صخور الرون السويدية:
الصخور أو الحجارة الرونية هي شاخص قائم، به نقوش وحروف رونية . والرون: يطلق على اقدم حروف الالفبائية المكتوبه التي استخدمتها في الماضي الشعوب الجرمانية في وسط وجنوب شرق اوروبا وقبائل الفايكنج في الشمال الإسكندنافي.
وكلمة رون مأخوذة من اللغة القوطية المنقرضة لقبائل القوط الجرمانية (وهي قبائل منحدرة من المناطق الإسكندنافية)، وتعني ألسِّر، اذ ربط افراد القبائل الجرمانية القديمة تلك الحروف والنقوش على الحجارة بالأسرار المجهولة او الدينية، لإنها لم تكن مفهومة إلّا للقلة، وربما استخدمها الكهنة الوثنيون في بداية الأمر لصنع التعاويذ والرقى السحرية. وكان الناس يعتقدون يوم ذاك أنّ رسم الخطوط على الأرض والصخور من أعمال السحر.
وغالبا ما كانت تُحفَر النقوش والزخارف الرونية على الخشب، وان كانت معظم النقوش الباقية مكتوبة على الحجر. وقد وجدت أحجار رونية في عديد من مناطق أوربا ووجدت في انجلترا، وأيرلندا، وإسكتلندا، وجزر فارو. (تقع جزر فارو بين النرويج وآيسلندا، وتتمتع بحكم ذاتي وتبعية دنماركية). ويبدو أن تقليد إقامة الأحجار الرونية يرافق المَواطن التي حَلَّ فيها أهل الشمال ( الفايكنج).
يوجد ما يقرب من 3500 نقش روني معروف على الأرض السويدية وتعتبرمقاطعة أوبلاند (وتقع على الساحل الشرقي من السويد، إلى الشمال مباشرة من العاصمة ستوكهولم) موطن لأكبر عدد من الأحجار الرونية في العالم. حيث يوجد فيها ما يصل إلى 1196 نقشًا حجريًا. ومن الواضح انها كانت في وقتها أعمالاً فنية باهظة القيمة، وتم رسمها بألوان زاهية. غير أنّ تلك الألوان تلاشت على مر السنين.
ظهر تقليد إقامة الحجارة التي تحمل نقوشًا وزخارف رونية لأول مرة في القرنين الرابع والخامس الميلادي، في النرويج والسويد، وكانت هذه الأحجار الرونية المبكرة ، توضع عادةً بجوار القبور كأنصبة أو شواهد تذكارية للموتى، وينفي البعض إستخدامها كشواهد على القبور.
غير ان الغرض من إقامتها توسع لاحقًا في القرون التالية، فأقيمت الحجارة الرونية لإعطاء المجد للأقارب المتوفين. وتخليدًا وتكريمًا لذكرى الرجال ذوي النفوذ، وكذا المحاربين الذين إمتازوا بالشجاعة، ولم يعودوا من رحلات وحملات الفايكنج. كما أقاموا الحجارة للتعبير عن المكانة الإجتماعية والإقتصادية للأفراد، ولإظهار حقوق الملكية، وكعلامات مدنية في المواطن التي يقيموا فيها. فوضعت في أماكن مختارة من المناظر الطبيعية، وعلى الممرات المائية، وحافة الطرق والمسارب، وبالقرب من الجسور، حيث يمكن للمارة رؤيتها.وفي ملتقيات الطرق، وفي كنائس العصور الوسطى . كما وتم وضعها بحيث تحدد الأجزاء الأساسية من الملكية الشخصية للحقول والأطيان، وتوثيق لحقوق الميراث في المزارع العائلية. وللتفاخر بالإنشاءات، والمساحات ، وتحديد نطاقات العقار وألأفنية، والمقابر ، وحدود الملكيات المجاورة. وتضمنت الحجارة كذلك سردًا لبعض الأحداث المهمة التي حصلت في المنطقة.
تحدثت الأحجار الرونية من القرن العاشر، عن أرض العرب والخلافة العباسية، كما في حجر (تيلينغه)، وسردت العديد من الأحجار رحلة المقاتل والتاجر المغامر (إينغفار المسافر البعيد Ingvar den vittfarne) الى (سركلاند Särkland) أي الى (أرض الخلافة العربية العباسية)(1). وفتح طرق وقنوات لأغراض التجارة. ولعله ولتزامن وجود الرّحالة المسلم أحمد بن فضلان، "مبعوث الخليفة العباسي المقتدر بالله" على أرض الفايكنج، هو ذات العصر الذي يحكى فيه عن أساطير (إينغفار المسافر بعيدًا) فربما إسترشد اينغفار بمعارف وتعاليم ابن فضلان في التجارة مع العالم الإسلامي، وهو أمر كما يبدو تاريخيًا غير مستبعد. كما ورحل إينغفار كذلك للإنضمام الى الروس في حربهم ضد الخلافة العباسية، وأشارت إحدى الصخور الى وفاة إينغفار في ارض الشرق، بعد أن بعث ببعض الذهب الى دياره في السويد.
استمرت عادة اقامة أحجار الرون حتى القرن الثاني عشر، لكن غالبية الأحجار الرونية الموجودة اليوم تعود إلى أواخر عصر الفايكنج أي القرن الحادي عشر الميلادي.
تسمح أحجار الرون في إعطائنا معلومات، وإستنتاجات مهمة عن التاريخ المبكر، وعن الثقافة العامة السائدة آنذاك، وعن طبيعة المجتمع ، وإسلوب حياة الناس في عصر الفايكنج. وكأنّ هذه الحجارة رسائل عبر الزمن من جيل الفايكنج السالفين . نحتوا ودوّنوا وعَبِّروا بها عن أمورهم وأحوال عصرهم. ليَطَّلِع على حياتهم ألأحفاد من ألأجيال اللاحقة.
الهومش:
(1) لاحظ ان كلمة سَرك هي ذاتها لفظ (شرق) باللغة العربية حين ينطقها غير العرب. و(لاند) تعني أرض أو بلاد ومقطعي اللفظة يعني (أرض ألشرق) وفي الأزمان الأولى كانت تطلق على أرض الخلافة العباسية.