باطل مشتهر: خامس الخلفاء الراشدين!.
شخصية لم تأخذ حقها التاريخي في ضمير وذاكرة ألأمة بشكل مكافئ لمكانتها الحقيقية ، فقد ظلمه الناس ممن هم انصاره وشيعته وتطاولوا عليه واتهموه بالجبن والخور وقالوا عنه مذل المؤمنين ومسود وجوههم ولاموه وقرعوه بأقسى عبارات اللوم والتقريع، وسلبوه من حقه في لقبه الشرعي السياسي (خامس الخلفاء الراشدين)، ونقلوا لقبه الشرعي الى غيره بدون وجه حق. وسايرعلى ذلك عموم الناس وخاصة في الوقت الحاضر، هذا السلب يتعارض مع النصوص الشرعية ويتعارض مع المنطق وواقع الحال. لقد تم تأريخيا سلب لقب خامس الخلفاء الراشدين من الحسن بن علي (رضي الله عنهما)، وأضفي به تعسفا على عمر بن عبد العزيز (رضي الله عنه) واعتبروا عمر هو الخامس، ومع حبنا للخليفة العادل الراشد الزاهد عمر بن عبد العزيز، لكن الحق أحق ان يقال وأن يتّبع.
المفارقة اليوم أنك لو سألت جمهور المسلمين: من هو خامس الخلفاء الراشدين؟، فسيتبادر الى ذهن من يجيب مباشرة وتلقائيا اسم عمر بن عبد العزيز. فقد محي ﺇسم الحسن من الذاكرة (في هذا الموضوع) بالكامل، وهذا ظلم لصاحب اللقب الحقيقي، وعلى أي حال فاشتهار هذا الوصف في عمر بن عبد العزيز قد يوحي أن وراء الأمر ما يريب!!. وعليه وقبل الخوض في أحقية الحسن بهذا اللقب، من المناسب ان أشير الى ان وصف عمر بن عبد العزيز بأنه الخليفة الراشد الخامس انما جاء ﺇجتهاداﹰ (غير ملزم) من بعض ألعلماء ( مع حسن الظن بهم)، نظرا للخير الذي حصل للبلاد والعباد في زمانه، ولكن عند البحث في هذا الموضوع، فهذه تعتبر مغالطة تأريخية تستوجب المعالجة، ﺇذ لا ينبغي القفز فوق النصوص وفوق الحقائق، وﺇرجاع الحق الى صاحبه، وهذا ما سنبينه هنا.
أولاﹰ: من الناحية الشرعية:
نصوص نبوية كثيرة تشير ﺇلى تحديد المدة الزمنية للخلافة الراشدة لما بعد النبوة وقد حددتها بثلاثين سنة :
ففي الترمذي عن سفينة أن رسول الله(صلى الله عليه وسلم) قال: «الخلافة في أمتي ثلاثون سنة ثم ملك بعد ذلك».
وفي سنن أبي داود أنه قال: «خلافة النبوة ثلاثون سنة ثم يؤتي الله الملك من يشاء أو ملكه من يشاء»،
وفي التمهيد لابن عبد البر، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين بعدي»، وقال: «الخلافة بعدي ثلاثون سنة ثم تكون إمرة وملكاً ». وواضح ان المقصود خلافة ألنبوة ثلاثون سنة متصلة.
وبحساب بسيط للمدد الزمنية للخلافة ألراشدة بدءاﹰ بخلافة أبي بكر ثم عمر ثم عثمان ثم علي وانتهاءاﹰ بخلافة الحسن التي استمرت ستة أشهر سنجد انها بالكمال والتمام ثلاثون سنة متصلة كما تنبأ وأخبر المصطفى (صلى الله عليه وسلم)، فنحن أمام لغة أرقام لايمكن غض الطرف عنها. ونأتي ألآن الى تفصيل المدد الزمنية لخلافة كل خليفة من الخلفاء الراشدين ألأوائل الخمسة (رضي الله عنهم اجمعين) بالسنين وألأشهر وأما ألأيام فهنالك ﺇختلاف بسيط بين العلماء في ضبطها، وألاختلاف لا يتجاوز أصابع اليد او اليدين.
أبو بكر الصديق ... من 12/3/11 لغاية 22/5/13 هـ = سنتان و3 اشهر
عمر بن الخطاب... من 23/5/13 لغاية 26/12/23هـ = 10 سنوات و6 أشهر
عثمان بن عفان..... من 13/1/24 لغاية 24/12/35هـ = 12 سنة
علي بن ابي طالب...من 25/12/35 لغاية 18/9/40 هـ = 4 سنوات و 9 أشهر
الحسن بن علي ... من 18/9/40 لغاية 25/3/41 هـ = 6 أشهر
فيكون المجموع بخلافة الحسن ثلاثون سنة كاملة مصداقا لقول الصادق المصدوق النبي الأكرم (صلى الله عليه وسلم).
فالحسن رغم قصر مدة خلافته ﺇلاّ انه مكمل للثلاثين سنة التي أخبر عنها النبي في أحاديث عدّة. وهو بهذا يعتبر الخليفة الراشد الخامس وليس عمر بن عبد العزيز(رحمه الله)، ومن قال بغير هذا فهو مخالف للسنّة.
ثانياﹰ: من ناحية المنطق والواقع:
وسؤالنا المنطقي هو: هل يمكن أن يكون عمر بن عبد العزيز (رحمه الله) خامس الخلفاء الراشدين كما هو مشتهر خاصة عند جمهور المسلمين المعاصرين ؟ والجواب ببساطة لا، فهذا خطأ ولا يصح بحال. وذلك للأسباب التالية:
1- لتعارضه مع الأحاديث التي تحدد الخلافة الراشدة بثلاثين سنة متصلة، وعمر بن عبد العزيز تولى الخلافة بعد انقضاء الثلاثين سنة بستين سنة.
2- لا يمكن مقارنة مأنجزه الحسن من نقلة هائلة في ظرف دقيق وحساس، في عملية الصلح والتنازل عن الخلافة وجمع ألأمة على أمير أو خليفة واحد وانهاء الفرقة وألانقسام والحروب المهولة، هذا العمل البطولي وحده كاف كشهادة له بالفضل والريادة والحكمة ومنقبة للحسن من أعظم المناقب. أما ما اشتهر من عدل عمر بن عبد ألعزيز في رفع المظالم ورد الحقوق الى أصحابها واطلاق الحريات والازدهار الاقتصادي فهذه اعمال طبيعية وغير مستغربة للخليفة في زمن ينعم بالاستقرار، يفعلها كل الخلفاء العادلين، وهي مهمة كل صاحب سلطة خليفة أو ملكا أو سلطانا ﻹرضاء شعوبهم، قام بهذه ألأمور من سبقه ومن جاء بعده وعلى نسب متفاوتة بينهم. ولكن يبقى عمل الحسن الباهر ألاجتماعي السياسي متفردا ومتميزا لا نظير له.
3- الحسن صحابي جليل مشهود له بالجنة، وعمر بن عبد العزيز تابعي ، ولا يمكن مقارنة صحابي بتابعي، فمرتبة الصحبة لاتضاهيها مرتبة. ولا نبخس عمر بن عبد العزيز عظمته وعدله وتقواه فهو خليفة راشد ولكن ليس خامسا ولا سادسا وانما تاليا بعد ذلك.
4- ألتاريخ يشهد أن هناك من له أهداف معادية للأمة، فهو مغتاظ من الحسن (وربما يكرهه دون ان يظهر ذلك!) من أجل ان الحسن تنازل عن الكرسي وحقن الدماء ووحد ألأمة، فيحاول المغتاظ ألانتقام منه ولو بغبن حقه التاريخي الشرعي ومحاولة عطف ألأنظار عن حقه والتوجه باللقب بعيد عن الحسن ، فالى اين سيذهب به!! وبما ان التالي للحسن خلفاء بني أمية ، (ويحمل لهم من الغضب والكراهية مايحملها للحسن وأشد، وأن بني أمية كلهم مشطوب عليهم في نظره!)، فلا بد من البحث عن بديل، ولا مناص الا في ﺇستثناء أحد خلفاء بني أمية، وليكن أقلهم مدة في الحكم (وربما أسباب أخرى!!) ليكون هو البديل، فكان ألاختيارعلى عمر بن عبد العزيز ليكون حاملاﹰ لللقب، واشتهر هذا الخطأ التاريخي، ونسي الناس الحسن واﹸبعد من ذاكرتهم ، بعضهم عامداﹰ والبعض ألآخر جاهلاﹰ مخدوعا.
5- هنالك من العلماء من سلك بالخلافة الراشدة الى معاوية بن أبي سفيان واعتبره الخليفة الخامس. (دع عنك التهم الزائفه الشائعة الموجهة اليه والى خلافته مما لا تثبت بدليل) فهو قطعا لايقل عدالة ونزاهة في حكمة عن حكم عمر بن عبد العزيز. بشهادة العديد من الصحابة والتابعين ممن عاصروا تلك الفترة. وعلى أي حال هنالك كذلك من وجه الخلافة الراشدة الخامسة الى عبد الله بن الزبير والذي بايعه الناس بعد وفاة يزيد بن معاوية، واستقل عن الأمويين واتخذ مكة عاصمة لحكمة ولقرابة عشر سنين قبل ان يستشهد وتنتهي حكومته.
6- لو فرضنا جدلاﹰ أننا اسقطنا الحسن بن علي من حساباتنا، وانه ليس هو التسلسل الخامس للخلفاء الراشدين، بحجة ﺇضطراب أوضاع المسلمين في زمنه أو لقصر مدة خلافته، فان ألأمر يؤول (لتكملة الثلاثين سنة) بعد الراشدين الأربعة الى معاوية بن أبي سفيان الذي أعقب الحسن، وليس الى عمر بن عبد العزيز، الذي سيأتي الى الخلافة بعد ستين سنة، فمعاوية أفضل وأجل وأكرم من عمر بن عبد العزيز (رحمه الله)، سواء في عدله ورحمته في الحكم او في المكانة، فهو أول خليفة اجتمعت عليه كلمة المسلمين (بعد الفتنة التي حدثت في زمن عثمان وامتدت طوال خلافة علي وانتهت بالحسن). ومعاوية صحابي جليل اختاره النبي (صلى الله عليه وسلم) لكتابة الوحي واختاره الخلفاء الراشدون للقيادة والإمارة. وكان محترما بين الصحابة، ومن عموم الرعية، ومن أهل الشام بشكل خاص.