شروط الامامة:
نطق اللسان:
عادةً ما تنص دساتير الدول على صفات ومؤهلات وصلاحيات رئيس الدولة، سواء اكان النظام ملكيًا، أو أميريًا أو رئاسيًا، أو برلمانيًا، أو غيرها من الأنظمة، فقد حددت الدساتير الكثير من الأمور المتعلقة بالمرشح للمنصب، كالسن مثلاً، والتحصيل العلمي، ومدة الحكم، وغيرها من القواعد الدستورية. لذا حينما نستعرض آراء فقهاء الأُمة في شروط ومؤهلات الحاكم ضمن نظرية الإسلام السياسية، فذلك مؤشر الى أنهم سبقوا دساتير الدول في بحث أدق التفاصيل في تلك الصفات والمؤهلات. وبما أنَّ البحث علمي أكاديمي، فيستوجب إستيفاء أكبر قدر ممكن من أراء وأقوال العلماء والفقهاء، ولذا عمدنا الى أن نعدد ونكرر ذكر جملة من الفقهاء في الجزئية الواحدة لكي تكتمل الرؤية، ثُم إقتصرنا غالبًا عليهم لأنهم تقريبًا الفقهاء ألأبرز وألأشهر الذين خاضوا في مباحث الحُكم (الإمامة). ونُنَوّه مجددًا الى إننا نستخدم الفاظ: الحاكم الأعلى/ الإمام/ الرئيس/، كصفات لمسمّى واحد.
فقدان حاسة النطق:
نبحث اليوم فيما ذهب اليه الفقهاء عن فقدان الحاكم لنطق اللسان، بما يعني عدم القدرة على النطق عند الخطاب، وتجوزًا إعتبرناها حاسّة كون اللسان حاسّة مرتبطة بالذوق، وسيأتي الحديث عن الذوق في آخر البحث. وعن فقدان حاسة النطق باللسان أقول: اتفق العلماء على منع ابتداء العقد به، لأنّه صارف يؤثر في التدبير والعمل، كما يؤثر (العمى)، ويكفي لبيان مدى الإتفاق ان نستعرض بعض من قالوا به.
فقد ذكر الجويني ذلك، وقال تصريحا بأن الأخرس لا يصلح للإمامة (5)، وقال بذلك الماوردي (6) والفرّاء (7)، والقلقشندي (8)، وابن حجر الهيتمي (9)، والرملي (10)، والطحطاوي(11)،
والبهوتي (12)، وزكريا الانصاري (13)، وابن الازرق الاندلسي (14)، وهو ما يُفهم عن ابن عابدين كذلك (15)، رغم انه لم يصرّح به، والذي يؤيّد ما نورده عنه، هو انّ ابن عابدين مَنَعَ ابتداء عقد الإمامة لمن كانت إصابته اخفّ من الخرس الكلي، كالفأفأة والتمتمة فمن باب اولى ان يمنع ما هو أشد.
ويوجه العلماء هذا المنع، بأن كمال الوصف بوجود العلّة مفقود، والمتصف بهذه الصفة لا يصلح للسياسة، لأن في ذلك فوات مصالح الامّة، لكونه معدوم القدرة على النطق والخطاب، من ثم يتأتى منه فصل عاجل للامور بالنطق المفهوم. ثم انه محتاج لغيره غير قائم بنفسه، وبِعلّته هذه يُمنع من ولاية القضاء وهي دون الامامة. وعلى ذلك يتفق هذا المذهب مع ما يجب مراعاته أصلا من وجوب اشتراط السلامة الكاملة في الابتداء.
عند الاستدامة:
اختلف العلماء في استدامة الإمامة بطريان الخرس على ألإمام، بين مانع ومؤيد.
فالماوردي (16) ذكر اختلاف العلماء في المسألة، واختار القول بإستدامة الإمامة، ووافقه على ذلك الفَرّاء (17)، وإحتجّا بأنّ الاشارة تقوم مقام الخرس، فراعيا في قولهم هذا اشتراط السلامة الكاملة في ابتداء الامامة، وفي الخروج منها نقصًا كاملاً. وخالفهم الرأي الطحطاوي (18)، وقال بإنعزاله فيما اذا طرأ عليه طارئ الخَرَس. كما ذكره الهيتمي (19)، معتبرًا ألإصابة به مانعه من الدوام. ويمكن اعتبار ابن عابدين (20)، من القائلين بالقول الأخير، لما قدّمنا من رأيه في وجوب توفر سلامة كاملة من الاعذار، حيث منع الابتداء للمصاب بالفأفأة والتمتمة.
واحتجوا لرأيهم بأنّ العارض مؤثر في التدبير والعمل، وأنّ طريانه يفوّت حصول المقصود من الامامة. وهو ما نراه انسب وأوفق لحال الامام من وجوب توفر كمال الصفة في الإفهام، وإتخاذ القرارات السريعة، والتوجيه بالنطق والخطاب، خاصّة وأنّ ذَلاقة اللسان، وسرعة البديهة، غَدَت عاملاً اساسيًا، وذات اثر فعّال في العلاقات العالمية (الدبلوماسية)، والمفاوضات الدولية. وألامام لا غنى له عن الصوت للنقاش والمجادلة، وتقليب وجهات النظر واتمام المفاوضات.
التمتمة:
اما تَمتَمة اللسان فيذكر الماوردي (21) أنّه لا يخرج بها من الامامة اذا حدثت، ولا تمنع من ابتداء عقدها معها، ولأبي يعلى الفراء (22)، قول مشابه لهذا، كما يوافقهما عليه البهوتي (23)، في حين يورد القلقشندي (24)، اختلاف العلماء في المنع وعدمه فقط، دون تحديد او ترجيح لأحد المذهبين او لأدلة كلا القائلين به.
واحتج اصحاب هذا المذهب بأن نبي الله موسى (عليه السلام) لم تمنعه عقدة لسانه عن النبوة فأولى ان لا تمنع من الامامة لأن الامامة اقل رتبة وفضلا من النبوة
اما الممانعين من ابتداء عقدها واستدامتها كإبن عابدين (25)، فقد أعتمدوا وجوب السّلامة والصحة الكاملة للامام. وهذه العلّة نقص يخرج به عن حال الكمال. ورأى الممانعين فيما يبدو أصح من الراي الاول لما يجب ان يكون عليه حال الامام من الفصاحة والبلاغة في كل صيغ تعامله من توجيه وامر، وإلا فسيكون عرضة للسخرية والاستهزاء وضعف الهيبة بعاهته.
حاسّة الشم والذوق:
فُقد الشم بأن يكون الحاكم أخشم الأنف، لا يدرك به شم الروائح. أما الذوق فهو عجز اللسان عن التفريق بين الطعوم او الماكولات. ولم يُؤثَر عن احد من العلماء خلاف في انّ هذين النقصين لا يؤثران في عقد الامامة، لا ابتداءً ولا استدامةً، إن وجِدَتا او فُقِدَتا، ذلك لأنهما يؤثران في اللّذة الشخصية للمصاب بهما فقط، ولا يؤثران في الرأي والعمل، والى هذا التوجيه ذهب الماوردي (26)، وتابعه عليه ابي يعلى الفَرّاء (27)، والبهوتي (28)، والجويني (29).
المصادر والمراجع:
1- ألأحكام السلطانية 21.
2- غيّاث ألأمم 77.
3- نهاية المحتاج 7 / 410.
4- كشّاف القناع 6/ 159.
5- غيّاث الأمم في التياث الظلم 77.
6- الاحكام السلطانية 18.
7- الاحكام السلطانية 21.
8- مآثر الأنافة 1/ 33.
9- تحفة المحتاج 9/ 76.
10- نهاية المحتاج 7/ 410.
11- حاشية الطحطاوي على الدر 1/ 239.
12- كشّاف القناع 6/ 159.
13- اسنى المطالب 4/ 108.
14- بدائع السلك في طبائع الملك 1/ 95.
15- حاشية رد المحتار على الدر 1/ 55.
16- الاحكام السلطانية 18.
17- الاحكام السلطانية 21.
18- حاشية الطحطاوي على الدر 1/ 239.
19- تحفة المحتاج 9/76.
20- حاشية رد المحتار 1/ 550.
21- الاحكام السلطانية 18.
22- الاحكام السلطانية 21.
23- كشّاف القناع 6/ 159.
24- مآثر الانافة 1/ 34.
25- حاشية رد المحتار 1/ 550، وانظر كذلك المرجع السابق والاحكام السلطانية للماوردي ص18.
26- الاحكام السلطانية 18.
27- الاحكام السلطانية 21.
28- كشّاف القناع 6/ 159.
29- غيّاث الاُمم 77.