أولاً: صفات ألإمام المتعلقة بالحواس:
الحاسّة الاولى: حاسّة البصر:
من الجدير بالتذكير مانوهت عنه سابقًا من أنّ مباحث الإمامة (رئاسة الدولة) في أساسها من المباحث الفقهية عند أهل السنّة، ولكن ولأن أصحاب الفرق وخاصة الشيعة طرحوها في مباحثهم ومناقشاتهم من خلال علم الكلام، وكقضية عَقَدية. فقد إضطر أهل السنّة مجاراتهم في تناول الموضوع وفق ذلك، للرد على شبهاتهم ودحض حُجَجهم، من خلال اللجوء الى علم الكلام، وثيق الصلة بالقضايا الإعتقادية، انظر الفصل الأول. والفصل السابع.
1- فقدان حاسة البصر:
والذي عليه الكثير من العلماء ان فقدها اطلاقا، يمنع من عقد الإمامة ابتداءً، فان طرأ العمى بعد العقد، مَنَع استدامتها.
وقد قال به تصريحا، ابو يعلى الفراء (1)، والماوردي (2)، والقلقشندي (3)، والرملي (4)، وابن الازرق الاندلسي (5)، والغزالي (6)، والطحطاوي (7)، وجزم به الإمام الجويني، وذكر ان لا خلاف بين العلماء في اشتراطه، وأنّ الإجماع منعقد عليه (8). وإن كُنّا لم نقف على لفظ لغيره يشير الى هذا الإجماع.
كما ذكر هذا الشرط إجمالاً ابن خلدون (9)، وعَبّر عنه بوجوب سلامة الحواس. واورد ابن عابدين وجوب سلامة الإمام من الأعذار(10). والعمى من الأعذار المؤثرة في الراي والعمل. وذكر القرطبي في شروطه، وجوب (سلامة الأعضاء) (11)، ولما كانت العين من اعضاء الجسم، فقد عُدّ فقدها إخلال بشروط السلامة.
أدلة مذهب المانعين:
يبرر العلماء هذا المسلك في منع عقد ألإمامة للاعمى، أو منع استدامتها عندما تطرأ، بالتبريرات ألتالية:
1- ان العمى يبطل القضاء، فلا يستصلح له الاعمى، وهو مانع من جواز الشهادة، وألإمامة العظمى اعظم واخطر شانا من مرتبة القضاء، فأولى ان يمنع من صحتها (12).
2- ان الاعمى لا يتمكن من تدبير نفسه، لأنه ليس له إستقلال بما يخصه من الاشغال، بل يعتمد على غيره في شؤونه، فكيف يتأتى منه، وهو عاجز عن أداءه لنفسه (13).
3- إنّ فقد البصر يمانع الإنتهاض في الملمات، والحقوق، وتطوّق عظائم الاعمال، لكون الاعمى لا يميز بين الاشخاص في مقام التخاطب، فكيف بمن هو ابعد من مقام التخاطب، والحاجة ماسّة في الإمام ان يكون مبتعدا عمّا يثير المعضلات (14).
الراي المخالف:
لم نقف للعلماء على راي في المصنفات التي تركوها، واطلعت عليه منها قدر المستطاع، يذهب الى جواز إمامة الاعمى، سوى رأي لإبن حزم يقول فيه: (ولا يضر الإمام ان يكون في خَلقه عيب كالأعمى والأصم والاجدع وألأجذم والأحدب والذي لا يَدان له ولا رِجلان، ومن بلغ الهرم ما دام يعقل، ولو أنّه إبن مائة عام. ومَن يَعرِض له الصَرَع ثم يفيق. ومَن بُويع له إثر بلوغه الحلم وهو مستوف لشروط ألإمامة. فكل هؤلاء امامتهم جائزة، إذ لم يمنع منها نص قرآن، ولا سُنّة، ولا اجماع، ولا نظر، ولا دليل أصلا) (15)، وهو راي شاذ ومرجوح، بتوافر اراء عموم العلماء المخالفة له. ولإجماعهم على منع ألإمامة ببعض العيوب التي ذكرها. كما أنّ الأعراض التي اوردها ابن حزم تتنافى في استيفاء الحركة، والشهادة، وسرعة النهوض، وسلامة الراي والعمل، مما هو مطلوب من الإمام. وهي اعراض تكفي بعضها لمنع أهليته للقيام بأعباء هذا المنصب، فكيف بها اذا اجتمعت كلها في شخص الحاكم. في حين ان الحاكم هو احوج من غيره الى البصر، للنظر الى الوثائق، والافلام المصورة، وقراءة الخرائط، والاحداثيات،... وغيرها، مما هو ضروري لرسم صورة متكاملة عنده عن الأوضاع، قبل اصدار القرارات.
ضعف البصر:
أ- الضعف الشديد: الحَق الماوردي ضُعف البصر الشديد الذي به يدرك الاشخاص ولا يعرفها، بالعمى المطلق، ومنع به من عقد ألإمامة واستدامتها (16). ونقل هذا الراي القلقشندي (17) وعزاه الى الماوردي، محتجا به، كما قال به ابو يعلى (18) والرملي، (19)
ب- الضعف البسيط: أمّا ضعف البصر البسيط، في حدود ان يعرف المصاب الاشخاص اذا راها، فقد قال الماوردي (20) بعدم منع عقد ألإمامة او استدامتها به، وشاركه في الراي ابي يعلى الفراء (21). واقتبس القلقشندي (22) كذلك راي الماوردي وقال بقوله في عدم المنع. وهو راي ابن حجر (23) الهيتمي والرملي (24) وعبّره عنه الجويني (25) (بكلام البصر)، وقال عنه (لا يضر) اي لا يترتب عليه منع، لكونه غير مُخِلّ، او مؤثر في الراي والعمل.
عشاء العين:
وهو من الأمراض الوقتية التي تصيب العين، فلا تبصر ليلا، وعدّها العلماء من الأمراض التي لا تمنع من عقد ألإمامة إبتداءًا، أو استدامتها بالإصابة بها بعد العقد. وقد وجّه العلماء عدم المنع لأن العَمَش مرض في زمن الدّعة يرجى زواله (26).
المصادر والمراجع:
(ملاحظة: في الفصول السابقة وكذا اللاحقة، فإننا نثبت طبعة المصدر والمرجع الذي نقتبس منه إن ورد أولاً، ولا نثبت الطبعة ان تكرر وروده بعد ذلك).
(1) الأحكام السلطانية للفراء، ص 21.
(2) الأحكام السلطانية للماوردي، ص 18.
(3) مآثر الأنافة في معالم الخلافة 1/ 33.
(4) نهاية المحتاج الى شرح المنهاج 1/ 410 شركة مكتبة ومطبعة البابي الحلبي واولاده بمصر 1386هـ - 1967م.
(5) بدائع السلك في طبائع الملك 1/ 95.
(6) فضائح الباطنية ص 180.
(7) حاشية الطحطاوي على الدر 1/239.
(8) غيّاث الأمم في التياث الظلم ص 77.
(9) مقدمة إبن خلدون ص 153.
(10) حاشية رد المحتار على الدر المختار 1/ 550.
(11) الجامع لأحكام القران 1/ 270.
(12) الاحكام السلطانية لأبي يعلى 21 ، مآثر الأنافة للقلقشندي 1/ 32 ، ألأحكام السلطانية للماوردي 18
(13) غيّاث الاُمم للجويني 77 ، فضائح الباطنية للغزالي 181.
(14) تحفة المحتاج للهيتمي 9 /76، غيّاث الأمم للجويني 77 ،الاسلام واوضاعنا القانونية لعبد القادر عودة ص 138 العدد رقم (10) من السلسله الصادرة عن الاتحاد الاسلامي للمنظمات الطلابية/ دار القرآن الكريم 1397هـ - 1977م، المحتاج للرملي 7 / 410.
(15) الفصل في الاهواء والملل والنحل 4/167.
(16) الاحكام السلطانية للماوردي، 18.
(17) مآثر الأنافة 1/ 33.
(18) الاحكام السلطانية 21.
(19) نهاية المحتاج الى شرح المنهاج 7/ 410.
(20) الاحكام السلطانية 18.
(21) الاحكام السلطانية 21.
(22) مآثر الأنافة 1/ 33.
(23) تحفة المحتاج 9 /76.
(24) نهاية المحتاج 7/ 410.
(25) غيّاث الامم 77.
(26) انظر الأحكام السلطانية لأبي يعلى 21، والأحكام السلطانية للماوردي 18، ومآثر الأنافة للقلقشندي 1/ 33، تحفة المحتاج لإبن حجر الهيتمي 9/76، نهاية المحتاج للرملي 7/ 410، وغيّاث الاُمم للجويني 77.