويلة تالية. وربما كانت نسبة 75% من جميع أعواد الثقاب المباعة في العالم كانت تأتي من السويد.
صمود الصناعة السويدية:
في سنة 1929م، ومع الركود الإقتصادي، الذي أصاب العالم الرأسمالي، وانهيار سوق الأسهم الأمريكية، وبورصة وول ستريت، وسوق الاوراق المالية العالمي ، نتيجة تفوّق العرض على الطلب بشكل غير مسبوق. تعرضت أحوال (إيفر كريجر) لهزة ماليّة عنيفة، لم يستطع معها المقاومة وتحمّل الخسارة، فأقدم على الإنتحار عام 1933م. إلا ان شركة أعواد الثقاب السويدية إستطاعت بعد بضع سنوات من الصمود، والسيطرة على صناعة اللهب مجددًا، وواصلت عملها بنجاح في ظل إدارة جديدة.
إختراع جدير بالثقة:
قد يظن البعض ان إختراع عود الثقاب الآمن لا ينبغي له كل هذا الإهتمام . ولكن استحضار أكثر من قرنين من الزمان مرت عليه في مراحل تطويره. واستذكار ألأوبئة والأرواح التي قضت بسبب ابخرته السامة في مراحله الأولى، فضلاً عن الحرائق الناجمة عن سوء الإستعمال . كل ذلك مؤشر على أهمية النتيجة النهائية، التي وصل اليها المخترع السويدي غوستاف أريك باش، مُمَثَلَة في شُعلة عود الثقاب الآمن.