باطل مُشتهَر : لماذا سلمان من أهل البيت؟!.
الجزء ألثاني
كنا قد بيّنّا في الجزء الأول من هذا البحث عدم صحة حديث (سلمان منا آل البيت)، وذكرنا ان هذا الحديث سيكون بمقتضاة تمرير اساءة (بالغة) للقيم الإسلامية، والطعن بآل البيت الكرام، وخاصة بعلي بن ابي طالب وفاطمة (عليهما السلام ورضي الله عنهما) ، إذ سَيُتخذ الحديث بمثابة غطاء لتمرير الطعن والإساءة.
إن صُنّاع الحديث الذين روجوا أن سلمان الفارسي من آل البيت، - والراجح انهم من متعصبي الفرس او من المتعاطفين، الذين يمجدون في التاريخ ، كل مايمت للفرس بصلة-، قد وجدوا ضالتهم مرة أُخرى في سلمان الفارسي (رضي الله عنه)، وتقدموا بخطوة تالية في صناعة الكذب، فتسللوا الى بعض المراجع القديمة، ودسّوا حديثا في منتهى الإسفاف والخطورة، وقائم على اساس ما تلقاه الناس بالقبول في حديث (سلمان منا آل البيت). وعليه، فلسلمان حقوق آل البيت كاملة !، وليدخل متى شاء بيوت آل البيت، فهو واحد منهم!. وليشتاق اهل البيت للقياه والأنس بمجالسته والحديث معه!، ولِمَ لا أليس هو أحد افراد هذا البيت الكريم!!.
ألإشكالية هنا قائمة على (الكذبة الأولى) في ان سلمان من آل البيت. أما وقد مُررت هذه على الجميع، فلتبنى عليها (الكذبة التالية). ومحورها قائم على ان لسلمان الحق في الدخول على فاطمة (رضي الله عنها) متى شاء، وبغياب علي (رضي الله عنه) فلا بأس بذلك ولا مانع!، فعلي يرضى بذلك بل هو الذي يرسل سلمان الى بيت فاطمة (حاشاه). وبالمقابل فإن فاطمة (رضي الله عنها) تشتاق لرؤية سلمان ومجالسته (حاشاها من هذا الهراء).
تأمل هذه الرواية من كتاب بحار الانوار للمجلسي: (ج43 ص61) وهي مبثوثة كذلك في العديد من المراجع والكتب. بل والمؤسف أنها موجودة كذلك على العديد من المواقع الألكترونية (ولا أريد الترويج لها)، ومنشورة حتى على موقع (مركز ألأبحاث العقائدية)، الذي يجدر به استنكارها والتحذير منها صراحة والضرب بها عرض الحائط.
واليك هذه الرواية المنكرة:
{عن عبدالله بن سلمان الفارسي, عن أبيه قال : خرجت من منزلي يوما بعد وفاة رسول الله صلى الله عليه واله بعشرة أيام فلقيني علي بن أبي طالب عليه السلام ابن عم الرسول محمد صلى الله عليه واله فقال لي : يا سلمان جفوتنا بعد رسول الله صلى الله عليه واله, فقلت : حبيبي أبا الحسن مثلكم لا يجفي غير أن حزني على رسول الله صلى الله عليه واله طال فهو الذي منعني من زيارتكم, فقال عليه السلام : يا سلمان ائت منزل فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه واله فانها إليك مشتاقة تريد أن تتحفك بتحفة قد اتحفت بها من الجنة, قلت لعلي عليه السلام, قد اتحفت فاطمة عليها السلام بشئ من الجنة بعد وفاة رسول الله صلى الله عليه واله ؟ قال : نعم بالامس . قال سلمان الفارسي : فهرولت إلى منزل فاطمة عليها السلام بنت محمد صلى الله عليه واله, فإذا هي جالسة وعليها قطعة عباء إذا خمرت رأسها انجلى ساقها وإذا غطت ساقها انكشف رأسها, فلما نظرت إلي اعتجرت ثم قالت : يا سلمان جفوتني بعد وفاة أبي صلى الله عليه واله قلت : حبيبتي أأجفاكم ؟ قالت : فمه اجلس واعقل ما أقول لك…الخ}. بحار الانوار للمجلسي: (ج43 ص61)
هذه الرواية المزيفة والمتهافتة المضمون ، لا تقبل لا عقلا ولاشرعا ولا منطقا. ولا حاجة للبحث في السند، فهي ظاهرة الكذب والضلال. والتساؤلات التالية توضح جانباً من شناعة هذا الكذب والضلال:
1- هل حزن المحب لفقدان حبيبه عشرة أيام يُعَدُّ طويلا؟. بالتأكيد لا. فما بالك بفقدان من هو أعز عليك من نفسك وامك وابيك وولدك والناس أجمعين (أعني فقدان النبي (صلى الله عليه وسلم)!. وعليه كيف يقول سلمان (حزني على رسول الله صلى الله عليه واله طال). وكأنه يستكثر المدة أو يستكثر ألحزن. اليس من البدهي ان يطول الحزن على رسول الله اكثر من هذه المدة؟. ان كنا نحن لا نستكثر الحزن على الحسين (رضي الله عنه وأرضاه) بعد كل هذه الأزمان!، فكيف يستكثر صاحب النبي المقرب منه، الحزن عليه عشرة ايام!؟. لقد كانوا يُصبِّرون من اصابته مصيبة بتذكيرة بمصيبتهم في رسول الله (صلى الله عليه وسلم).
2- كيف يرسل علي (رضي الله عنه) سلمان الفارسي (رضي الله عنه) ليدخل بغيابه على بنت رسول الله (صلى الله عليه وسلم)؟.كيف يصدر هذا من علي، حتى لو إفترضنا صحة حديث ان سلمان من آل البيت ، وحتى لو افترضنا ان عليا قال عن سلمان (إنه أعز صديق لي، وبمثابة أخي ، ومن أهل بيتي). كيف يرسله الى بيته، بدون مَحرَم في البيت. هل يفعل هذا أحد ذو مروءة ، مهما كان صديقه عزيزًا عليه؟. هل نسي عليّ ألأحكام الشرعية المانعة من دخول غريب على أهله، دون وجود محرم!.
3- هل يعقل ان توجه الزهراء ذات الخدر والحجاب المصون (رضي الله عنها) كلامها لرجل غريب عنها وتقول له إنها مشتاقة إليه، وما هو بزوجها ولا ابوها ولا أخوها ولا إبنها؟. وكيف تشتاق لسلمان الفارسي ولم يمض على وفاة ابيها سوى عشرة أيام. أما كان ألأولى ان تشتاق الى رؤية ابيها الذي غاب عنها؟. اين حزنها وشوقها لأبيها وتوجعها عليه والذي ينبغي أن يغطي على شوقها لأي "محبوب" آخر.
4- لقد رحل النبي (صلى الله عليه وسلم) وترك البلاد مستقرة وناسها بعد فتح مكة في يسر من الحياة، وقد تجاوزوا المرحلة الأقتصادية العصيبة التي كانوا يجدونها من قبل. واصبحوا ينعمون بالأمن والإستقرار الإقتصادي المكافيء لتلك المرحلة. فكيف لا يستطيع علي (رضي الله عنه) -حتى وإن كان فقيرًا- ان يوفر للزهراء ما تحتاجه من الملبس الساتر المناسب؟.. اليس تصويرها جالسة بهذه الهيئة المُذلِّة، إهانة لها (رضي الله عنها وارضاها). ملبسها غير ساتر، (إذا خمرت رأسها انجلى ساقها وإذا غطت ساقها انكشف رأسها). اليس في كل ذلك اهانة وانتقاص من علي ومن فاطمة على حد سواء. ولكن من الواضح ان صانع الحديث لا يبالي بطيش سهامه المسمومة أن تصيب آل البيت، وإنما يكفيه أن يرسم لسلمان (الفارسي) هالة التمجيد والقدسية والمكانة الخاصة.
5- كيف يباح لسلمان وهو من عُرف بتقواه وزهده، ان ينظر الى رأس وساق الزهراء؟. وأن يصف مارآه ويُحدّث به، ولا يَستر؟. أين التقوى وغض البصر والستر.
6- أين؟، ومتى؟، كان سلمان يلتقي بالزهراء ويزورها سابقا لتقول له: (جفوتني)؟، اي انقطعت عني. هذا افتراء وهراء. مثل هذا القول لا يليق ولا يمكن ان يصدر من البتول فاطمة (رضي الله عنها)؟.
7- كيف يعقل ان يخاطب سلمان سيدة غريبة عنه بقول: (حبيبتي)؟ وكيف تقبل ألزهراء هذا منه؟.
8- هل من المنطق ان عليا (رضي الله عنه) يعلم بكل تلك (العواطف في العبارات!) بين فاطمة وسلمان، ويرضى بها. (حاشاه وهو الغيور على الزهراء من عود ألآراك كما في ابيات الشعر المشهورة التي تنسب اليه)؟.
هذا الحديث اهانة وعبث بآل البيت، وبالسيرة العطرة للصحابي الجليل سلمان الفارسي. إنه حديث منكر موضوع، لا إعتبار له. وانما اوردناه هنا، للتنبيه عليه وعلى امثاله الكثير، ولكشف الزيف الذي دُسَّ في تأريخنا وتداولته الأجيال بدون وعي؟. ويقينًا ان فاطمة وعلي وسلمان بريئون من كل هذه الترهات والأضاليل، ومن كل حرف من حروف هذا الحديث.
فهل كان يمكن أن تمرر وتسرب الى الكتب التي تعتبر مراجع، ثُمَّ الى العقول، مثل هذه ألرواية الشنيعة، ويتداولها ويستشهد بها البعض اليوم، لو لم تُروّج زوراً وبهتانًا، فكرة: أن سلمان من آل البيت.