ما يشين المنظر كالعور وجدع الانف:
تمهيد:
من الجدير بالذكر هنا، انه ليس بالضرورة انني اتبنى شيئًا من التفاصيل الواردة في موضوعات صفات الإمام (الحاكم الأعلى للدولة)، ولكنه بحث تاريخي في كتب ألتراث عن الجذور الأولى لنشأة النظرية السياسية في فكر فقهاء وعلماء الإسلام. وقد استدرك او اُعلق على بعض الفقرات بما اراه مناسبا.
العاهات عند علماء الفكر السياسي:
من الصفات التي لم يغفلها فقهاء الفكر السياسي الإسلامي، وخاضوا فيها بحثًا ومناقشةً، هو موضوع العيوب والعاهات الظاهرة في الوجه. وإنتهوا الى تقرير ماهو الموقف منها في جواز تعيين وتَرَشّح، أو منع عقد البيعة لمن يتصف بها. كما بحثوا الموقف في حالة إصابته ببعض هذه العيوب بعد عقد البيعة له.
ومن حيث المبدأ، فقد أخذوا بعين ألإعتبار، إن كان ما يشين المنظر كالعور وجدع الانف، مما لا يؤثِّر في عمل ولا في نهضة. فذلك مُسَلّم به ومقبول.
شرط جمال المظهر:
ولم نقف على خلاف عند علماء الاُمّه في جواز استدامة الإمامة مع الأعذار المتقدمة، إذ أنّ جمال المظهر ليس من الشروط المعتبرة في الإمام، ولا تأثير لها في الحقوق، فأبو يعلى الفراء (1) أشار صريحا وقال عن الاعور واجدع الانف بأنه غير مؤثر في شيء من حقوقها (الرئاسة)، وهو قول للماوردي كذلك (2). أما الهيتمي (3)، والرملي (4) فقد ذكرا عدم الضرر من عَوَرِ العين. والجويني (5) جمع العاهتين (العور وجدع الانف) وقال: بانه لا أثر له، (اي لا أثر للعاهة على الاستدامة).
العيوب الظاهرة مانعة:
اما ابتداء العقد فقد ذكر بعض العلماء (6) ان هنالك من اشترط السلامة من هذه النواقص ولم يحددوا صفة وهوية القائلين به، ويوجّهون هذا الشرط بأنّ العيوب الظاهرة معتبرة في عقد الامامة ابتداءً، ليسلم ولاة الملّة من شَينٍ يُعاب، ونقص يُزري، فتقل معه الهيبة. وفي قلَّتها إزدراء بالطاعة، فينفُر الأشياع والأتباع، ويُستَحث الرّعاع (سفلة الناس وغوغاؤهم) على المطاعن والإستصغار. وما أدى الى هذا فهو نقص في حقوق الملَّة.
الرد على المانعين:
وقد رد الجويني هذه المقالة وهذا التوجيه وقال بعدم اشتراط سلامة من اصيب بعيب في وجهه كالعور وجدع ألأنف حتى ولو لم يتيسر ستره، لا في ابتداءٍ ولا في استدامةٍ. ونصَّ على انه: (لو أثّر الجدع والعور، لأثّرت الدّمامة وتشوه الخَلق، ولاُشتُرِط الجمال والاعتدال في الخَلق، وهذا غير مشروط بإتفاق الفِرَق) (7).
الترجيح:
أزاء هذين المذهبين نستطيع ان نقول: انه بالإضافة الى فقد الاعضاء التي مرَّ معنا ذكرها في الفصول السابقة، فإنّ العيوب المنفّرة التي تصيب الوجه خاصة، والتي لا يمكن سترها، كقطع الشفتين، والدمامة، وتشوه الخلقة، وغيرها مما يشين ويقبح منظره، هي عيوب مانعة. وسيكون حال ألحاكم ألأعلى معها مزريًا في حالة اتصافه ببعض هذه العيوب. مدعاة للسخرية والتندّر. بل سيصعب على المقربين والمتقدمين اليه التعامل معه. إذ اننا يمكن ان نتصور مدى القبح الشديد، والنفرة النفسية، وَرَدّة الفعل الناتجة عن رؤية الإمام المصاب بعاهتين معا، فكيف لو اجتمعت العيوب الأخرى فيه. (وحديثنا طبعًا عن الجانب الوظيفي، وليس الإنساني) وعلى هذا فإنه لن يستقيم له أمر، أو تقوم له هيبة وإجلال، بخلاف ما هو مطلوب لمنصب القيادة أو للحاكم الأعلى، من وجوب توفر السلامة والصحة التامة، لمصلحة الامّه في اوضاعها الراهنة.
إستثناءآت لعدم المنع:
لا بأس من أن يستثنى من هذا العموم (عموم المنع) حالات خاصة، كأن يكون صاحب الحالة الخاصة ممن يتمتع بطاقات متميزة، او فريدة، او خاصة تستدعيها المرحلة. فتكون تلك الطاقات صارفة، او ساترة للعيوب الاخرى التي هي عيوب خَلقية. فموشي دايان لم تمنعه عاهته - وهو اعور- من توجيه، او تنفيذ السياسة الاسرائيلية في الداخل والخارج، وأن يمضي في ذلك اشواطا بعيدة. وليس ذلك من قبيل الثناء عليه او الاعجاب به. وانما لتقرير ان من يتمتع بطاقات او كفاءات خاصة يُتيقّن معها صحة تغلبه على ضغط عاهته وشعوره بالنقص، فلا باس من تجاوز هذا الشرط (والذي هو فقد احدى العينين او جدع الانف او قطع ألأُذن ما شابه ذلك)، إن دعت الحاجة للتجاوز من شرط الصحة من الاصابة بتلك العاهات، ومن ثُمّ قبول تَعيين من يتصف بتلك الطاقات المطلوبة.
المصادر والمراجع:
1 الاحكام السلطانية لأبي يعلى ألفرّاء 21.
2 الأحكام السلطانية للماوردي 19.
3 تحفة المحتاج 9 /76.
4 نهاية المحتاج 7 /410.
5 غيّاث الأمم 79.
6 الاحكام السلطانية للماوردي 19، وألأحكام السلطانية لأبي يعلى الفرّاء 22.
7 غيّاث الأمم 79.