صفات ألإمام المتعلقة بالحواس
الحاسّة الثانية: حاسة السمع:
نواصل ما أفاض بة فقهاء الفكر السياسي وما سجّلوه في مؤلفاتهم، من صفات وشروط الحاكم الأعلى للبلاد. ووقد بيّنا في الجزء السابق التفاصيل الدقيقة لرؤيتهم لأهليّة فاقد حاسّة البصر. ونواصل هنا بحث ما ذهبوا اليه من رأي في عَطب (حاسّة السمع). هل تمنعه من الترشح للرئاسة؟ وماذا عن ألإصابة بعد التتويج؟. وتفصيلات فرعية اُخرى. وهم بهذه التفصيلات ألإجتهادية ومناقشاتهم لها، إنما يسعون لأن يكون الحاكم الأعلى للبلاد بأفضل حال، بعيدًا عمّا يشينه، أو يَحدّ من قدراته الذهنية والجسمية، ليتمكن من إدارة وضيفته على أكمل وجه.
الصمم الكلي، هل يحجب التتويج بالحُكم؟.
قال الامام الجويني بممانعة الانتهاض في الملمات والحقوق، لِمَن فَقَدَ حاسة السمع. وأنه لا يصلح لإدارة البلاد من اُصيب بالصمم، سواء أكان صمما كليًا، او الى الحد الذي يَعسر معه جدًا أسماعه. واعتبر الاصابة (بالصمم) كالإصابة (بالعمى) سواء بسواء. (2) وذكر القلقشندي (3) عدم انعقادها لِمَن لم يسمع البَتّة، لأنه يتعذر عليه بذلك سماع مصالح المسلمين. ومنع به كذلك الفرّاء (4)، والرملي (5)، وإبن الأزرق الأندلسي (6)، والماوردي (7)، والغزالي (8)، وزكريا الانصاري (9)، والهيتمي (10)، والبهوتي (11). وحين نسلسل
ملحوظة: ذِكرُنا لسلسلة من فقهاء وعلماء الفكر السياسي في كل جُزئية، لإعطاء موثوقية تاريخية لما ندوّن. ثُمّ مقارنة لأقوالهم مع بعض.
ادلّة مذهب المانعين:
وجّه العلماء سبب المنع، بما وجّهوا به الاصابة (بالعمى) فقالوا:
أولاً: انّ الأصم لا يتمكن من تدبير نفسه، بل هو محتاج الى غيره لإسماعه (لإفهامه)، فكيف يتقلد عُهدَة الأمّة. فالصمم عَطَب في حاسة السمع، بدون صلاحها لا يستطيع معها مباشرة ما يدرك بها، فيتعذر عليه بذلك سماع مصالح المسلمين (12).
ثانياً: انّه عارض يمنع ولاية القضاء، فلأن يمنع ولاية الامامة أولى. لأنّ هذه الاخيرة اخطر واعظم شانًا (13).
ثالثا: كمال الوصف "بوجود الصمم" مفقود. فهو نقص يخالف شروط السلامة الكاملة، بإعتباره نقصًا مؤثرًا في التدبير، والراي، والعمل (14).
رابعا: لم نطّلع على راي عالم من العلماء مناهض لمنع عقد الامامة بالصمم، سوى راي ابن حزم الذي اشرنا اليه في معرض الحديث عن سلامة حاسة العين. وفيما عدا ذلك فبالإمكان القول ان اتفاق العلماء على هذا الشرط، يؤدي معنى الإجماع على وجوب سلامة حاسة السمع. ومنع العقد بنقصها النقص الكامل.
لغة ألإشارة: هل تقوم بديلًا عن ألإصابة بالصمم بعد العقد؟.
امّا الاصابة بالصمم بعد العقد، فقد إختلف العلماء في استدامة الامامة ، فالطحطاوي (15) قال بمنع الإستدامة وعزله، لأن طريان الصمم حصول مايفوّت المقصود من ألإمامة، وهو قول للهيتمي (16) كذلك، بينما الماوردي (17) يذكر اختلاف العلماء دون تحديد للاسماء والأدلة. ويُرَجّح قول من قال بالاستدامة. ووجّه ترجيحه على اساس انّ الإشارة تقوم مقام السمع، وتسد مسدّه. والذي إضطرّه الى هذا القول هو مراعاة ما اشترطه اصحاب المذاهب الفقهية السياسية، من وجوب توفر سلامة كاملة عند الابتداء. ونقصًا كاملًا في الخروج. وبقيام الإشارة بدرء نقص السمع، ينتفي وصف النقص الكامل الملجئ الى الخروج عن الامامة. كما ذهب الى هذا المذهب كذلك ابو يعلى الفرّاء (18).
تعقيب على التوجيه:
إلّا انّ هذا الراي الذي عرضه الماوردي، لا يمكن قبوله على علّاته، لأن لغة الاشارة (اي لغة الايدي بالمفهوم الحديث) لا تستطيع ان تؤدي جميع الوظائف الانسانية للّغة على وجه اكمل. وإنّما يرافق لغة الاشارات مجموعة سلبيات، تصدّ وتعرقل الرئيس الاعلى للدولة عن القيام بمهامه الحيوية في ادارة دفة البلاد، ورعاية شؤون الرعية. ويمكن اجمال هذه المعوقات بما يلي (19).
سلبيات لغة ألإشارة:
أولاً: لغة الاشارة تستأثر باليد، فتَحول دون القيام باي عمل آخر أثناء التعبير.
ثانيًا: يتوقف ادراكها على النظر. فلا يمكن التعبير بها عن بُعد، ولا في الظلام، ولا في اجهزة الهاتف واللاسلكي الحديثة.
ثالثًا: قائمة على تعقيد الاشياء المحسوسة، فلا تكاد تقوى على التعبير عن المعاني الكلية، أو وصف المشاعر والوجدان.
رابعًا: تقتضي اسرافا كبيرا في الوقت والمجهود.
خامسًا: غير دقيقة في كثير من مظاهرها. وقد تكون مبهمة او موهمة.
وعلى هذا لا يصح ان تقوم الاشارة مقام السمع في كل الأحوال، لأنها غير كافية لتوفير الادراك الكامل عند الامام، حينما يمارس مهامة. وهو نقص لا يتناسب مع ما يَلزم ان يكون عليه حاله من الوعي والاحاطة والإدراك العميق لكل هفوة او كلمة تَنِدّ. وعدم منع الاستدامة في حالة الإصابة بهذه العلة سوف يفوّت عليه - على عظم وخطورة منصبه - الكثير من اليقظة والوعي بما حوله. وأحرى ان يُمنَع بها من الاستدامة، كما مُنِع بها من الابتداء.
رأي آخر: ماذا لو كان له القدرة على الكتابة؟:
ذكر الماوردي طائفة اُخرى تقول: في حالة طروء الاصابة بالصمم بعد اتمام العقد، بأن الامام ان كان يُحسِن الكتابة، لم يخرج بها من الامامة، وإن كان لا يحسنها خرج من الامامة، لأنّ الكتابة مفهومة والاشارة موهومة.
تعقيب على التوجيه:
وللتعقيب على هذا الرأي نقول: إنّ كون الكتابة مفهومة ومعبّرة اكثر من الاشارة، هذا مما لا خلاف فيه، إلّا ان الكتابة لا ينبغي ان تكون اداة التخاطب الوحيدة بين الحاكم والرعية. ثُمّ إنّ الوقت فيها مهدور وغير كافٍ. بل انّ ما قيل في سلبيات الاشارة، يمكن ان يقال اكثره هنا. لذا فإحتمال كونه كاتبا مع وصف الصمم هو الآخر غير مناسب لمنصب الرئيس الأعلى، لِما سيعقب ذلك في أوامره من عدم الوضوح وهدر للطاقة واضاعة للوقت.
ثقل السمع:
وقد ميّز العلماء بين نوعين من ثقل السمع:
1- ما لا يدرك معه الصوت العالي:
الى الحد ألذي يَعسُر معه جدًا إسماعه. وقد منع به الامام الجويني (20) من عقد الإمامة، والحَقَه بالصمم الكلي. وكذلك فعل البهوتي (21). وهو فيما يبدو رأي الماوردي (22)، والفرّاء (23)، حيث سكتا عن ايراده. مما يوحي أنّهما يريانه معلومًا بداهة، بقرينه أنّهما اوردا الحالة الثانية التالية: (ما يدرك معه الصوت) وهي أقل شأنًا من الحالة الأولى.
2- ما يدرك معه الصوت العالي:
فمختلف فيه بين منع الإبتداء وعدمه. وهو ماقرره القلقشندي (24)، وتركه دون ترجيح. وجزم بعدم منع العقد ابتداء ولا استدامة الفراء (25)، والجويني (26)، والرملي (27)، والبهوتي (28).
امّا الماوردي فقد قال بعدم منع الاستدامة. وتوقف في الترجيح في ابتداء العقد، بين المؤيدين والمانعين. ويوجه القائلون بمنع ابتداء عقد الامامة بأنه نقص يَخرج به عن حال الكمال. بينما يوجّه القائلون بعدم المنع بأنّه، عارض يمكن تلافيه بالإشارة والصوت العالي.
المصادر والمراجع:
(ملاحظة: جرى العمل في كل الدراسة، أن نُثبت طبعة المصدر والمرجع الذي نقتبس منه إن ورد أولاً، ولا نثبت الطبعة ان تكرر وروده بعد ذلك.)
(1) انظر الاحكام السلطانية لأبي يعلى 21، والماوردي 18، ومآثر الأنافة للقلقشندي 1/33، وتحفة المحتاج لابن حجر الهيتمي 9 /76، ونهاية المحتاج للرملي 7 / 410، وغيّاث الامم للجويني 77.
(2) غيّاث الأمم للجويني 77.
(3) مآثر الأنافة 1/ 33.
(4) الاحكام السلطانية، لأبي يعلى الفرّاء، ص 21.
(5) نهاية المحتاج 7/ 410.
(6) بدائع السلك في طبائع الملك 1/ 95.
(7) ألاحكام السلطانية، للماوردي، ص 18.
(8) فضائح الباطنية 181.
(9) اسنى المطالب في شرح روض الطالب، لأبي يحيى زكريا ألأنصاري الشافعي (ت 926هـ)، 4/108، طبعة المكتبة الإسلامية، لصاحبها الحاج رياض الشيخ.
(10) تحفة المحتاج 9/ 76.
(11) كشّاف القناع 6/ 159.
(12) الاحكام السلطانية للماوردي ص6، وغياث الامم للجويني 77.
(13) مآثر الانافة للقلقشندي 1/ 33، وفضائح الباطنية 181.
(14) بدائع السلك لإبن الأزرق الأندلسي 1/ 95، والمقدمة لإبن خلدون 153، والأحكام السلطانية لأبي يعلى الفرّاء 21، والأحكام السلطانية للماوردي18.
(15) حاشية الطحطاوي على الدر 1/ 239.
(16) تحفة المحتاج 9/ 76.
(17) الاحكام السلطانية للماوردي، ص 18.
(18) الاحكام السلطانية لأبي يعلى الفرّاء، ص 21.
(19) الخصائص المميّزة لأصل الكلام الإنساني/ للدكتور جعفر دك الباب، مقال منشور في مجلة المعرفة (السورية) العدد 229 صفحة 87 (مجلة شهرية تصدر عن وزارة الثقافة والإرشاد القومي في سوريا / السنة العشرون).
(20) غيّاث الامم 77
(21) كشّاف القناع 6/ 159.
(22) الاحكام السلطانية، للماوردي، ص 18.
(23) الاحكام السلطانية، لأبي يعلى القرّاء، ص 21.
(24) مآثر الأنافة 1/ 33.
(25) ألأحكام السلطانية، لأبي يعلى الفرّاء، ص 21.
(26) غيّاث ألأمم 77.
(27) نهاية المحتاج 7/ 410.
(28) كشّاف القناع 6/ 159.