صفات وشروط ألإمام:
ألأطراف العليا والسفلى:
دوّن فقهاء الفكر ألإسلامي من خلال نقاشاتهم مع الفِرَق والمذاهب ألمُخالفة، عن فقد بعض اعضاء بدن الحاكم أو المُرشح للحكم، مما يؤثر، او لا يؤثر، في الراي والعمل، او في المظهر. وقد اختلف العلماء في قبول ابتداء العقد للحاكم، او استدامة العقد مع هذا النقص، على مذاهب وتفاصيل. ومن الجدير بالقول أنّ هذه الأمور التي طرحوها قد تكون خيالية أو تفاصيل صغيرة ونادرة الحدوث، ولكنها في الحقيقة واقعية ولها شواهد في الحياة السياسية. وإنما بحثها الفقهاء، لإستيعاب أي ثغرة تعوق أو تستجد أمامهم في صياغة بنية النظرية السياسية. كما وأن ذكر هذه الجوانب تعطي الإنطباع عن شمولية ودقة النظرية التي خاضوا في بحثها.
وكما أفدنا سابقا وكذا لاحقًا فإننا نستخدم في بحثنا لفظ: (الحاكم، والحاكم الأعلى، والرئيس، والخليفة، والإمام)، وغيرها من المسميات لمُسمّى واحد بلا تمايز.
1- فقد اليدين والرجلين:
عدم المنع مع وجود العاهة:
فقد اليدين أو الرجلين أو بعضهما، قد يكون من آثار مرض عُضال، أو حرب، أو حادث رهيب، أو عيب خَلقي، أو شيخوخة تقعده عن الحركة، أو غير ذلك من نوائب الدنيا. ولكل ذلك شواهد من الواقع السياسي في العالم. والملاحظ أنه على كثرة العلماء القائلين بأنّ ذهاب اليدين والرجلين مانع من الرئاسة، ويخرج من استدامتها، لأنه نقص كامل، يمنع من استيفاء الحركة وسرعة النهوض، إلّا اننا نجد آخرين يقولون بعدم المنع. بإعتبار ان ذهاب الأطراف لا يؤثر في الكفاية (للإمام) الحاكم ألأعلى البلاد. ولتفصيل ذلك فإن:
المنع مع وجود العاهة:
الماوردي (1) صرّح بعدم جواز الإمامة لا ابتداءًا ولا استدامة مع هذا النقص. ووجّه منعه لعجز الإمام عمّا يلزمه من القيام بحقوق الاُمّة في عمل او نهوض. وهو ما قال به الفرّاء (2)، والقلقشندي (3)، وجزم به الرملي (4)، والهيتمي (5). وكذلك هو راي البهوتي (6)، وإبن ألأزرق الأندلسي (7).
المراوحة بين الأمرين:
وقد اورد الغزالي (8) وجهتي النظر المختلفتين (وجهة المشترطين للسلامة في الامام، والمنكرين لوجوب توفر السلامة)، وقد امتنع عن ترجيح او تصويب أحد الرأيين، وبيّن توقفه هذا بأن غرضه هو تثبيت الصفات الغريزية والذاتية، غير المكتسبة، المشترطة للامام. وسلامة البدن من الصفات غير المكتسبة. الاّ انّ هذا التبرير غير كاف، لأن الغزالي في ذكره للشروط التي سبقت شرط سلامة البدن، كالنسب القريشي، والذكورية، والحرية، والعقل والبلوغ، كان يعلل سبب إختيار كل شرط بما يراه صحيحًا، بينما في شرط سلامة البدن ذكر ما قال به من سبقه، دون ترجيح او تثبيت ما يراه مناسبا كتعليل للقول بهذا الشرط.
لا إعتبار للعاهة مع الكفاءة والأمانة:
اما الجويني (9)، فقد قال بخلاف الآراء التي سبق ذكرها، حيث انه اورد ان العلماء انزلوا آفة قطع اليدين والرجلين، منزله العمى والصمم والخرس. وهو ما لا يُقطع به. لان تعويل الامامة عنده على الكفاية والنجدة والدراية والأمانة. فلا حاجه لوجود السلامة من هذه الآفة، فإن التكفل بإمور الخلق والقيام بمصالحهم لا تستدعيها. ولم يرد من الشارع توقيف وتعبد فيها. وفقد الاطراف العليا والسفلى لا ينافي صحة وصدق الراي. كما لا ينافي سرعة النهوض والعمل. إذ لو مسّت الحاجة الى نقله فاحتماله على المراكب يسهل.
وهذا الرأي قريب الشبه برأي إبن حزم (10) بشأن سلامة البدن، في عدم اشتراطه للكمال، لأن المُعَوّل عليه عنده سلامة العقل فقط.
الترجيح بين الآراء:
والذي نميل اليه هو الرأي الأول، لاتفاق معظم العلماء عليه، ولأنه الأنسب لمنصب الرئاسة، ولأن الراي الثاني منقوض ببعضه، حيث انّ فقد اليدين والرجلين، او بعضهما، يتنافى مع الكفايه التي يعول عليها الامام الجويني في صفات الامام. إذ أن الامام مع هذا النقص لا يسعه تدبير مصالح نفسه ومتابعة المعاناة والشؤون السياسية الدولية، التي تتطلب الإنتقال المُكثّف والسريع بين مختلف البلدان. فكيف يسعه تدبير مصالح المسلمين، ومعايشة كل فئات الشعب، وتمثيل البلاد في الأروقة والمحافل الدولية، مما لا يطيقه الا قوي البدن صحيح البنية.
فالزمن قد تغير، ولم يعد الإستمساك على المراكب، او سهوله حمله بوسائط النقل هو القياس لصحة اهلية صاحب العاهة، وإنما الضرورة في الوقت الحاضر تقتضي السلامة الكاملة للرئيس من كل شيء.
ثم كيف سيتسنى له استعمال الهاتف، واجهزة الاتصالات الحديثة، والضرب على الكمبيوتر والحاسبات الآلية، في عهد التكنولوجيا الحديثة، وهي امور باتت بديهية الإستعمال ولا غنى لأي حاكم عنها.
الهيمنة على البلاد والعباد:
وأكثر من هذا وذاك، ووفقا للتطور، فان الحاكم في عصورنا الراهنة، قد اصبح يتمتع بوسائل الإحاطة بكل فرد من افراد شعبه، لا على سبيل تفقده وتلبية احتياجاته فحسب، وانّما لما في وسعه من التجسس عليه واحصاء حركاته وسكناته، وبسط نفوذه وسلطانه على القاصي من شعبه والداني. وكل ذلك يحصل لا من استلهام الشرع، ولكن بالالتفاف على الشرع، وإفرازات الاوضاع غير المثالية القائمة. وقد يكون بفضل اتباعه ومستشاريه الذين يتصل بهم ويتصلون به، مهما بَعُدَت المسافة، بالضغط على ازرار معينة واجراء اتصالات سلكية ولا سلكية، لتكون المعلومة التي يريد بين يديه. ومعلوم ان هنالك العديد من رؤساء الدول قد اصبحوا هم الأقوى والأرهب، حتى من شعوبهم، لا بفضل شرعيتهم، وانما بفضل اسلحه العصر التكنولوجية، والعقول الالكترونية، والتي يُعتمد في تشغيلها على الازرار، وقد اجاد البعض استخدامها في الشر.
2- فقد إحدى اليدين والرجلين:
ذكر الماوردي (11) الاتفاق في المنع ابتداءًا عند ذهاب احدى اليدين او الرجلين. لأنّ هذا النقص عائق عن بعض العمل، ومخلّ بسرعة النهوض. فهو عجز يمنع من ابتدائها. وإعتمد القلقشندي (12) قول الماوردي. ووافقهما ابو يعلى الفراء (13) وابن حجر الهيتمي (14) والرملي (15)، على المنع من عقد الامامة إبتداءً. وقد ذهبت الثلاثة الأخيرين الى عدم المنع في الاستدامة، وإغتفاره إن طرأ النقص بعد العقد. لأن المعتبر عندهم في عقدها كمال السلامة، وفي الخروج منها كمال النقص.
وخلاف هذا المذهب يذهب الجويني (كما قدّمنا) في عدم منع عقد الامامة مع (العاهه)، ويقول بإمضاءه وصحته لأنه يعوّل على الكفاءة والعقل والدراية. الّا انّه في الاستدامة يشترط في المأووف (أي الذي به عاهة) ان لا ينتهي به الامر الى الزّمانة، وإنما يتمكن من الاستمساك على المراكب، فان كان مستمكنا، فلا أثر معه للنقص الذي به مع صحة العقل والراي. وأتصور أنّ هذا الرأي أكثر وجاهة ولا تخلو دنيا الناس اليوم من وجود حاكم فاقد لإحدى ألأطراف. وبديل شرط الإستمساك على المراكب هو القدرة على قيادة المركبات وتشغيل الآليات الضرورية.
المصادر والمراجع:
1- الاحكام السلطانية 19.
2- الاحكام السلطانية 21.
3- مآثر الأنافة 1/ 34.
4- نهاية المحتاج 7 / 410.
5- تحفة المحتاج 9/ 76.
6- كشّاف القناع 6/ 159.
7- بدائع السلك 1/ 95.
8- فضائح الباطنية 181.
9- غيّاث الأمم 78، وإنظر كذلك فضائح الباطنية للغزالي 181.
10- الفصل في الملل والأهواء والنِحَل 4/ 167.
11- الاحكام السلطانية 19.
12- مآثر الأنافة 1/34.
13- الاحكام السلطانية 22.
14- تحفة المحتاج 9/ 76.
15- نهاية المحتاج 7 / 410.