:باطل مشتهر
الأدب والرشيد
اتخذ من بغداد مركزا لحكمه وسلطته ، كان ملء السمع والبصر في الدنيا كلها ، دانت لحكمه الممالك من الشرق الى الغرب في مملكة اعتبرت يوم ذاك من اعظم ممالك التاريخ ازدهارا وقوة ورقيا، شهرته الواسعة التي بلغت الآفاق، جعلت بلاد الهند والصين في الشرق ودول أوروبا في الغرب تبعث برسلها ووفودها إلى بلاطه في بغداد لتخطب وده، وتطلب صداقته.، ويحنوا هاماتهم مطئطئين الرؤوس رهبة منه وذهولا من الابداعات الحضارية في بغداد، ولم لا وقد امتدت فعلا دولته من الصين وأواسط آسيا شرقا الى المحيط الأطلسي غربا، هذا الخليفة الذي جعل دولة الأسلام وعاصمتها بغداد تتألق وتعيش عصرها الذهبي في كل العلوم والمعارف ، حتى تم طرح اجمل الأوصاف على بغداد ،واسبغ لقب الخليفة ذاته الذي اشتهر به عليها ونسبت اليه فاصبحت تعرف والى يومنا الحاضر بأنها (بغداد الرشيد)، وليبقى اهم واعرق شارع في بغداد (شارع الرشيد) كتخليد وذكرى واعتراف من بغداد بفضل هذا الرجل العظيم عليها.
انه الخليفة العباسي الخامس أبو جعفر هارون بن محمد المهدي بن أبي جعفر المنصور عبد الله بن محمد بن علي بن عبد الله بن عباس الهاشمي العباسي، المعروف اختصارا بـ ( هارون الرشيد). والذي امتد حكمه اكثر من 23 سنة من 786- 809م،
في سنة 148هـ ولد هارون الرشيد بالري يوم ان كان أبوه أميرا عليها وعلى خراسان ، عرف بالشجاعة والقوة ، وقاد الحملات على الروم في عهد أبيه المهدي بن ابي جعفر المنصور ، ولم يتجاوز العشرين من عمره. وكان من حوله مجموعة من القادة العسكريين المشهود لهم بالكفاءة ليتعلم من تجاربهم وخبراتهم. ولحسن ادارته في قيادة هذه الحملات وللانتصارات التي حققها، لقب بالرشيد، أي انه حصل على الشهرة واللقب قبل ان يتولى منصب الخلافة. وهذا يعطينا صورة عن طبيعة هذا الشاب الذي سيتولى الخلافة بعد اخيه موسى الهادي في سنة 170هـ .
نشأ فصيح اللسان وكان له اهتمام بالعلم والأدب واحترام العلماء وحسبه ان ابرز من قام على تعليمه وتهذيبه العالم اللغوي الجليل ( الكسائي) وغيره من فطاحل العلماء الأعلام المشهورين.
كان يبغض الجدال والكلام، ويبكي على نفسه وذنوبه،وهذا شأن من يرقب الله، كثير الصلاة كثير الصدقة يحج تارة ويغزو اخرى، غزير الدمع عند الموعظة، ورواية ابن السماك مع الرشيد مشهورة فقد دخل ابن السماك على الرشيد يوما فاستسقى الرشيد فجيء له بكوز فلما أخذه قال ابن السماك: على رسلك يا أمير المؤمنين لو منعت هذه الشربة بكم كنت تشتريها قال بنصف ملكي قال اشرب هنؔأك الله تعالى فلما شربها قال: أسألك لو منعت خروجها من بدنك بماذا كنت تشترى خروجها قال بجميع ملكي قال إن ملكا قيمته شربة ماء وبولة لجدير أن لا ينافس فيه فبكى هارون الرشيد بكاء شديدا.
كان متواضعا يحب العلم بل من اكثر الخلفاء اهتماما بالعلم والعلماء ، يجلس الى العلماء ويستمع اليهم، حريصا على تعليم اولاده حتى ولو بالمعاناة ، قال القاضي الفاضل ما أعلم أن لملك رحلة قط في طلب العلم إلا للرشيد فإنه رحل بولديه الأمين والمأمون لسماع الموطأ على مالك (رحمه الله). والامام مالك هو امام دار الهجرة (اي المدينة المنورة) على صاحبها افضل الصلاة والسلام.
كثير الحج : تحدث بعض المؤرخين عن سنوات حجه بالناس فكانت: سنوات 170، 173، 174، 175، 176، 177، 178، 179، 181، 186، 188هـ .وربما اعتمر في رمضان وبقي على احرامه الى وقت الحج .وربما تنقل بين مكة وعرفات ماشيا، وكان يصحب معه جمهرة من العلماء والفقهاء وعوام الناس ومن امواله الخاصة، وانظر الى واقعنا اليوم فالكل يعلم ان هنالك علماء ومراجع لهم ثقلهم ولهم جمهورهم واتباعهم الذين يقلدونهم ويقتدون بهم، ومع ذلك هؤلاء العلماء والمراجع يعيشون ويموتون بعد طول عمر دون ان يؤدوا فريضة الحج ولو لمرة واحدة في حياتهم ، هذا برغم سهولة السفر ، وقلة التكاليف ، وخدمة الخمس نجوم. فكيف يستقيم الاقتداء بمن لا يرعى ولا يؤدي شعائر وفروض الله سبحانه وتعالى!!.
عمل الرشيد على تنظيم الطرق وتوفير سبل الراحة للمسافرين الحجاج الى مكة والمدينة وانشأ دور الاستراحة على طول طرق القوافل وجهزها بالفرش والأثاث والطعام والماء وتحديد معالم الطرق والمسافات كي يعلم المسافر كم بقي له للوصول الى نهاية رحلته.
كثير الجهاد: وكان الجهاد في زمنه متواصلا حيث يهدد الروم الثغور على الدوام فقام بتحصين الثغور ورمم المتهالك منها وبنى القلاع والأسوار وجهزها بالقوت القوات على طول الحدود مع الروم. وكان يقود القتال ويسير الى سوح الجهاد مع الجيش حيث سار ، غير هياب ولا متقاعس.
دعم الاسطول البحري واقام دارا لصناعة السفن الحربية ليكون الاسطول جاهزا لمواجهة الروم الذين لهم باع طويل في الحروب البحرية، ومن ثم فقد قام بفتح بعض الجزر في البحر الأبيض المتوسط ، واتخاذها قواعد عسكرية له، لردع الروم ولتكون له الهيمنة الكاملة على البحر الأبيض المتوسط.
كان في حرب متواصلة مع الروم، ولم يكن محبا للحرب لأجل الحرب، بقدر ما كان يسعى لحماية حدود دولة الاسلام ورد اعتداءآت الروم الذين يشكلون على الدوام خطرا طامعا في دولة الاسلام، ومع ذلك ومن موقع القوة ومن عزة المسلم وهيبة الخلافة، كان من يعرض عليه السلام والصلح من اعداءه ، لم يكن الرشيد ليرفض قبول الصلح ، فهذا هو الخيار الديني للمسلم المقتدر ، ولأنه بالمقابل يدرك تماما ان من ينقض عقد الصلح من الاعداء او يغدر بالمسلمين فان الرشيد قادر على ان يلقنه درسا لن ينساه ، كما حدث مع نقفور ملك الروم مثلا:
حين تولى ملك الروم نقفور حكم الروم خلفا للملكة السابقة (إيريني) والتي كانت قد عقدت في زمانها معاهدة صلح مع بلاد المسلمين وتضمنت المعاهدة التزام الروم بدفع مبالغ مالية سنوية كجزية لدولة الاسلام ، اعلن نقفور حين تولى حكم الروم نقض الصلح سنة (186هـ - 802م)، وكتب إلى هارون الرشيد: "من نقفور ملك الروم إلى ملك العرب، أما بعد فإن الملكة إيريني التي كانت قبلي أقامتك مقام الرخ (الرخ هو القطعة الممثلة للقلعة في لعبة الشطرنج)، فحملت إليك من أموالها، لكن ذاك ضعف النساء وحمقهن، فإذا قرأت كتابي فاردد ما حصل قبلك من أموالها، وافتد نفسك، وإلا فالحرب بيننا وبينك".
فلما قرأ هارون هذه الرسالة ثارت ثائرته، وغضب غضبًا شديدًا، وكتب على ظهر رسالة الإمبراطور: "من هارون أمير المؤمنين إلى نقفور كلب الروم، قد قرأت كتابك يا ابن الكافرة، والجواب ما تراه دون أن تسمعه، والسلام".
وخرج هارون الرشيد بنفسه في سنة (187 هـ- 803م)، حتى وصل "هرقلة" وهي مدينة بالقرب من القسطنطينية وتعتبر القاعدة العسكرية التي يحتمي فيها الملك (الامبراطور)، وعلى اثر الحصار والمواجهات اضطر الملك نقفور إلى طلب تجديد الصلح والموادعة، ودفع الجزية كما كانت تفعل "إيريني" من قبل، واجابه الخليفة هرون الرشيد الى طلبه، ولكنه نقض المعاهدة بعد عودة الرشيد الى عاصمة الخلافة، فعاد الرشيد مجددا إلى قتاله في العام التالي وهزمه هزيمة نكراء، وقتل من جيشه أربعين ألفا، وجُرح نقفور نفسه، وقبل الموادعة، وتم اجراء الفداء بين المسلمين والروم، ولم يبق عند الروم مسلم في الأسر، فابتهج الناس لذلك.
ومرة اخرى غدر نقفور سنة ( 190 هـ- 806م)، وتولى جيش الخلافة الميمون سحق جيش الروم مما اضطر معه نقفور لاستعطاف الرشيد وطلب الهدنة من جديد، وخاطبه بأمير المؤمنين، ومن ثم قام بدفع الجزية عن نفسه وقادته وسائر أهل بلده، وتعهد ان لا يعمر مدينة هرقلة مرة أخرى كي لا تتخذ قاعدة للغدر ومهاجمة المسلمين مستقبلا..
يكفي الرشيد فخرا انه قاد دولة هي الأكبر في العالم على مر التاريخ، دولة مترامية الاطراف متعددة اللغات والاعراق والعادات والتقاليد والديانات والمذاهب، تتهددها مخاطر الطامعين والحاقدين على حدودها ، ولكن في الداخل وازاء مثل هذه الدولة الواسعة كان من الطبيعي ان يحدث فيها بعض الهنات هنا او هناك مما ينغص العيش، وشيء من الفتن والاضطرابات التي قد تعكر صفو الأمن والمواطن، ولكن حنكة وحزم وحكمة الرشيد كانت حاضرة لمعالجة بوادر اي ازمة قد تعصف بالبلاد.
تلكم نبذة صغيرة مختصرة عن الخليفة العابد المجاهد هارون الرشيد، أعظم خلفاء الدولة العباسية جهادا وغزوا واهتماما بالعلم والعلماء. ذلك الرجل (مع الأسف الشديد) أشاع عنه الشعوبيون والحاقدون والنفعيون الذين لم يجدوا لهم وجها عند الخليفة وفي بلاطه. اشاعوا الأكاذيب وحاولوا أن يصوروا سيرته وحياته بصورة شارب الخمر الماجن، صاحب الجواري الحسان والليالي الحمراء الذي لاهم له سوى الغواني والراقصات والخمر والطغيان ، ومن ثم عمد كتؔاب الأدب نسج القصص الخرافية والحكايات الخيالية الواهية عنه ، في كتب الأدب والطرفة والملح والنوادر - وهذه الكتب سوقها رائج خاصة ان كتبت باسلوب شيق سهل - كما فعل ابو الفرج الأصفهاني في كتاب الأغاني، وما سطره أبي حيان التوحيدي في كتاب الف ليلة وليلة من قصص زائفة ، وما تداوله الناس من اشعار ونوادر ابي نؤاس في ذم هارون الرشيد، (مع ان الرشيد لم يلتق بأبي نؤاس اطلاقا) وامتد هذا الأمر الى عصرنا الحاضر حيث نهج بعض الأدباء المعاصرين على نفس النهج امثال جرجي زيدان، وطه حسين وغيرهم، والناس عموما تستهويها كتب الآداب والقصص والنوادر وتستروح وتأنس بقراءتها وتداولها.لخفتها وطرافتها وملامستها الرقيقة للمشاعر، فانتشرت بين الناس هذه القصص الظالمة عن هارون الرشيد وصدقوها.
لقد ارتكب الأدب (وهو يمثل يومها الاعلام المقروء والمنقول شفاها) جريمة بحق اعظم رمز من رموز بغداد. فأشاع اتهامات باطلة في حق الرشيد، وغدت هذه الاتهامات الباطلة مشتهرة بين الناس وكانها من البدهيات والمسلؔمات. وزاد الطين بلة ، ان جاء الفن (غير المسؤول) ليقدم البرامج والمسلسلات التلفازية والتي نقلت الصورة الزائفه عن هرون الرشيد من كتب الأدب وجعلتها مجسمة بالصورة والصوت والحركة مما يجعلها تنطبع في ذهن المشاهد بشكل محكم، وآن للأمة ان تنقب في صفحات التاريخ وتبحث وتكشف عن الحقائق الناصعة في سيرة هذا الرجل العظيم. وهي واضحة وبينة، ونحن لا ندعي ان له العصمة فهو بالتأكيد ليس منزها عن النقائص والعيوب في حكمه ، ولكن صفحته البيضاء ممثلة في زهو بغداد وألقها في زمانه وجهده وجهاده في الحفاظ على دولة الاسلام، كفيلة بتجاوز عيوبه ونقائصه.