(إختراعات وإبتكارات سويدية من حياتنا اليومية)
المخترع المنسي لهوكي الطاولة.
قصة اختراع لعبة هوكي الطاولة (Table Hockey / Bordshockey) وتطورها هي رحلة ممتعة تمتد بين كندا والسويد، وتحولت من مجرد فكرة بسيطة للإنقاذ من هدايا أعياد الميلاد إلى رياضة تنافسية عالمية لها بطولات دولية.
البداية في كندا:
رغم أن المخترع السويدي بيرنت أونغر وضع اللمسة الميكانيكية الحديثة للّعبة، إلا أن الجذور الأولى بدأت في كندا، خلال فترة الكساد الكبير في الثلاثينيات ومطلع الاربعينيات من القرن الماضي. وهو واحد من اشد الأزمات الاقتصادية التي شهدها العالم في القرن العشرين، بعد إنهيار مفاجئ لسوق الأسهم الأمريكية سنة 1929م. وامتد أثره في تراجع الاقتصاد ألأوربي، وبقية دول العالم.
إختراع بدافع الحاجة، وألنموذج البدائي:
في عام 1932، لم يكن الكندي دونالد مونرو (Donald Munro) يملك المال الكافي لشراء هدايا عيد الميلاد لأطفاله. لذا قرر مونرو صناعة لعبة بنفسه داخل المنزل باستخدام أدوات بسيطة جداً: لوح كيّ الملابس، خشب من صندوق الفحم، أسلاك من شماعات الملابس، وخيوط. كانت تلك اللعبة تعتمد على المرتفعات والمنحدرات لتوجيه القرص. وشبهها البعض بلعبة "البينبول".
لعبة البينبول
التوثيق التاريخي لشخصية المُخترع السويدي:
في تلك الحقبة في الثلاثينيات، كان (بيرنت أونغر Bernt Unger) يعمل صحفياً نهاراً، ومبتكراً وشغوفاً بالنجارة والأعمال اليدوية في منزله ليلاً في مدينة "سودرهامن" (Söderhamn) السويدية (2). وكانت كرة القدم والهوكي تشهدان شعبية متزايدة، ففكر بيرنت أونغر في ابتكار لعبة طاولة ميكانيكية تُحاكي هذه الرياضات، تُلعب داخل المنزل، خلال الشتاء السويدي القارس.
أول نموذج يدوي:
قام بيرنت أونغر بصنع نموذج مبدئي يدويًا في ورشته المنزلية، من الخشب ولوح ليفي مضغوط (Masonite) وقِطَع صفائح معدنية. بما يحاكي حلبة التزلج. ولكن الإضافة الثورية في فكرته كانت بعمل المسارات والخطوط المستقيمة التي يتحرك فيها اللاعبون المصنوعون من الصفيح. كان يتم التحكم باللاعبين وتحريكهم يميناً ويساراً أو تدويرهم عبر قضبان حديدية ممتدة من أسفل الطاولة.
مصدر الصورة: prvbloggen.se
لعبة المانجلن (Mangeln) :
كان النموذج الأول الذي صنعه بيرنت أونغر ثقيلاً وبدائياً جداً، حتى إن أصدقاءه والشركة كانوا يطلقون عليه ساخرين لقب "Mangeln" (وهي آلة العصر والتجفيف الثقيلة التي كانت تُستخدم للغسيل قديماً) لشدة ثقل الميكانيكا المصنوعة يدوياً.
براءة ألإختراع:
عام 1937 تقدم أونغر بطلب براءة اختراع لتصميم ميكانيكي يسمح بتحريك مجسمات اللاعبين عبر قضبان وشقوق في الطاولة، وحصل رسمياً على براءة الاختراع السويدية في نوفمبر 1938م.
مسمى براءة الاختراع الغريب:
من المدهش أنّ بيرنت أونغر عندما قدم على براءة الاختراع، لم يسجلها باسم "هوكي الجليد"، بل كان المسمى الرسمي للبراءة: (لعبة كرة قدم الطاولة أو ما يشابهها (Bordsfotbollsspel eller liknande)؛ حيث كان الهدف هو النظام الميكانيكي للتحكم باللاعبين، عبر السكك بدلاً من نوع الرياضة نفسها.
كيف انتهت قصته مع الاختراع؟:
في مارس 1938، أخذ بيرنت أونغر نموذجه الخشبي اليدوي وذهب به إلى العاصمة ستوكهولم لعرضه على شركة ألألعاب (اريستوسبيل Aristospel) المُجَهّزة لتصنيع الألعاب، والتي كانت تديرها سيدة ألأعمال الطموحة ثيرا سفينسون (Thyra Svensson).وقد رأت في اللعبة أمكانات واعدة للتسويق التجاري.
بيع براءة الاختراع:
أُعجبت ألإدارة والمديرة التنفيذية للشركة السيدة ثيرا بالتقنية الميكانيكية والكرة الحديدية الصغيرة، وقررت شراء اللعبة وبراءة الاختراع معًا، مقابل مبلغ إجمالي محدّد (مقطوع) لِمَرّة واحدة بدلاً من الحصول على نسبة من المبيعات المستقبلية.
مصدر الصورة: prvbloggen.se
النهاية بالنسبة لبيرنت أونغر:
حصل أونغر على مكافأته الفورية من المالكة الجديدة، وعاد لحياته الصحفية، بينما تولى شقيقان مخترعان وهما (كلاس وهنريك فيدغرين) تطوير اللعبة ميكانيكياً لشركة Aristospel وجعلها تعمل عبر قضبان معدنية تدور 360 درجة.
كانت اللعبة تشتمل على لاعبين متحركين مصنوعين من صفائح معدنية مسطحة على شكل لأعبي الباندي. وأرضية على شكل جليد رمادي مصنوع من ألواح خشبية مضغوطة ومصقولة (مازونيت) فصَنعت الشركة منها 1000 نسخة بإطار خشبي، وطرحتها تجاريًا في الأسواق وذلك في عام 1939م. وسُمّيت اللعبة يومها "بوكن". وبمرور الوقت طُوّرت الشركة نماذج جديدة، وإنفردت بعد ذلك الشركة بالسيطرة على سوق اللعبة لنحو 20 عامًا، بمعدل مبيعات بلغ 25 الف نسخة سنويًا. كما صُدّرت اللّعبة إلى جميع أسواق الدول الكبرى الشغوفة برياضة هوكي الجليد مثل الاتحاد السوفيتي وتشيكوسلوفاكيا وكندا وفنلندا.
العصر الذهبي بالتحول للعلامة الشهيرة (STIGA):
في وقت لاحق، في نهاية الخمسينيات، وتحديدًا عام (1957م) دخلت الشركة السويدية الشهيرة عملاق الألعاب (ستيجا (Stiga على خط الإنتاج، بعد أن انتقلت اليها الحقوق والتطوير، وأحدثت نقلة نوعية كبرى، وحوّلت اللعبة من مواد خشبية، إلى بلاستيك ثلاثي الأبعاد، لتكتسب الشهرة والأهلية لتكون اللعبة الرسمية، للبطولات العالمية في قادم الأيام.
الإنتاج البلاستيكي الواسع:
استبدلت ستيجا المكونات الخشبية الثقيلة بالبلاستيك المقوى الخفيف. وبفضل "حُمّى الهوكي" واسم تومبا (1)، قفزت المبيعات قفزة هائلة من 25 ألف نسخة إلى 230 ألف نسخة في السنة، لتصبح اللعبة جزءاً أساسياً من كل منزل في الدول الإسكندنافية، وأجزاء كبيرة من أوروبا وأمريكا الشمالية.
صاحب الإختراع المنسي في سجلات هوكي الجليد:
حلت العلامات التجارية محل إسمه على اللّعبة، إذ ارتبطت اللعبة دائماً باسم شركة STIGA ومشاهير هوكي الجليد اللاعبين الحقيقيين الذين وُضعت صورهم على علب اللّعبة. في حين ظل اسم بيرنت أونغر مجهولاً لسنوات طويلة جداً بين ملايين عشاق لعبة "هوكي الطاولة" حول العالم. وعلى عكس الرياضيين والنجوم الذين ارتبطت أسماؤهم باللعبة لاحقاً، عاش بيرنت أونغر حياته بعيداً عن أضواء الشهرة تمامًا.
وبما أنه صحافي وهاوي بسيط، وليس شخصية عامة أو سياسية شهيرة. ولبيعه براءة الاختراع مبكراً، وتواريه عن أضواء صناعة الألعاب، لم تُسجّل تفاصيل حياته بدقّة في الأرشيفات الرياضية العامة للّعبة، بل بقي مسجّلاً مُعرّفًا بالتالي: "الصحفي والمبتكر من سودرهامن الذي قدم طلب البراءة في 22 أبريل 1937 وحصل عليها في 10 نوفمبر 1938".
تطور هوكي الطاولة إلى رياضة رسمية:
مع مطلع الثمانينيات، تحولت اللعبة من مجرد تسلية منزلية، إلى رياضة رسمية معترف بها، وأقيمت أول بطولة وطنية سويدية لهوكي الطاولة عام 1982م. وما زالت قائمة كرياضة حتى اليوم. وفرض اللاعبون السويديون هيمنتهم على هذه الرياضة عالمياً، حيث تُوّجت السويد بالعديد من الميداليات الذهبية في بطولات العالم.
تغطية إعلامية وتوثيق تاريخي مُوَسّع:
أطلقت الصحافة السويدية والاتحادات الرياضية حملة توثيق صحفية وتاريخية تحت عنوان "التعريف بابتكار بيرنت أونغر"، وذلك بمناسبة الاحتفال بالذكرى الـ 75 للاختراع، وذلك عام 2012م. حيث أقام الاتحاد السويدي لهوكي الطاولة، والمؤسسات التاريخية للرياضة في السويد، احتفاءً تاريخياً باللعبة، وسَلّطت الصحافة والاتحادات الرياضية الضوء على بيرنت أونغر، ونُشرت أوراق براءة اختراعه الأصلية، ورسومات النموذج الأول، للتأكيد على أسبقيته التاريخية.
الإعتراف الرسمي والتكريم لمُبتكر هوكي الطاولة:
حظي بيرنت أونغر بتكريم رسمي استثنائي، أخرجه من دائرة النسيان التاريخي. واُدرج اسمه مقابل العلامات التجارية الشهيرة، وإعتمد كأول وأهم شخصية في "قاعة مشاهير لعبة هوكي الطاولة في "قاعة المشاهير لهوكي الطاولة"، وتم الاعتراف به رسمياً بصفة "الأب الروحي والمُنشئ الأول لِلّعبة".
وهكذا اُعيد لبيرنت أونغر ألإعتبار المُستَحَق، وظلت فكرته الميكانيكية البسيطة، متواصلة دون تغيير في مفهومها الأساسي، حيّة وممتعة للأجيال.
هوامش:
1- (تومبا) هو سفين تومبا جوهانسون (Sven Tumba)اسطورة لاعبي الهوكي السويدي في الخمسينات.
2- مدينة "سودرهامن" (Söderhamn) السويدية: تقع شرق وسط السويد حوالي 250 كيلومتراً شمال العاصمة ستوكهولم.