باطل مشتهر
مانع الزكاة: ثعلبة بن حاطب (2-2)
مر معنا الرواية المشتهرة عن الصحابي البدري الجليل ثعلبة بن حاطب، وذكرنا ملخصها، وبينا ضعف اسنادها، ومن ضعفها من النقاد والمحدثين ، وجاء الدور لنستعرض تهافت هذه الرواية من حيث المتن والمضمون .
ثانيا: من حيث المتن والمضمون:
1- مخالفتها لنصوص القرآن والسنة:
أ- النصوص الشرعية القطعية الثبوت والدلالة تؤكد على قبول التوبة لمن جاء تائبا (وعلى فرض صحة القصة فالقصة تشير الى ندم ثعلبة وتوبته توبة صادقة) والله تعالى يقول: {فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ} التوبة:5
ويقول:{وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُون} آل عمران:135 ، ويقول:{قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ} الزمر:53. فكيف يستثنى ثعلبة ولا تقبل توبته وهو على قيد الحياة.
ب- السنة الشريفة كما القرآن الكريم تؤكد ان التوبة مقبولة من المكلف مهما كان عمله ما لم يغرغر، أو ما لم تطلع الشمس من مغربها، وقد جاء ثعلبه كما- في الرواية – الى رسول الله (صلى الله عليه وسلم) تائبا، ثم الى أبي بكر، ثم الى عمر، ثم الى عثمان (رضي الله عنهم جميعا ) وعرض على كل منهم قبول صدقته فامتنعوا. فالقصة بهذا المعنى تفيد عدم قبول توبة التائب، وهذا عكس ما جاء به الشرع الحكيم تمامًا.
مما يعني انها مخالفة لما هو معلوم من الدين بالضرورة من أن الله يقبل توبة التائب من أي ذنب كان، ( وحديث قاتل المائة) فيه اعظم الدلالة على قبول توبة التائب. وهذا التعارض وحده كاف لرد الرواية واسقاطها وعدم القبول بها، كونها تتعارض مع النصوص الشرعية الصريحة من القرآن والسنة.
ج- ما دام ان الله تعالى يقبل التوبة عن عباده ويغفر الذنوب جميعها (عدا الشرك).. فما كان لرسوله (صلى الله عليه وسلم) أن يرد من جاءه تائبا، كما انه لم يعرف أن الرسول رفض قبول توبة تائب، نادم منيب. وقد قبل الرسول توبة من هو أشد كفرا من مانع زكاة. والشيء المستغرب ان ظاهر الحديث يشير الى أنها توبة صادقة، وذلك من خلال اظهار ندمه وبكاءه. فهل يعقل ان يرد من جاء بمثل هذه الصفات.
2- ثعلبة بن حاطب من اهل بدر باتفاق اهل السير والتراجم وهذا يعني انه من الأبرار المغفور لهم عند العزيز الغفار. والأحاديث الصحيحة وافرة و قاطعة في أهل بدر انهم من اهل الجنة كقول رسول الله (صلى الله عليه وسلم) نقلا عن الله سبحانه وتعالى في حادثة حاطب بن ابي بلتعة:" وما يدريك يا عمر لعل الله اطلع إلى أهل بدر فقال اعملوا ما شتتم فقد غفرت لكم "
وقوله (صلى الله عليه وسلم): " لا يلج النار أحدٌ شهد بدرًا والحديبية " ، ولما جاء غلام حاطب بن أبي بلتعة يشتكي حاطباً إلى النبي (صلى الله عليه وسلم)أنه كان يقسوا عليه ، وقال الغلام للنبي (صلى الله عليه وسلم): والله يا رسول الله ليدخلن حاطب النار ، فقال: - عليه الصلاة والسلام- " كذبت إنه شهد بدرًا " ، فأهل بدر شهد النبي (صلى الله عليه وسلم ) أنهم في الجنة لا يدخلون النار. فلا يمكن التوفيق بين هذه النصوص وبين القصة المنكرة.
3- فأهل بدر المشمولون برضى الله سبحانه وتعالى لا يمكن ان يشملهم وعيد الله في الآية الكريمة { فَأَعْقَبَهُمْ نِفَاقًا فِي قُلُوبِهِمْ إِلَى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ بِمَا أَخْلَفُوا اللَّهَ مَا وَعَدُوهُ وَبِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ} لانه لا يمكن ان تتصادم اوتتعارض النصوص الشرعية، فالآية لاتتحدث عمن شهد بدرا.. وانما عن آخرين عاشوا منافقين وما توا على النفاق. وأهل بدر ماتوا على الايمان.
وقد أشار ابن حزم في المحلى 11/ 207 – 208 عن المقصود بالآية الكريمة فقال:هذه صفة أوردها الله- تبارك وتعالى - يعرفها كل من ذلك من نفسه - وليس فيها دليل على أن صاحبها معروف بعينه.
وذكر ابن حجر : نقلا عن ابن زيد في قوله {ومنهم من عاهد الله لئن أتانا من فضله} الآية : قال هؤلاء صنف من المنافقين فلما آتاهم ذلك بخلوا فأعقبهم بذلك نفاقاً إلى يوم يلقونه ليس لهم منه توبة ولا مغفرة ولا عفو، كما أصاب إبليس حين منعه التوبة " فهي تتحدث عن صنف من المنافقين وليس عن ثعلبة بذاته.
4- مخالفتها للهدي النبوي في اكثر من موضع، فالأحاديث الثابتة الواردة عن مانع الزكاة من الإبل والماشية تُؤخذ منه الزكاة ويعزر عقوبة له. ،والذي في القصة يخالف هذا الهدي،
فقد أخرج أحمد، وأبو داود، والحاكم عن بهز بن حكيم عن أبيه عن جده عن رسول الله أنه قال: "في كل سائمة إبل، في أربعين بنت لبون، ولا تفرق إبل عن حسابها، من أعطاها مؤتجرًا فله أجرها ومن منعها فإنّا آخذوها، وشطر ماله، عزمة من عزمات ربنا ، ليس لآل محمد منها شيء" رواه أحمد وأبو داود والنسائي
قال الحاكم : صحيح الإسناد ، ووافقه الذهبي .وحسنه الألباني ، انظر " إرواء الغليل " 3 / 263 - برقم 791 . فالزكاة حق الله في المال ولا يجوز للأمير او الخليفة او الامام إذا جاءه من يقول له خذ زكاة مالي ، فلا يقول لا أخذ منك الزكاة ، لأنه بالمقابل لو منع الزكاة انكارا لها لقاتله عليها , كما فعل أبو بكر الصديق مع الذين منعوا الزكاة وقال: "لو منعوني عقال بعير كانوا يؤدونه لرول الله لقاتلتهم عليه" فما بالك برجل يأتي بالزكاة فنقول له لن نأخذ منك الزكاة كيف يكون ذلك ؟ هذا كلام غير متصور .
5- مخالفتها للهدي النبوي حيث كان العمل في زمنه (صلى الله عليه وسلم) جاريا على معاملة المنافقين بظواهرهم ، فما يظهر منهم من صلاح يقبل دون البحث عن النوايا، و ألآية 75 من سورة التوبة تتحدث عن أنه يموت على نفاقه ولا يتوب من بخله وإعراضه، (على فرض انها تتحدث عن ثعلبة) لكن نرى هنا ان النبي (صلى الله عليه وسلم) لم يعامله بما ظهر منه كما كان يعامل بقية المنافقين كما ولم يعطه حكم المؤمنين الأبرار ولا حكم الكافرين الفجار، فهو بين بين ، ولا نظير لمثل هذا الحكم في الشريعة.
6- القصة تحكي أن ثعلبه بن حاطب توفي في خلافة عثمان ، وهذا موضع خلاف عند المؤرخين، اذ ان عددا من المحققين رجحوا أنه قد استشهد في أحد ... فان كانت وفاته يوم احد فهذا يضعف حجة من يقول أن أبا بكر وعمر رفضا أن يأخذا منه الزكاة (حيث يكون قد مات قبل أن يتوليا).
7- وفي الرواية اشكالات تتعلق بسبب نزول الآية ، فظاهر سياق القرآن أن نزول الآية كان في سفر غزوة تبوك فآياتها تتحدث عما جرى من الاعداد لها والإشادة بها وبجيشها وما ترتب على من تخلف عنها، وقد وقعت في رجب سنة تسع كما في سيرة ابن هشام 2/515. لكن قد يفهم من ظاهر السياق ايضا ان السورة تتتعلق بتشريع فرض الزكاة لورود الأية رقم 105 من نفس السورة (التوبة) والتي تقول:{خذ من اموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم بها} ، فربما قرنت هذه الآية بالآية رقم 75 وجمعتا وسوغتا على انهما في موضوع واحد وهو الزكاة، وهذا الفهم مستبعد، لأن فريضة الزكاة كانت سنة اثنتين للهجرة المباركة قال ذلك ابن كثيرفي البداية والنهاية:3 374 ، والصنعاني في سبل السلام:2 159 ونسب القول لأكثر العلماء ، اما سورة التوبة فهي في السنة التاسعة، وهي من أواخر ما نزل من القرآن الكريم.
والخلاصة: فالرواية باطلة سندا ومتنا اذ فيها العديد من العلل والعيوب المخلة بشروط القبول والصحة، ومن المعلوم بداهة ان اي رواية يختل فيها شرط واحد او اكثر من شروط الصحة يرمى بها ولا كرامة. لذا ينبغي على الدعاة والخطباء والوعاظ ، التدقيق فيما ينقلون، وتوخي الحذر من القذف والطعن في اناس بلا دليل صريح، سوى الاعتماد على حديث ضعيف منكر فيه كل هذه الاشكالات، فما بلك وقد اسقط على ثعلبة بن حاطب البدري (رضي الله عنه) احد رجال الرعيل الأول ومن اهل بدر الكبرى. والله اعلم واحكم.