!باطل مُشتَهَر- لماذا التحامل على ألأمويين؟
تكاد الغالبية العظمى من المراجع والمصادر التاريخية التي تغص بها المكتبات العامة، تكاد تخلو خلوًا تامًا من كلمة مدح أو ثناء على حقبة حكم الخلفاء الأمويين، بدءًا من أول خليفة (معاوية بن أبي سفيان) الى آخر خليفة أموي (مروان الثاني بن محمد ) باستثناء الخليفة عمر بن عبد العزيز! الذي حظي بالمديح (وسبب هذا الإستثناء نبينه في مقال منفصل لاحقًا إن شاء الله). لقد إستفاضت كتب التاريخ في النيل والذم لحكم الخلفاء الأمويين ورموهم باقسى عبارات الطعن والتجريح والقذف وأللوم والتقريع واتهموهم بالفسق والفجور والكفر، وأنهم استأثروا بالحكم وراثة، وأرهقوا البلاد وظلموا العباد.
هذا التاريخ بهذا التوجه مو ما كتبه خصوم واعداء ألأمويين (أي العباسيين والعلويين وتيارات أخرى) كتبوه ودونوه بعد زوال دولة الأمويين، لأن تدوين التأريخ بدأ في عهد العباسيين (وهم كمنتصرين على ألأمويين) حينما دونوا، فقد شرعوا بتجريد تاريخ الأمويين من كل مأثرة او منقبة، والصقوا به كل نقيصة وتهمة. فهناك من المؤرخين من كتب قاصدًا ومتعمدًا ألإساءة لبني أمية بسبب حقده عليهم وانتصارا لفئته وحزبه، ومنهم من كتب متملقا العباسيين ومحاولة استرضائهم من خلال الطعن في بني أمية، وهناك صنف من المتكسبين الذي كتبوا وارخوا ما كان سوقه رائجا في حينة (التوجه السياسي الرسمي) يبتغون عرض من عروض الدنيا، وربما كان البعض حسن النية، ولكن كحاطب ليل، جمع ودوّن ما يتداوله الناس، ولم يُمحّص أو يُدقّق فيما يُتداول، ولم يدرك خطورة ماسطّر في تزييف الحقيقة على ألأجيال التالية، وهكذا تم طمس صورة الامجاد الأموية، والنقلة الحضارية التي سادت الامة في زمانهم، وتم تشوية سمعة وتاريخ بني أمية.
فان كنت باحثًا عن الحقيقة، فابحث عن القلة القليلة من المؤرخين التي ارخت بعدالة وانصاف دون تحيز لأي جهة، أو لتنظر للأعمال الجليلة فقط، في سيرة كل خليفة حتى في الكتب التاريخية التي تطعن في بني أمية، فالحقائق الناصعة لا يمكن طمسها، أو لعلك تستجمع الصورة الكُليّة لتنظر في المسيرة العامة لبني أمية، وتقارن بين ما أنجزوه مقابل ما وقعوا فيه أخطاء ومظالم. ثم لك الحكم بعد ذلك.
واسرد هنا نبذة مختصرة عن اعمالهم وانجازاتهم للدين وللأمة:
1- نشر رسالة التوحيد: الامة التي بعثها رسول الله (صلى الله عليه وسلم) برسالة التوحيد في الجزيرة العربية، سرعان ماإنطلق بها ألامويون يحملون رايتها خفاقة الى أفاق جغرافية شاسعة فتحًا وجهادًا ونشرًا للدين، منشئين دولة عظمى موحدة تضم مختلف األأجناس وألألوان واللغات والمعتقدات والتضاريس، دولة امتدت على آسيا وأفريقيا وجنوب أوربا. فكانت نقلة حضارية راقية لكل الشعوب التي دخلها ألإسلام، وكان الهدف من هذا الإتساع، تحرير الشعوب من ألإستعباد ومن جورالحكام وتعريف الشعوب بالدين الجديد.
2- إحترام ونشر العربية: انتهجوا سياسة التعريب وذلك من أجل تعزيز هوية الدولة، ثم من أجل نشر اللسان العربي ليسهل على الامم الأعجمية التي دخلت ألإسلام، فهم القران الكريم بلغته التي نزل فيها، وفهم رسالة التوحيد على أكمل وجه، فعربوا مؤسسات الدولة (الدواوين) باستخدام اللغة ألعربية بدل اللغات غير العربية التي كانت سائدة في الدواوين في تلك الفترة، مما كان له الأثر البالغ في تشجيع اهل البلدان المفتوحة لتعلم اللغة العربية، من اجل تعلم الدين، ومن اجل العمل في الدواوين الرسمية للدولة.
سمحوا لبعض القبائل العربية ألأصيلة بالاستيطان في البلدان المفتوحة ليختلطوا مع أهلها فيعلموهم القرآن واللسان العربي ولتتلاقح الثقافات، ولكون اللغة العربية ثرية بمفرداتها وعلومها، فقد ادى ذلك الى تأثيرها الواسع (كمفردات وبنى لغوية وابجدية حروف) في اللغات ألأخرى ولتصبح اللغة العربية لغة الدين والثقافة في أغلب المواقع، وعليه فقد إختارت معظم الشعوب في آسيا وأفريقيا الحرف العربي (ألأبجدية العربية) لكتابة لغاتها المحلية، كالأوردية والفارسية والكشميرية والبشتونية والطاجيكية والسواحيلية والهوسا، وغيرها. وكان من جملة خطوات ووسائل ألتعريب إتخاذ عملة التداول في ألأسواق عليها كتابات عربية،
3- في ميدان العلم : اصبحت دمشق منارة للعلم والعلماء، وغدت كذلك مكة والمدينة والكوفة والبصرة والفسطاط والإسكندرية وغيرها، مراكز للحياة العلمية النشطة، فقد اهتم ألأمويون بحلقات العلم في المساجد، وأولوا العناية الكبيرة للعلم والعلماء وللشعر والشعراء، وقربوهم من مجالسهم، وفتحوا المكتبات ودور الطباعة. وفي زمنهم وبتوجيه منهم تم تنقيط المصف الشريف ووضع حركات ألإعراب فيه، واشتهر العديد من القراء والمفسرين، وظهرت العلوم اللغوية، وبدأ تدوين الحديث النبوي الشريف وعلومه، وعلوم القرآن، وكان الخلفاء هم انفسهم، أو أغلبهم على درجة عالية من العلم والفقة، واهتموا بدراسة العلوم التطبيقية من طب وهندسة وكيمياء وفيزياء وفلك. ودونوا فيها المؤلفات والدراسات، ونمت حركة الترجمة، فاهتموا بنقل ما عند الحضارات الأخرى من معارف وعلوم تجريبية من خلال ترجمة الكتب الى العربية. لتهضم وتختبر وتصهر في العقل المسلم المتشوق للمعرفة والمحصن بالقرآن الكريم والسنة النبوية المطهرة، وبالتالي انتجوا نهضة علمية حضارية فائقة، بلغت القمة بعد ذلك بقليل في العصر العباسي.
4- وفي الميدان ألإقتصادي: صكوا وأصدروا النقود الذهبية والفضية بكتابات عربية ، فكان أن ضُرب أول دينار عربي إسلامي (الدينار الاموي) وبأوزان معتبرة دقيقة، ليكون مقبولا في التعاملات التجارية الخارجية مع الدول والشعوب ألأخرى ، ونجحوا في جعل إقتصاد الدولة في مختلف ولاياتها اقتصادا متينا، بعملة جديرة بالثقة، واستبعدوا العملات السابقة التي كانت متداولة في المجتمع والتي كانت بنقوش رومانية ويونانية وفارسية، ولم تكن بعضها بأوزان صحيحة ولا قيم دقيقة. فنشطت التجارة الى كل الأصقاع، ووصلت سفنهم التجارية الى الهند والصين، حيث تجارة التوابل والجواهر والحرير.
5- في ميدان الزراعة: كان مدركين لآهمية توفير الماء للزراعة، فأقاموا المشاريع الإروائية ونظموا وسائل الري، وأقاموا الجسور والقناطر وحفروا الآبار، ورصدوا الأموال لأغراض الصيانة والترميم، وبرعوا في تنسيق الحدائق، ومن خلال ألأندلس ادخلوا الى اوربا منتجات لم يكن الأوربيون يعرفونها مثل: الرز والقطن والسكر والزيتون والمشمش والفستق. وانشأوا شبكات الري والسدود والخزانات في العديد من المناطق، مثل سد الكوفة، وبجانبه استخدموا بحر النجف لتخفيف ضغط الماء في نهر الفرات عند الفيضان، وسد (الثقبة وسدود أخرى) في مكة لحجز الأمطار والسيول وتغذية الحرم المكي بالماء منها، و(سد خربقة) في الشام، واستخدموا ألاقنية الخزفية والقنوات الحجرية في شبكات توزيع المياه، وسعوا لإستصلاح ألأراضي البور، وجففوا المستنقعات، وراقبوا ودرسوا ألأنواء الجوية بغرض معرفة كميات ألأمطار السنوية ومواسمها، وكيفية التعامل مع الفيضانات والجداول وألاهوار، وأنشأوا المقاييس على المياه الجارية.
6- في ميدان الحكم والإدارة: كانوا ضالعين في الحكم والإدارة بل وكانوا حكامًا من الطراز الرفيع، نظموا شؤون الدولة، واهتموا بتعيين الولاة ألأكفاء ومحاسبة المقصرين منهم، وعاملوا الناس بالعدل والمساواة، وكان مرجعهم في الحكم وإدارة الدولة (الكتاب والسنة)، فنجحوا في السيطرة على دولة مترامية ألأطراف، دولة واحدة ذات سيادة حقيقية كاملة، تحت حكم خليفة واحد، ولم يكن مثل هذه السيادة لإحد غيرهم ممن جاء بعدهم. حتى إن ملك الصين بكل قوته وجيوشه خشي مواجهة المسلمين فطلب التفاوض معهم وذلك حين سمع بوصول جيوشهم لحدود الصين وقد كان الصينيون يسمون العساكر المسلمة (اصحاب الملابس البيضاء)، فأرسل الحجاج بن يوسف الثقفي (باعتباره القائد ألأعلى للجيوش الإسلامية) الى قريبه ألقائد محمد بن القاسم الثقفي لإجراء التفاوض مع ملك الصين.
إنها دولة واسعة ألأطراف تمتد من تركستان الشرقية في الصين ( والتي أسمتها الصين سين كيانج) الى بواتييه وسط فرنسا، ومن بحر قزوين في الشمال الى المحيط الهندي في الجنوب. فنظموا البريد لهذه الاطراف المترامية وانشأوا ديوان الخاتم، وبرز فيهم وفي زمنهم قادة إداريون وعسكريون افذاذ وعظماء أمثال قتيبة بن مسلم الباهلي فاتح (بلاد ماوراء النهر) ، ومحمد بن القاسم الثقفي فاتح بلاد السند والهند (باكستان وما حولها)، ومسلمة بن عبد الملك بن مروان فاتح (آسيا الصغرى حتى وصل الى القسطنطينية)، وعقبة بن نافع فاتح (الشمال الأفريقي)، وموسى بن نصيرفاتح (الأندلس).
7- وفي مجال الخدمات ألاجتماعية: فقد عملت الدولة ألأموية على أقامة مؤسسات ألأوقاف في كل المجالات الخدمية، وشارك في دعم الأوقاف عموم المجتمع، ومشاريع الأوقاف تعني تقديم الخدمة للشعب مجانًا وبدون مقابل مادي، على سبيل المثال تشييد المستشفيات المتخصصة لذوي الأمراض المزمنة، وتخصيص اعطيات ورواتب لذوي الإحتياجات الخاصة من العميان والمجذومين والعجزة والمقعدين وغيرهم من المعلمين والأئمة والمؤذنين...، ومنح كل مُقعد خادمًا، وكل ضرير قائدًا، واصلحوا الطرق، واقاموا بيوتا ومنازل يأوي اليها الغرباء.
8- في الميدان الديني: اهتموا بتعمير وتجديد الحرمين الشريفين في مكة والمدينة وتوسعتهما وكسوا الكعبة بالديباج، وعمّروا المسجد الأقصى وقبّة الصخرة، واهتموا ببناء دور العبادة بشكل عام، وقاموا بتأمين الطرق لوصول قوافل الحجيج الى البقاع المقدسة، وتقديم الخدمة لهم، بحفر ألآبار على طريق القوافل، واقامة مراكز الاستراحة لها، وإعداد بيمارستانات للطبابة والعلاج.
9- في ميدان التخطيط العمارة: فقد أبدع الأمويون في إقامة الصروح والتصاميم العمرانية الرائعة، فأقاموا المساجد والقصور كتحف فنية رائعة بزخارف ونقوش جميلة، وتزينها بالفسيفساء، رافق ذلك كله الذوق الجمالي في إقامة الحدائق الغناء والنافورات. لقد تركوا خلفهم معالم خالدة كالجامع ألأموي في دمشق وقبة الصخرة في القدس، وقصر الحمراء في غرناطة، والمسجد الكبير في قرطبة، وقصر المشتى وقصر عمرا في ألأردن ، وكذا التصاميم الفنية بالغة الروعة في النقوش والزخارق الدقيقة في غرناطة واشبيلية في الأندلس، وانشأوا العديد من الحواضر والمدن المعروفة في وقتنا الراهن، سواء في المشرق العربي، أو في الأندلس.فبنوا المدن كواسط في العراق والقيروان في تونس ، وهكذا الكثير الكثير من ألإنجازات العمرانية الرائعة.
10- في ميدان الجهاد والفتح:
أ- الدولة ألأموية دولة الفتوحات العظمى المباركة، لم يشغلهم شيء أكثر من الجهاد، وأذلوا به الطواغيت، لا يتوجهون الى قطر من ألأقطار إلا فتحوه، ففي زمنهم فتحت كل الأقطار الاسلامية المعروفة اليوم ومن ثم استوطن ألإسلام فيها، بل ان من جاءوا بعدهم لم يستطيعوا ان يضيفوا الى مافتحه الأمويون شيئًا يذكر. فإن حصل وفتحوا بلداننا جديدة (كما فعل العثمانيون في فتح بلدان شرق أوربا) فسرعان ما ينسحبوا منها (لدرء خطر يتربص بهم من الخلف!) وعادت معظم تلك الدول الى أصولها التي كانت عليها قبل الفتح العثماني لها. وعلى أي حال يمكن القول أن دول الإسلام كلها تدين بالفضل في إسلامها بعد الله، الى الفاتحين الأمويين. لقد كانت انتصارات الفتح انتصارات للأمة وتثبيت للإسلام في الارض المفتوحة، ولم يحملوا ألإسلام ألى آسيا وأفريقيا فحسب ، وإنما حملوه ألى أوربا كذلك.
ب- لم يكن جهادهم على البر فقط وانما انتقلوا الى الجهاد في البحر كذلك، فانشأوا إسطولًا إسلاميًا في البحر ولم يكن للعرب خبرة في ميدان القتال في البحر قبل ذلك، فقاموا باعداد المستلزمات أللازمة وتشكيل القوات البحرية الموازية لقوات الروم البحرية (العدو اللدود) والتي كانت في ذلك الحين قوة بحرية هائلة مسيطرة على (بحر الروم) البحر ألابيض المتوسط ، وبإنشاء ألإسطول البحري ألإسلامي، نجح الامويون في مواجهة الروم في البحر في معركة طاحنة سميت بمعركة ذات الصواري وانتصروا فيها على الروم إنتصارًا بحريا باهرًا وكانت المعركة بقيادة الصحابي الجليل والقائد البارع: عبد الله بن أبي السرح أخو عثمان بن عفان من الرضاعة.
ج- في وقت مبكر من قيام الدولة الأموية وتحديدا سنة 52هـ، في زمن خلافة معاوية بن أبي سفيان سيّر الأمويون أول جيش لفتح القسطنطينية (مدينة قيصر) عاصمة الدولة الرومانية الشرقية، لتحقيق نبوءة النبي ألأكرم (صلى الله عليه وسلم) المبشرة بفتح مدينة قيصر، وكان الجيش بقيادة يزيد بن معاوية فاستحقوا وعد الرسول (صلى الله عليه وسلم) الذي قال: (أول جيش من أمتي يغزون مدينة قيصر مغفور لهم) (2677 البخاري). فحاصروا المدينة ولم يستطيعوا فتحها. وبشكل عام كان الخلفاء ألأمويون حريصين على زج ابناءهم في طليعة الجيوش الغازية، طلبا للجهاد وتدريبا لهم على التحمل والجدية والقيادة، واعدادهم لتحمل المسؤليات الجسيمة.
د- من أمثله ذلك: قيادة يزيد بن ابي سفيان للجيش لغزو مدينة قيصر (ألقسطنطينية) في زمن خلافة أبيه معاوية، وقد مرت معنا قبل قليل. وارسل الخليفة عبد الملك بن مروان ابنه الوليد مرارا لغزو بلاد الروم ، ونفس ألأمر كان مع أخيه محمد بن عبد الملك، وحين تولى الوليد بن عبد الملك الخلافة أرسل أولاده: العباس وعبد العزيز وعمر ومروان لقيادة قطعات الجيوش لغزو بلاد الروم وليكونوا سندا لعمهم مسلمة بن عبد الملك في المصادمة مع الروم . وهكذا كان الحال مع كل الخلفاء الامويين. بل أن الخليفة هشام بن عبد الملك وكان أولاده في مقدمة المقاتلين، قد فرض على جميع بني مروان (الاسرة الحاكمة) المشاركة في الغزو ، ومن يتخلف يمنع عنه العطاء.
هذه لمحة بسيطة لما قدمته الدولة ألأموية من إنجازات في خدمة ألإسلام والمسلمين ، انها صاحبة اليد البيضاء على ألأمة تاريخًا وحضارةً وسموًا، ولم تكن دولة سوء أو شر كما يصورها البعض، ولم تكن إرثًا خاليًا من الخير والدين وألإنسانية. بل انها بعد دولة ألخلفاء الراشدين، هي الدولة ألأعظم وألأسمى من كل الدول والممالك التي جاءت بعدها والى يومنا الحاضر
قطعًا كان لبعض خلفاء بني أمية أخطاء وهنات، وقد تكون أخطاءً جسيمة، ولكن يكاد لايخلو تاريخ وحياة أيّ إنسان، أو أمّة، أو حضارة، من وقوع تصرف خاطئ، أو ظلم في وقت ما تجاه ألآخرين، فما على هذه ألأرض بشر خطاؤون. وقد وقع الخطأ من بعض الخلفاء، كما وقع ويقع من غيرهم، والسياسي ربما اكثر عرضة من غيره للخطأ بسبب ضخامة المهمة التي يضطلع بها وتشعبها، ولأن ألأنظار توجه اليه دائمًا، ومع ذلك يبقى السياق العام لبني أمية يتجسد في الوجه الإنساني والديني النبيل وما قدموه من عطاء وفتوحات ونشر للأسلام ورخاء اجتماعي وقيادة رائدة تستحق كل التقدير وألإحترام.
يكفيهم فخرًا انهم في خير القرون بشهادة النبي ألأكرم (صلى الله عليه وسلم) (خير القرون قرني). فحكمهم إمتداد لحكم الراشدين، وإن لم يبلغوا ما بلغه الراشدون، وخاصة زمن الثلاثة الأوائل. لقد كان وجودهم حركة تأريخية ونقلة حضارية للتحرر وبعث الوعي في الشعوب المقهورة، وآن لنا أن نتحرر نحن بدورنا من ألأحكام المسبقة، والأحقاد المتراكمة، وألإستخفاف ببني أمية. وننظر بإنصاف الى حركة التاريخ والتطور الذي حصل في زمانهم.
وياليت من ينتقدهم ويكرههم، ممن جاء بعدهم بلغ مستواهم، أو قل عُشر معشار مستواهم. ياليت من جاء بعدهم تجنب ماوقعوا فيه من مآخذ. بل وجدنا من جاء بعدهم وقعوا في أضعاف أضعاف ما وقع فيه بني أمية، ومع ذلك لم توجه لهم سهام النقد والتشهير والتجريح كما وجهت ظلما لبني أمية.
وأخيرًا لقد إستلم أو لنقل: لقد غنِم العباسيون من ألأمويين دولة عظمى واسعة ألأرجاء رائعة التكوين، مكتملة البنيان والأركان في كل الجوانب والنواحي.