صفات وشروط ألحاكم ألأعلى (ألإمامة):
بعد أن انتهينا من التمهيد الذي تضمن القاء نظرة عامة على أهميّة البحث في موضوع الإمامة والدوافع لنشوءه. وأول من دوّن فيه. وسر غلبة هذا اللفظ (الإمامة) على غيره من الالفاظ المرادفة والقريبة كلفظ (ألخلافة، والامارة، والسلطنة ...) مع بيان لمعاني هذه الالفاظ من الناحية اللغوية، ثم علاقة البحث في الإمامة بعلم الكلام والعلوم الأخرى.
ثُمَّ إنتهينا من تعريف الامامة عند اهل السُنّة، واوردت فيه جملة من تعاريف الامامة والامام، وقد ناقشت هذه التعاريف وقابلتها مع بعضها وبينت ما فيها من جوانب النقص وعناصر القوة.
وآن لنا أن ندلف الى الشروط والمواصفات التي إرتأى علماء وفقهاء الفكر السياسي ألإسلامي توافرها في الحاكم الأعلى للدولة. وسنجد أنهم بحثوا وناقشوا هذا ألأمر بأدق التفاصيل المحتملة وغير المحتملة، بل وحتى ألتفاصيل الطريفة. مما يعطينا صورة عن مدى عمق وإتساع مفهوم النظرية السياسية عند فقهاء ألأمّة، وقد دَوّنوا كل ذلك في مؤلفاتهم. وهذه الشمولية تقع على الضد ممن يقولون لا سياسة في الدين، ويقصدون به الأسلام تحديدًا.
وسأعمد الى استقصاء اهم الصفات والشروط اللازمة لأهلية الإمام وكفايته، وتعريف للقائلين بهذه الصفات، او بِرَدِّها. مع تدوين لأدلة المثبتين والنافين. ثُمَّ مناقشة الأدلة مع بعضها، وترجيح ما أعتقد انّه اقوى واصلح. ولكثرة الصفات وأهميتها، فقد يستغرق هذا الفصل، دراسة وحجما اكثر من غيره من الفصول.
جدير بالملاحظة، وكما هو واضح، فمن خلال الفصول السابقة وكذا اللاحقة، أنما أضع بين يدَي الباحث في التراث السياسي ألإسلامي، وأُسَهّل عليه، إمكانية الوصول، ومعرفة مَضان هذا الموضوع، من خلال إيرادي للعشرات بل المئات من المصادر والمراجع التراثية ذات الصلة. تلك المصادر التي ساهم مؤلفوها في النهاية في تشكيل ووضع أطر وملامح ما يُعرف بالنظرية السياسية في الإسلام.
ماهي شروط وصفات الحاكم الأعلى:
كبحث علمي مُجَرّد، لم يتفق علماء الامّة على تحديد حد ادنى او اعلى، من القدر المطلوب الذي به تنعقد الإمامة (الرئاسة) من الشروط والصفات المؤهله لهذا المنصب العظيم. وتفاوتوا في تحديد هذا القدر بين مُقل ومُكثر. فمن قائل منهم أن الشروط أربعة، بينما وصل بعددها اخرون الى أربعة عشر وزيادة، إلّا ان ذلك لم يمنع من اتفاقهم ولو ضمنيا، على بعض الصفات حيث قالوا بالاجماع بها، تصريحا، او تلميحا، او سكوتا، يفهم منه الاقرار والبداهة ابتداءً. ثم أن هنالك العديد من الشروط او المبادئ مما لم تُحرر بعد، الامر الذي يستدعي من ذوي الاختصاص ان يحرروا حدودها، وان يقيموا الموازنة بينها وبين غيرها من المبادئ والصفات والمصالح الأخرى.
لقد اعتمد بعض العلماء لاغراض الدقة والموضوعية، تقسيمات معينة، لتصنيف المؤهلات والشروط الواجب توفرها في الامام، اثناء تناولهم الموضوع بالبحث والتحليل.
فالإمام الغزالي اعتمد تقسيمها الى:
أ- صفات خَلقيّة غير مكتسبة.
ب- صفات مكتسبة (1).
بينما إعتمد ابن الطقطقا تصنيفها الى مجموعتين:
أ- فضائل مستحبة.
ب- فضائل غير مستحبة (2).
واعتمد الإمام الجويني تصنيفها الى اربع مجاميع:
أ- صفات تتعلق بالحواس.
ب- صفات تتعلق بالأعضاء.
ح- الصفات اللازمة.
د- الصفات المكتسبة. (3)
ولقناعتنا بأن الأسهل والأيسر في توضيح موضوع شروط وصفات الإمام، إخترنا وإستصوبنا التقسيم الأخير أكثر من غيره. وسنحاول - بإذن الله - إعتماد نفس التقسيم الذي إعتمده امام الحرمين الجويني، لدراسة وتحليل كل الصفات والشروط المؤهلة لتَسَنّم منصب الإمامة. ونبدأ بما بدأ به من ذكر الصفات المتعلقة بالحواس، وأوّلها حاسة البصر.
أولاً: الصفات المتعلقة بالحواس:
1- حاسة البصر:
والسؤال هنا: ماذا لو أن من وقع عليه ألإختيار أو التعيين كرئيس أعلى للدولة، ويكون أعمى فاقدًا للبصر؟. أو ربما يطرأ عليه فقد البصر بعد أن يعتلى المنصب؟ ماذا يقول فقهاء الفكر السياسي في الإسلام؟، في مثل هذه الحالات وتفاصيل اُخرى عديدة؟. والجواب، وبالإجمال فالذي عليه الكثير من العلماء ان فقدها اطلاقا، يمنع من عقد الإمامة ابتداءً. فان طرأ العمى بعد العقد، مَنَع استدامتها.
ولكن ياتُرى، ماهي ألأدلة التي إعتمدها الفقهاء القائلين بالمنع؟ وهل يمكن دحض ونقض أدلتهم؟ وهل هنالك آراء اُخرى على خلاف هذه الآراء؟. كل هذا سنناقشه في الجزء التالي بإذن الله.
المصادر والمراجع:
(ملاحظة: في الفصول السابقة وكذا اللاحقة، فإننا نثبت طبعة المصدر والمرجع الذي نقتبس منه إن ورد أولاً، ولا نثبت الطبعة ان تكرر وروده بعد ذلك).
(1) فضائح الباطنية ص 180 تحقيق عبد الرحمن بدوي/ مؤسسة دار الكتب الثقافية/ الكويت.
(2) الفخري ص 17 دار بيروت للطباعة والنشر/ 1400 هـ - 1980 م.
(3) غياث الأمم ص 76.