حزام الأمان: Three-Point Seatbelt
(Safety Belt)
لعل أهم أداة حافظت في أغلب الأحيان على أرواح سائقي وركّاب المركبات الصغيرة والكبيرة، عند حدوث الإصطدام، او الإنقلاب، أو الإنزلاق، هي حزام الأمان ثلاثي النقاط. والمقصود بثلاثي النقاط ، أي نقاط التثبيت على بدن المركبة على جهتي كرسي السائق يمينًا ويسارًا، وكذا كراسي الركاب، حيث تكون نقطتان ثابتتان من الحزام والنقطة الثالثة لها امكانية الغلق أوالفتح.
لقد غيّر هذا الإبتكار البسيط والعظيم الأهمية، قوانين السلامة المرورية في كل العالم. وأصبح واحدًا من أهم الإختراعات البشرية في القرن العشرين. فمن هو صاحب هذا ألإختراع أو الإبتكار؟، وكيف إنتهت به تجاربه الى هذا التصميم؟، وماهي ظرورة إضافته الى المركبات؟.
قد لا يعلم الكثير ان مخترع حزام الامان الثلاثي، هو المخترع والمهندس الميكانيكي السويدي (نيلز بولين Nils I.bohlin ) الحاصل سنة 1939م على شهادة البكالوريوس في الهندسة التقنية. وقد عمل في شركة ساب(SAAB) لصناعة الطائرات وساهم مساهمات فعالة في إطار التقنية والتصميم، لـ (مقاعد القذف) لطائرات ساب. وهو المقعد الذي يساعد قبطان الطائرة العسكرية من الخروج من الطائرة في حالة تعطلها في الجو. وكان ذلك في الخمسينات من القرن الماضي.
كان حزام التثبيت البسيط بنقطتين، أي حزام الخصر عند مستوى الوركين، كالموجود على مقاعد الطائرات اليوم، كان معروفا يوم ذاك ومنتشرًا في السيارات، ولكنه لم يكن يحضى بالأولوية. وكان الاشخاص الوحيدون الذين يربطون احزمتهم تلك بإنتظام، هم سائقوا سيارات السباق. وغالبا ماتسبب لهم الحوادث على السرعات العالية، إصابات وتمزقات داخلية خطيرة. نتيجة الضغوط الشديدة التي يتعرض لها جسم الإنسان أثناء حوادث المرور.
انتقل نيلز من شركة صناعة الطيران الى شركة فولفو (VOLVO) لصناعة السيارات ليكون أول مهندس سلامة في الشركة. وفي سنة 1959م تولى منصب مدير قسم السلامة في شركة فولفو. وكان موضوع أعداد الإصابات والوفيات المتزايدة، تشغل باله. ويطمح لتقليل الآثار المأساوية لحوادث المرورعلى الطرقات. فعمل على إيجاد سبيل لسلامة السائق في حالة الكبح السريع أو عند وقوع حادث إصطدام أو إنقلاب. وحدث أن توفي أحد أقارب الرئيس التنفيذي لشركة فولفو (جونار إنجيلاو) في حادث سيارة، مما ساعد في تحفيز الشركة على زيادة تدابير السلامة الخاصة بها، وهي مهمة تقع على عاتق المهندس نيلز بولين.
أعدّ نيلز بحثًا تحليليًا لمؤتمر(ستاب) الحادي عشر لحوادث السيارات والشاحنات سنة 1967م، استقصى فيه 28 الف حادث سيارة في السويد، كانت إستنتاجاته وتجاربه تؤكد على تعرض الركاب غير المربوطين، لإصابات قاتلة عند الحوادث. وبالمقابل لا يتعرض الرُكّاب المربوطين بحزام الأمان الى الوفاة أو الإصابات الشديدة. وخلُص بنتيجة مفادها: ان أفضل وسيلة لإبطاء الإندفاع المفاجئ وتشتيت طاقة الإرتطام، وتوزعها عبر الجسم، هو بتقييد سائقي المركبات بالحزام ثلاثي نقاط التثبيت.
ومن خلال هذه النتيجة والقناعة، وبعد الإختبارات ، توصل في غضون عام واحد. الى تحقيق إبتكاره، حيث يسمح الحزام الذي إبتكره، وبكفاءة عالية في تقييد الجزء العلوي والسفلي من جسم الإنسان في أن واحد بالمقعد، ويكون تصميم الحزام بان يمر عبر الوركين وعبر الكتف والصدر على شكل حرف (Y)، مما يمنع في حالة حدوث حادث سير بسرعات عالية، دون إنفلات جسم ألإنسان الى الأمام، وارتطامه بأجزاء السيارة الصلبة، أو حتى ان يُقذف بقوة خارج السيارة ليرتطم بالأرض ويتهشم.
قدم نيلز إختراعه للشركة فحظي بالإهتمام والقبول، وإعتمدت شركة فولفو استخدام الحزام ثلاثي التثبيت في سيارة فولفو موديل 1961 من طرازPV 544 فتميزت فولفو بأنها أول سيارة في العالم يتم استخدام الحزام ثلاثي النقاط فيها.
حزام الأمان، الحل البسيط الفعّال هذا، يتمتع بهندسة رائعة، ويمكن ربطه بسهولة بيد واحدة، ولقد أثبت فعاليته في إنقاذ ألأرواح، لدرجة ان شركة فولفو بعثت نيلز بولين الى الولايات المتحدة، للترويج لحزام الأمان ولشركة فولفو. وخاصة أن الشركة تتهيأ للقيام بمشروع كبير جدًا لتصدير سياراتها الى الولايات المتحدة الأمريكية، وهنالك حصل على براءة الإختراع، كما حصل على شهادت تقدير وتكريم من أكثر من دولة وجهة.
وكبادرة انسانية مدهشة، ولضمان السلامة للبشرية، رفض نيلز بولين وشركة فولفو تقييد حقوق الملكية وحق براءة الإختراع. وتم السماح لكل شركات السيارات، بإستخدام هذه التقنية مجانًا، لزيادة نسبة الأمان في السيارات والشاحنات. ونظرًا لثبوت نجاعة هذا الإختراع في إنقاذ الأرواح في حوادث المرور، بدأت منذ ستينيات القرن العشرين بعض الدول في فرض ربط حزام الامان على السائقين. وليتصاعد الإهتمام الدولي بهذا الأمر مع تقدم الوقت، ليصبح قانونأ عاماً في كل دول العالم تقريبًا. وقدّرت شركة فولفو في تقريرها لعام 1966م بإنخفاض عدد القتلى والمُصابين في حوادث المرور بعد إستعمال الحزام بنسبة 75%. وأن حزام الأمان أنقذ اكثر من مليون حياة في العقود الأربعة منذ طرحه.
أصبح وجود أحزمة الأمان في المقاعد الأمامية للسيارات في السويد إلزامي منذ عام 1969، وفي عام 1975م، أصبح قانونًا أيضًا، حيث يجب على سائقي السيارات والركاب استخدامها. ومنذ عام 1986م أصبح قانونًا نافذًا لإستخدام حزام الأمان في المقعد الخلفي أيضًا.
هذه الإضافة الذكية، جعلت فولفو رائدة في مجال السلامة العالية على الطرق. وإعتبر إختراع نيلز بتصميمه البسيط ، تقدم تكنولوجي غاية في الأهمية. وهو اليوم أحد المعايير القياسية في السيارات الحديثة.
توفي نيلز بولين في السويد عام 2002م عن عمر يناهز 82 عامًا. بعد ان قدم للبشرية خدمة جليلة في إنقاذ العديد من ألأرواح المعرضة لمخاطر الجو والطرق. بإبتكاراته في مجال هندسة السلامة لصناعتي الطائرات والسيارات