عطب الجهاز التناسلي
ترددت طويلاً في نشر هذا الجزء من صفات الإمام (الرئيس الأعلى للدولة) لأنه موضوع حساس، ويتعرض لصفات مخفيّة وليست ظاهرة كالصفات التي ذُكرت سابقًا. ولكن لبيان ان فقهاء الفكر السياسي قد عرجوا في أبحاثهم على أدق التفاصيل المتاحة في وقتهم، فيما يتعلق بصفات الامام، ولأنهم تناولوا هذا الموضوع بآراء وإجتهادات جادّة، رأيت من المناسب تقديم البحث، وبيان رؤاهم وإجتهاداتم، على أن نعلّق قليلاً على مُجمل مادوّنوه.
قطع الذكر والانثيين:
اتفق العلماء الذين تطرقوا الى ذكر قطع الذكر والانثيين (الخصيتين) الى ان هذا النقص لا يؤثر في رأي، ولا عمل، ولا نهوض، ولا يشين في المنظر. لأنه مستور. وهو مؤثر في أللذة الشخصية فقط (1). لهذا فلا وجود له مع ابتداء عقد، او استدامة. ونستطيع ان نضيف الى هذا النوع في النقص، نقصا آخر من نفس الصنف، وهو (الخصي والمجبوب)، وان لم يرد في مصنفات العلماء كثيرا، إلّا انّ الجويني ذكره وقال بجواز نصب الامام مع هذا العيب (2).
مُفردات البحث:
جدير بالتذكير هنا، أننا غالبًا نقتصر على المفردات الفقهية التي تناولوا بحثها، لأننا نتحدث عن تاريخ مُبكر من نشأة النظرية السياسية في الإسلام، وإلا ففي زماننا الحاضر هنالك العديد من الإصابات والأمراض والأعطاب الخَلقية والمُكتسبة التي تصيب الجهاز التناسلي، والتي ربما لم تُعرف في زمن الفقهاء عند وضع ضوابط ومفردات النظرية السياسية في الإسلام.
القائلين بعدم المنع:
وقد اقتصر ابن الازرق الأندلسي (3)، على ذكر عدم المنع في حالة قطع الأنثيين، إلّا انّ هذا لا يعني المنع في حالة قطع الذكر، وانما هو ذكر البعض إكتفاء به لدلالته على البعض الآخر.
ويسَوّغ اصحاب هذا المذهب القول به، لِأن فقد هذين العضوين يؤثر في التناسل واللذة الشخصية، دون الرأي والحنكة، فيجري مجرى العُنّة. وربما استأنسوا لرأيهم في عدم منع مقطوع الذكر والانثيين بما وصف الله تعالى به يحيى بن زكريا (عليهما الصلاة والسلام) في مورد الثناء عليه، في قوله تعالى: (وسيّدًا وحصورًا ونبيًا من الصالحين) (4)، ففي الحصور عدّة اقوال، كما يذكر المفسرون، إذ من معانيها ان الحصور هو العُنيّن، الذي لا يقدر على إتيان النساء. أو الذي لا ينزل الماء. أو من لم يكن له ذكر يغشى به النساء. او كان كالنواة (5).
تحفّظ على تفسير الآية:
نعتقد انه لابد من التحفّظ في توجيه الآية الكريمة الى هذه المعانى، بإعتبار أنّ الثناء لا ينسجم مع هذه الصفات. إذ توفر الشهوة عند الانسان السّوي، والإمتناع الإرادي من الإستجابة لها، آكد في حصول الثناء لِمَن هذه صفته. اذ لم يُباهِ الله سبحانه وتعالى بعباده ملائكته إلّا من خلال هذا التمايز. وقد ثَبُتَ انّ مُستقصي سيرة رسول الله (صلى الله عليه وسلم) قد كتبوا عن طوافه (صلى الله عليه وسلم) على ازواجه في كل ليلة. وهذا يؤكد رجولته وفحولته (صلى الله عليه وسلم) التي قيل عنها بأنه اُعطي قوّة 30 رجلاً. وعلى أي حال قد يكون معنى الطواف الزيارة والتفقد فحسب.
تفاخر القدماء بكثرة الزيجات والإنجاب:
ينقل ابن حجر العسقلاني أنّ العرب كانت تمدح بكثرة النكاح لدلالته على الرجولية... وقد ورد كذلك عن سليمان (عليه السلام) صفة الرجولة هذه، والمتجسّمة في كثرة ازواجه (6). اذ يروى الترمذي عن أبي هريرة ان النبي (صلى الله عليه وسلم) قال: (إن سليمان بن داود عليه السلام قال لأطوفنّ الليلة على 70 سبعين إمرأة تلد كل إمرأة غلاما. فطاف عليهن فلم تلد إمرأة منهن إلّا إمرأة نصف غلام. فقال رسول الله (صلى الله عليه وسلم) لو قال إن شاء الله، لكان كما قال (7).
راينا الخاص في أعطاب الجهاز التناسلي:
مع ان قطع الذكر والانثيين وما شابه ذلك من الصفات المتعلقة بالجهاز التناسلي والمؤثرة في اللذه الشخصية كالعُنّة وألإجباب، ومع انها لا تشين المنظر العام، لكونها مستورة إلا أن ذلك لا يعني ان مثل هذه العيوب، او النواقص في الامام لا تتعارض مع اهليته.
بل الواقع انها مما تتعارض مع اهليته وكفايته. والأولى ان تمنع من عقد الإمامة له. إذ انها اعراض مؤثرة في الاحكام. حيث أثبتت دراسات علم النفس الحديث، أثر ذلك على النفس نفسيا (سايكولوجيا) (8). فأمّا أثرها على الأحكام فَلِأن المصاب بهذه النواقص، سوف لن يتحسس بصورة صحيحة، ودقيقة، وكاملة، للدافع الغريزي عند الانسان. ومِن ثُمّ فسيشتط في احكامه، إمّا صَوب المبالغة والتشدد، او صَوب النقيض من ذلك.
ألآثار النفسية من عطب الجهاز التناسلي:
وأمّا أثرها في النفس الإنسانية، فإنها قد تترك اثارًا سيّئةً في ذات الإنسان ولا شعوره، نتيجة الإيحاء بالحرمان والشعور بالنقص، وهي آثار دخيلة، قد ترسم ملامحها فيما بعد على طريقة التفكير وطبيعة سلوك المصاب بها، من حيث الكآبة وحِدّة المزاج، وان لم يقصد ذلك. وربما يحصل اكثر من هذا. فالدراسات النفسية جعلت الكثير من الآراء في الوقت الحاضر، تتجه الى الجزم بان المشكلات الجنسية هي في الأغلب اساس مشكلات السلوك الأخرى. ذلك لأن الغريزة الجنسية في نظر اصحاب هذه الآراء مصدر الطاقة البشرية، وعدم اشباعها الى مستوى الاكتفاء عند الانسان، تجعل فلسفته نحو الحياة كثيرا ما تتغير بتأثيرها. وقد ذهب الكثير من علماء النفس على ان التوالد والتكاثر هما أهم ظاهرة في الطبيعة، وكل ظاهرة اُخرى في الحياة إنّما تعمل في خدمة هذه الظاهرة الأساسية. والغريزة الجنسية في الإنسان تحوطها قيود وتقاليد شديدة تجعلها خاضعة للكبت، مما يظهر اثره في انواع السلوك الشاذ بدرجات مختلفة (9).
تلبية الحاجات الفيزيولوجية:
فالرغبة الجنسية من الحاجات الفيزيولوجية التي هي حاجات انسانية أساسية بإعتبارها سابقة على غيرها في الظهور، ولها الأولوية في الأخذ والتربية، ومسألة إستئصال، أو عدم نمو وسائطها النمو الطبيعي، فسيكون له الأثر المباشر على الحياة العقلية للافراد. ومن ثمّ فإنّ: (التأخر الجسمي، او الإصابة بعاهة، لها في العادة اثرها، او مصاحبتها في سلوك الافراد).
القابلية الذهنية عند نقص الهرمونات الجنسية:
ويسجل صاحب كتاب اسس الصحة النفسية ملاحظته عن وظائف الهرمونات الجنسية، وارتباطها الوثيق بالحياة العقلية في أنّ (الخصيان "الأغاوات" يفقدون بإزالة خصاهم صفات كثيرة من صفات الرجولة، فتجدهم في مجموعهم على شيء من نعومة الصوت، والخمول والسلبية، والإنصراف عن النزاعات الجريئة، وعن العمل لتحقيق اغراض جدّية)، ويضيف مستطردا (وقد لوحظ في الحالات المعروفة بالجنون المبكر التي تتصف بالخور التام والاستسلام، أو الشعور بالنقص. أن تشريحها بعد الوفاة يدلّ على ضمور في الخصيتين. ولا يمكننا ان نستنتج من هذه الحقائق فقط، إذا كان ضمور الخصيتين سببًا، او نتيجة للحالة العقلية المذكورة) (10). وعليه فان نقص الهرمونات الجسدية ذا اثر سلبي على القابلية الذهنية.
اشباع الحاجات الفيزيولوجية والسلوك:
ومن جهة ثانية فإن تفسير السلوك بالدوافع الغريزية أمر مقرر عند علماء النفس، إذ الشخصية السوية في مفهومهم وفي نظر السلوكيين، هي الشخصية القائمة على تآزر وتناسق بين جميع عناصرها الجسمية والعاطفية والعقلية. وعدم اكتمال العناصر الجسمية، أي بمعنى اخر عدم اشباع الحاجات الفيزيولوجية كالحاجة للنوم والجوع والعطش والرغبة الجنسية، سيكون ذا اثر بالغ في السلوكية. ولهذا (كثيرًا ما يقال ان فلسفة الإنسان نحو الحياة، كثيرًا ما تتغير بتأثير عدم اكتفاء حاجته الفسيولوجية، فاذا لم تكن هذه الحاجات مكتفية ومشبعة، فإنها تجعل الإمكانيات العضوية الإنسانية جميعًا في خدمتها الى ان تشبع) (11). ولعل هذا المنظور من الناحية الفلسفية، هو التوجيه الذي اعتمده فقهاء الاسلام في كف القضاة في الدولة الإسلامية عن إصدار أحكامهم بين الناس في ألأجواء الساخنة جدا، او القارسة البرودة، او في احوال شعور القاضي بالجوع والعطش
لا يقضي القاضي وهوغضبان:
فى هذا الاطار بوب البخارى للحاكم فقال: هل يقض الحاكم او يفتى وهو غضبان؟، ثم روى في ذلك حديثا عن عبد الرحمن ابن ابى بكرة قال: (كتب أبو بكرة الى ابنه وكان بسجستان بان لا تقضى بين اثنين وانت غضبان فانی سمعت النبي "صلى الله عليه وسلم " يقول: لا يقضين حكم بين اثنين وهو غضبان) (12).
وقد رتب ابن حجر العسقلاني على الحديث ان الغضب ان استولى على النفس صعبت مقاومته . ثم قال في سبب النهى عن الحكم في مثل هذه الحالة: (ان الحكم حالة الغضب قـد يتجاوز بالحاكم الى غير الحق فمنع ، وبذلك قال فقهاء الامصار .
قال ابن دقيق العيد: فيه النهى عن الحكم حالة الغضب لما يحصل بسببه من التغيير الذى يختل به النظر فلا يحصل استيفاء الحكم على الوجه قال : (وعدّاه الفقهاء بهذا المعنى الى كل ما يحصل به تغيير الفكر كالجوع، والعطش، المفرطين، وغلبة النعاس، وسائر ما يتعلق به القلب تعلقا يشغله عن استيفاء النظر) (13).
ولنا هنا ان نستأنس بالحديث الذى اخرجه كل من البيهقى، والدارقطني، عن أبي سعيد الخدري مرفوعًا أنّ رسول الله (صلى الله عليه وسلم) قال : (لا يقضى القاضي إلّا وهو شبعان رَيّان) (14).
المصادر والمراجع:
(1) انظر ألأحكام السلطانية للماوردي ص 19، والفَرّاء ص 21، ومآثر الأنافة للقلقشندي 1/34، وكشّاف القناع 6/ 159.
(2) غيّاث الأمم، ص 78.
(3) بدائع السلك، 1/ 95.
(4) سورة آل عمران الآية 39.
(5) تفسير القرآن العظيم لإبن كثير1/363، وانظر كذلك الأحكام السلطانية للماوردي ص 19.
(6) انظر فتح الباري لابن حجر العسقلاني 9/ 112- 115، و 316، و 338 وكذلك: 1/ 376 - 377 (بتصحيح وتحقيق سماحة الشيخ عبد العزيز بن باز/ نشر وتوزيع رئاسة إدارات البحوث العلمية والإفتاء والدعوة والإرشاد بالسعودية).
(7) الجامع الصحيح للترمذي/ ص 3/ 44.
(8) انظر صفحة 64 علم النفس في حياتنا اليومية – د. محمد عثمان نجاتي (دار القلم / الكويت، ط 6/1975م)، وانظر كذلك كتاب علم النفس دراسة التكيف البشري/ د. فاخر عاقل ص 43 و 79 (طبعة دار العلم للملايين/ بيروت/ ط 6 – 1979م)
(9) أسس الصحة النفسية للقوصي/ ص 487. وانظر كذلك بحوث في علم النفس العام للدكتور فائز الحاج ص 143، (المكتب ألإسلامي/ ط 2 / 1398هجرية 1978 ميلادية.
(10) اسس الصحة النفسية للقوصي ص 57.
(11) بحوث في علم النفس العام لفائز الحاج ص 143.
(12) صحيح البخاری: 8/ 108، وكذلك صحيح مسلم : 3/ 1342، الجامع الصحيح للترمذى: 2/ 396 واسم ابو بكرة نفيح وابنه هو عبيد الله بن ابى بكرة وكان قاضيا في سجستان .
(13) فتح الباری: 13/ 137.
(14) السنن الكبرى للبيهقي: 10/ 106، طبعة دار الفكر. وفي سنن الدارقطني 4/ 209 بتحقيق السيد عبد الله هاشم یمانی مدنی/ طبع دار المحاسن للطباعة / القاهرة 1386هـ / 1966م (وقد تعقب ابى الطيب محمد شمس الحق العظيم آبادى سند الحديث الذي اخرجه الدارقطني فقال انّ فيه ضعفًا، اذ ان احد رواته هو القاسم العمري، متهم بالوضع . انظر التعليق المغني بذيل سنن الدارقطني).