باطل مشتهر:
مانع الزكاة: ثعلبة بن حاطب (1-2)
من المؤسف ان الكثير من الخطباء والوعاظ والدعاة في المساجد أو في وسائل الاعلام المرئية، وبعضهم ثقاة وله شهرة واسعة يتداولون مع جمهورهم قصة شائعة ليس لها من الصحة أساس ، ولكنهم غالبا ما يستشهدون بها عند الحديث عن الشح والبخل أو الكفر بنعم الله أوالحذر من منع الزكاة او عند الحديث عن ان ارادة الله الخير لعباده،... يتحدثون عن هذه الرواية (القصة) وكأنها من البديهيات والمسلّمات، مع انها واضحة الزيف، وكان المطلوب من كل هؤلاء ان لا يحدثوا الناس بالأكاذيب او الاحاديث الضعيفة والموضوعة، الّا على سبيل التحذير منها وتعريف الناس ببطلانها. وطبعا يستلون هذه القصة من العديد من كتب التفسير والسير التي بدورها لم تحقق علميا وتاريخيا في الواقعة.
في مسجد المنطقة يوم الجمعة الماضي، استشهد الامام بهذه القصة اثناء حديثه عن الرضى بقدر الله (عز وجل) ، ومع انه اشار الى ان بعض العلماء ضعف هذه الرواية، الا انه مع ذلك القاها على مسامع الحاضرين، فهل يدرك هذا الخطيب انه برواية هذه القصة المزعومة امام جمهوره انما ينتقص من قدر صحابي جليل، ويسيء الى سيرته وتاريخه، ويتهمه بالنفاق والكفر بدون وجه حق ، بل واكثر من ذلك الا يلاحظ انه يحدث بحديث مكذوب على رسول الله (صلى الله عليه وسلم).
هذه القصة تتعلق بمن وصف بانه حمامة المسجد من كثرة معاهدته لصلاة الجماعة في المسجد النبوي انه الصحابي (البدري) الجليل ثعلبة بن حاطب بن عمرو بن عوف بن مالك الأنصاري الأوسي. (رضي الله عنه)،
واليك ملخص الرواية ثم سيأتي الرد عليها وبطلانها:
«عن أبي عبد الملك علي بن يزيد الألهاني أنه أخبره عن أبي أمامة الباهلي عن ثعلبة بن حاطب الأنصاري، أنه قال لرسول الله (صلى الله عليه وسلم): أدعُ الله أن يرزقني مالا، فقال : " ويحك يا ثعلبة ، قليل تؤدي شكره خير من كثير لا تطيقه " ، ثم جاءه بعد مدة وكرر عليه القول فقال له : " امالك فيّ أسوة حسنة ، والذي نفسي بيده لو أردت أن تسير الجبال معي ذهباً وفضة لسارت " ، ثم جاءه بعد مدة وكرر عليه القول وقال : والذي بعثك بالحق لئن رزقني الله مالاً لأعطين كل ذي حق حقه ، فقال له رسول الله (صلى الله عليه وسلم): " اللهم ارزق ثعلبة مالاً " ، فاتخذ غنماً فنمت كما ينمو الدود ، فكان يصلي مع رسول الله الظهر والعصر ويصلي عند غنمه باقي الصلوات ، ثم أصبح لا يشهد مع رسول الله سوى الجمعة ، ثم كثرت غنمه وزادت فتقاعد حتى لا يشهد الجمعة ولا الجماعة .
فقال رسول الله (صلى الله عليه وسلم) ذات يوم : " ما فعل ثعلبة ؟ " فقيل له : اتخذ غنماً لا يسعها وادٍ ، فقال : " يا ويح ثعلبة ، يا ويح ثعلبة ، يا ويح ثعلبة " ، فلما وجبت الزكاة أرسل الرسول (صلى الله عليه وسلم) رجلان ليجمعا الصدقة وقال لهما : " مُرا بثعلبة بن حاطب وبرجل من بني سُليم فخذا صدقاتهما " .
فمرا على حاطب وأمراه بدفع الزكاة فقال : ما هذه إلا جزية ، ما هذه إلا أخت الجزية ، وطلب منهما العودة إليه عند الفراغ من جمعها ، فذهبا إلى السُلمي فأخرج أطيب ما عنده ، فرجعا إلى حاطب فقال: ما هذه إلا جزية ، ما هذه إلا أخت الجزية ، اذهبا حتى أرى رأيي ، فأقبل الرجلين على رسول الله (صلى الله عليه وسلم) فقال قبل أن يسألهما : " يا ويح ثعلبة " ودعا للسُلمي بخير ، فأنزل الله قوله : ( ومنهم من عاهد الله لئن آتانا من فضله لنصدقن ...- إلى قوله - وبما كانوا يكذبون ) التوبة 75 ،
فذهب رجل من أقارب ثعلبة يخبره بأن الله أنزل فيه قرآناً ، فخرج ثعلبة حتى أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فسأله أن يقبل صدقته فقال : " إن الله منعني أن أقبل منك صدقتك " ، فجعل يحثي التراب على رأسه فقال رسول الله (صلى الله عليه وسلم) : " هذا عملك قد أمرتك فلم تطعني " .
فلما قُبض رسول الله (صلى الله عليه وسلم)، وجاء أبو بكر حين استخلف ، فجاء ثعلبة بصدقته فلم يأخذها أبو بكر ، وكذلك حين استخلف عمر لم يأخذها منه ، وكذلك عثمان حين استخلف.
ومات ثعلبة في خلافة عثمان رضي الله عن الجميع .
فالقصة تُخرِج هذا الصحابي الجليل من دائرة الإسلام، وتقول أنه مات منافقا.!!
وللتدقيق في صحة هذه الرواية (القصة) ينبغي ان ننظر في سندها وفي متنها.
اولا: من حيث السند:
ذكر اصحاب التفسير والسير هذه القصة في معرض الحديث عن تفسير قوله تعالى في سورة التوبة: {وَمِنْهُم مَّنْ عَاهَدَ اللَّهَ لَئِنْ آتَانَا مِن فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ وَلَنَكُونَنَّ مِنَ الصَّالِحِينَ (75) فَلَمَّا آتَاهُم مِّن فَضْلِهِ بَخِلُوا بِهِ وَتَوَلَّوا وَّهُم مُّعْرِضُونَ (76)فَأَعْقَبَهُمْ نِفَاقًا فِي قُلُوبِهِمْ إِلَىٰ يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ بِمَا أَخْلَفُوا اللَّهَ مَا وَعَدُوهُ وَبِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ(77)} واوردوا روايات عدة بصيغ متقاربة ربطت بثعلبة ، وباسماء آخرين و بجماعة من المنافقين و ببعض اهل الكتاب...وغيرهم.
أخرج هذه القصة ابن جرير الطبري في " تفسيره " ( 14 / 370 - رقم 16987 ) ، والطبراني في " المعجم الكبير " ( 8 / 260 - برقم 7873 ) وفي الاحاديث الطوال ، والواحدي في " أسباب النزول " ص252 ، ورواه ابن ابي حاتم في التفسير والبيهقي في دلائل النبوة والبغوي في تفسيره، وكلهم رووا هذه القصة من طريق :معان بن رفاعة عن أبي عبد الملك علي بن يزيد الألهاني عن القاسم بن عبد الرحمن عن أبي أمامة الباهلي (رض) .وهذا هو الطريق الأول والأكثر شهرة.
وهذا السند فيه علل تؤكد ضعف الرواية، واهم علة فيه هي الراوي (ابو عبد الملك علي بن يزيد الالهاني ) حيث اتفقت كلمة الحفاظ على (ضعفه)، فهو متروك ، تركه النسائي ، تركه ألأسدي، تركه الدار قطني والبرقاني ، وضعفه الأئمة بن معين وأحمد بن حنبل وأبو حاتم الرازي وابن عدي وتكلموا فيه كلامًا شديدًا ، وكلام بن حبان في علي بن يزيد كلام شديد للغاية ، بل أن البخاري يقول منكر الحديث ، وهذا القول في اصطلاح البخاري يعني ضعيف جدًا لأن منكر الحديث في اصطلاح غير البخاري ضعيف فقط ، إنما عند البخاري ضعيف جدًا ، كما صح عنه أنه قال: من قلت فيه منكر الحديث فلا تحل الرواية عنهوالقصة مروية أيضاً عن ابن عباس (رضي الله عنهما) وهي ضعيفة الإسناد كسابقتها .
ورُويت عن الحسن (رحمه الله) وهي مرسلة .وهذا يعني انها غير مستوفية لشروط الصحة من حيث السند.
وقد جمع كل رواياتها الثلاث وفصل فيها وفي عللها : الشيخ ابي اسامة سليم بن عيد الهلالي في كتابه الموسوم" الشهاب الثاقب في الذب عن الصحابي الجليل ثعلبة بن حاطب رضي الله عنه " والكتاب متاح ويمكن تنزيله عبر شبكة الانترنيت.
فالإسناد ساقط ولا تصح به الرواية.
اقوال بعض النقاد والمحدثين عن هذه الرواية وتضعيفها:
1- الإمام ابن حزم: وقال في المحلّى (11/207-208): قال تعالى:{ ومنهم من عاهد الله لئن آتانا من فضله} الى قوله :{ يكذبون}التوبة 75-77 قال: وهذه أيضا صفة أوردها الله تعالى، يعرفها كل من فعل ذلك من نفسه، وليس فيها نصّ ولا دليل على أنّ صاحبها معروف بعينه.
على أنا قد روينا أثرا لا يصحّ، وفيه أنها نزلت في ثعلبة بن حاطب، وهذا باطل ... لأنّ ثعلبة بدري معروف ... وفي رواته معان بن رفاعة والقاسم بن عبد الرحمن الألهاني وكلهم ضعفاء
2- الحافظ البيهقي . وقال في إسناد هذا الحديث نظر وهو مشهور بين أهل التفسير
3- الإمام القرطبي: حيث قال في تفسيره: ثعلبة بدري أنصاري وممن شهد الله له ورسوله بالإيمان ، فما روي عنه غير صحيح .
4- الحافظ الذهبي . وضعف القصة أيضاً الذهبي في ميزان الاعتدال،
5- الحافظ العراقي . وقال في تخريج أحاديث الإحياء (3/266): مارواه الطبراني بسند ، ضعيف " وقال محمد بن طاهر في تذكرة الموضوعات : " ضعيف "،
6- الحافظ الهيثمي .
7- وضعفها السيوطي في أسباب النزول
8- الحافظ ابن حجر . في الفتح (ج3/ص266): حديث ضعيف لا يحتج به.
9- وقال الزيلعي في تخريج أحاديث الكشاف للزمخشري: وهذا إسناد ضعيف جداً
10- العلامة المناوي: في فيض القدير (4/527):" قال البيهقي: في إسناد هذا الحديث نظر وهو مشهور بين أهل التفسير "، ونقل قول البيهقي وقول الحافظ في تضعيفهما القصة وارتضاهما.
11- وقد ضعفها من المعاصرين العلامة أحمد محمد شاكر والشيخ ناصر الدين الألباني "سلسلة الاحاديث الضعيفة" (١٦٠٧) و(٤٠٨١)، و"ضعيف الجامع" (٤١١٢)، وقال عنه: ضعيف جدا.
فالرواية منكرة لا تثبت بحال من حيث السند، اما من حيث المتن والمضمون ، فسيأتي في الجزء الثاني.